التفّ الفريقُ الطبيّ حول ماريا مازوركيفيتش التي كانت ترقد طريحة الفراش في المستشفى، مسلطين أعينهم عليها وهي راقدة بلا حراك، كانت مازوركيفيتش البالغة من العمر ثلاثين عامًا قد نُقلت إلى مستشفى نيويورك-بريسبيتاريان بجامعة كولومبيا بمدينة نيويورك الأمريكية، ذات يوم شديد الحرارة من أيام شهر يوليو، بعد بضعة أيام من سقوطها فجأةً فاقدة الوعي داخل منزلها، جاءت الحادثة من جرّاء انفجار أحد الأوعية الدمويّة في دماغها، إذ أحدث النزيف الناجم ضغطًا هائلًا على مناطق حساسة في الدماغ، حينها كان فريق الممرضات والأطباء بوحدة العناية المركَّزة التابعة لقسم المخ والأعصاب بالمستشفى يحاولون تبيُّن أي علامات على أن مازوركيفيتش تسمع أصواتهم، كما أوصلوا جسدها بجهاز تنفسٍ صناعي لمساعدتها على التنفس، وفي حين كانت العلامات الحيويّة مستقرّة، لم تُبدِ مازوركيفيتش أي مؤشرات على الوعي.

وقتها، تساءل والدا مازوركيفيتش اللذان كانا ضمن الملتفِّين حول فراشها: "هل بإمكاننا التحدث إلى ابنتنا؟ هل تسمعنا؟"، إلا أنها لم تبدُ واعيةً بأيّ شيء، كان أحدنا (كلاسين) ضمن الفريق الطبي المسؤول عن علاجها، وحينما طَلب من مازوركيفيتش أن تفتح عينيها أو ترفع إصبعين من يدها أو تحرّك أصابع قدميها، بقيت بلا حراك، كما لم تظهر على عينيها أي استجابات للمحفزات البصريّة، رغم ذلك، ظلّ أحباؤها على يقين بأنها ما زالت "حاضرة".

والحقّ أنها كانت حاضرةً بالفعل، فقد استخدم الفريق الطبي المسؤول عن حالة مازوركيفيتش تقنية تخطيط كهربيّة الدماغ (EEG)، بعد أن ثبَّتوا حساسات تسجيل النشاط الكهربيّ على رأسها، ثم بدأوا يوجهون لها بعض التعليمات: "افتحي يدكِ اليمنى وأغلقيها باستمرار"، ثم بعدها: "توقفي عن فتح يدكِ اليمنى وإغلاقها"، ورغم أن يديها لم يتحركا في كلتا الحالتين، إلا أن أنماط النشاط الدماغيّ لديها كانت تتغير استجابةً لكلٍّ من الطلبين الموجهَين إليها، كانت هذه الاستجابات الدماغيّة دليلًا واضحًا على وعيها بالتعليمات الموجهة لها، وبالاختلافات بينها، وبعد مرور ما يقرب من أسبوع، بدأ جسد مازوركيفيتش يستجيب لدماغها، إذ بدأ جسدها يعطي استجاباتٍ ضعيفةً للغاية، إلى أن استيقظت رويدًا رويدًا، وفي خلال عام، كانت مازوركيفيتش قد تعافتْ تعافيًا كاملًا، ومن دون أي إعاقات بالغة في قدراتها البدنيّة أو الإدراكيّة، وحاليًّا تمارس مازوركيفيتش عملها كصيدلانية.

كانت مازوركيفيتش في حالةٍ تسمَّى "الوعي المستتر" covert consciousness، وهي حالة يعكس فيها الدماغ درجةً محدودةً من الإدراك في تعامله مع العالم الخارجيّ، دون أن تبدو على الشخص أي استجابة جسدية، تظهر هذه العلامات الداخلية الدالة على الوعي في 15% إلى 20% من المرضى الذين تبدو عليهم أعراض الغيبوبة أو أي حالةٍ أخرى من حالات عدم الاستجابة للمؤثرات، إذ تظهر هذه الأعراض عند فحص أدمغتهم باستخدام تقنيات تصوير الدماغ المتقدمة، أو إخضاعهم لعمليات الرصد الدقيقة للنشاط الكهربيّ في الدماغ، ومن الجدير بالذكر أن معظم هذه التقنيات لم تصبح متاحةً إلا مؤخرًا، وهاهي الآن تضيف الكثير إلى فهمنا للغيبوبة وغيرها من اضطرابات الوعي، علاوةً على ذلك، فإن الاكتشاف المبكِّر لحالات الوعي المستتر يحسِّن كثيرًا فرص تعافي وظائف الجسم واسترجاع الوعي، الأمر الذي أكدته الدراسات التي أجريناها في جامعة كولومبيا، ولو كانت هذه الاكتشافات قد ظهرت منذ عدة عقود، لكانت قد أثارت دهشة معظم أطباء المخ والأعصاب والباحثين في هذا المجال، إلا أنها الآن تُلقي الضوء على هذه الحالة من الوعي الخفيّ، وتنبهنا إلى ضرورة ابتكار الوسائل اللازمة لتحقيق التواصل مع المصابين بها.

ووفق التعريف القياسيّ لحالة الغيبوبة، يكون المريض فاقدًا للوعي، ولا يمكن إفاقته، ولا تظهر عليه أي مؤشرات دالة على الوعي أو القدرة على التفاعُل مع البيئة المحيطة، وقد لا يختلف المظهر الخارجي للمرضى المصابين بغيبوبة ناتجة عن إصابات شديدة في الدماغ عن شكل الأشخاص المستغرقين في نومٍ عميق، فيما عدا أن أغلب مرضى الغيبوبة يعجزون عن التنفس تلقائيًّا، ويحتاجون إلى أجهزة التنفس الموصَّلَة بأنبوب يُدخل عن طريق مجرى التنفس.

يعتقد بعض الناس أن التعافي من الغيبوبة أمرٌ سهل، في حين يرى البعض الآخر أن المصاب بالغيبوبة ما هو سوى ميتٍ على قيد الحياة، وكلا الاعتقاديْن خطأ، ربما يكون أحد أسباب هذه الاعتقادات الخطأ ما تصورِّه لنا الأفلام الشهيرة، وغيرها من الأعمال الثقافية والفنية الشائعة، على سبيل المثال، نجد "العروس" في الجزء الأول من فيلم «اقتل بيل» Kill Bill: Volume 1، التي تؤدي دورها الممثلة أوما ثورمان، تبدو عليها علامات حسن التغذية بعد خروجها للتو من حالة غيبوبة طويلة، رغم أنها لم تكن تتلقى أي تغذية عن طريق الأنابيب، بل تستعيد كامل قوتها البدنيّة في غضون ساعات، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، إذ يتعرَّض المرضى بعد استعادتهم الوعي لمضاعفات صحِّيَّة متكررة، وتتدهور حالتهم البدنيَّة، ويحتاجون إلى قَطع شوطٍ طويلٍ من التعافي، يتقدمون خلاله خطواتٍ صغيرةً إلى الأمام حينًا ويتراجعون إلى الخلف أحيانًا كثيرة، كما أن المرضى الذين ينجون من الغيبوبة الناجمة عن تعرُّضهم لإصابات شديدة في الدماغ عادةً ما يعتمدون على التغذية من خلال الأنابيب، وقد يحتاج هؤلاء المرضى إلى ثَقب القصبة الهوائيّة لتزويدهم بالهواء اللازم للتنفس من خلال أنبوب متصل بالرقبة، إلى جانب أسابيع، بل شهورٍ طويلة، من برامج إعادة التأهيل، ومع ذلك، تتباين مراحل التعافي ويصعب توقعها، حتى في حالات المرضى الذين يستعيدون قدرتهم على التحرك وحدهم في نهاية المطاف، مثل مازوركيفيتش، وعلى الجانب الآخر، نجد أن الآراء المغرقة في التشاؤم بشأن المصابين بالغيبوبة غير دقيقة بدورها، إذ يَفترض الناس أن الأمر سوف ينتهي بكل مَن يصاب بالغيبوبة إلى البقاء قيدها حتى وفاته، أو الإصابة بإعاقات بالغة إذا أفاق منها، ولكن الواقع يقول إن بعض مصابي الغيبوبة قادرون على استعادة وعيهم وقدرتهم على التواصل والتحرك وحدهم، حتى ولو بعد وقتٍ طويل.

وقد شهد المجال الطبي مع مرور الزمن تغيُّر الاعتقادات بشأن الغيبوبة والوعي؛ ففي ستينيات القرن العشرين، لاحظ أطباء وجراحو المخ والأعصاب أن بعض المصابين بالغيبوبة يفتحون أعينهم دون أن تظهر عليهم استجابة للبيئة المحيطة، ولكن العديد من هؤلاء المرضى بقوا في الغيبوبة حتى وفاتهم، الأمر الذي دفع بعض الأطباء السريريين للاعتقاد باستحالة استعادة الوعي بعد فقدانه بهذا الشكل.

بيد أن العقد الأخير من القرن العشرين شهد ظهور تقارير تفيد باستعادة بعض المرضى وعيهم بعد أن ظنّ الأطباء أنهم في حالة إنباتية "مستديمة"، وعلى عكس مصابي الغيبوبة، قد نجد أعين المصابين بالحالة الإنباتية تُفتح وتُغلق، إلا أنهم يظلون غير متجاوبين مع المؤثرات بأيّ صورة قصدية، وبعد ظهور تقارير عن تعافي بعض المصابين بهذه الحالة، احتاج الباحثون المتخصصون في رعاية حالات المخ والأعصاب الحرجة والطب التأهيليّ إلى وضع تصنيفات أكثر دقَّةً وانضباطًا لحالات فقدان الوعي، مثل حالة الحدّ الأدنى من الوعيminimally conscious state ، تتميز هذه الحالة بأن المرضى تظهر عليهم استجابات غير لفظيّة، مثل تتبُّع حركة الأشياء بأعينهم، أو الامتثال للتعليمات بين الحين والآخر، وقد توصَّل الأطباء إلى وجود علاقةٍ بين توقعات سير حالة المريض وطبيعة حالة فقدان الوعي التي يعاني منها، فعلى سبيل المثال، يدل انتقال المريض من الحالة الإنباتيّة إلى حالة الحد الأدنى من الوعي على تزايُد احتمالات التعافي.

إن توقّع استعادة المريض وعيه، واكتشاف استعادته الوعي في مرحلة مبكرة في أثناء إقامته بوحدة العناية المركَّزة يُعدّ مسألة حياة أو موت؛ ففي العادة، تتخذ عائلات المرضى قراراتها فيما يخصّ استمرار العلاجات الداعمة لحياة المرضى أو إيقافها خلال عشرة أيامٍ إلى أربعة عشر يومًا من وقوع الإصابة، وهو التوقيت الذي تتطلب فيه حالة المريض التدخل الجراحي لتركيب وسائل صناعيّة طويلة الأمد للتنفس والتغذية، في هذه الحالة، يُسهم اكتشاف أن المريض في حالة من الوعي المستتر في عملية اتخاذ القرارات السريريّة اللازمة، مثل وضع أهداف الرعاية الطبيّة، والعمل على تخفيف الألم، إلى جانب الخطوات التي سيتخذها الأطباء وأفراد عائلة المريض، وسبل التعامل مع الاكتئاب ومشاعر القلق.

إذًا، كيف يبدو المظهر الخارجي للمصابين بحالة الوعي المستتر في أعين أفراد عائلاتهم وأطبائهم المتابعين؟ يمكن تخيُّل الأمر جزئيًّا من خلال النظر إلى متلازمة المُنحَبِس locked-in syndrome، وهي حالة يعجز فيها المصاب عن التحكُّم في معظم الحركات الإراديّة، مع احتفاظه بمستوى طبيعي أو شبه طبيعيّ من الإدراك، وتفيدنا حالات المرضى المُنحَبِسين في إدراك محدودية الحكم على درجة وعي الأشخاص وقدراتهم الذهنية وانفعالاتهم بناءً على وظائفهم الحركية وحدها، وقد ظهرت الصياغة الأولى لمصطلح "المريض المُنحَبِس" عام 1966 على يد طبيبَيْ الأعصاب فْرِد بلوم وجيروم بوسنر في كتابهما المعنون «تشخيص الذهول والغيبوبة» The Diagnosis of Stupor and Coma، يشير المؤلفان في الكتاب إلى وصف الروائي الفرنسي ألكسندر دوما شخصية السيد إم نوارتييه دي فيلفور في روايته الشهيرة «الكونت دي مونت كريستو» The Count of Monte Cristo (1844-1846)، إذ يصف المؤلف هذه الشخصية بأنها "جثة رجل مات وعيناه لا تزالان على قيد الحياة"؛ فعند إجراء الفحص السريري على المرضى المُنحَبِسين، يُلاحظ عدم تحريكهم أيًّا من أطرافهم، إلا أن كثيرًا منهم يستطيع تحريك عينيه إلى أعلى وأسفل في استجابة دقيقة للتعليمات اللفظيّة، بل إن بعضهم يستطيع الرَّمْش بعينيه أو الإتيان بحركات وجهيّة دقيقة أخرى.

كذلك، نجد تجسيدًا مؤثرًا للغاية لتجربة المريض المُنحَبِس في قصة حياة جان-دومينيك بوبي، المُحرر بمجَّلة «أل» Elle، الذي تعرَّض في عام 1995 لسكتة دماغيّة تسببت في تعطُّل انتقال الإشارات العصبيّة من القشرة الحركيّة في الدماغ إلى الحبل الشوكيّ، ومن ثمَّ إلى الأطراف، ونظرًا لعجزه عن الكلام أو تحريك أطرافه، بدأ بوبي التواصل مع أخصائي التخاطب المعالج باستخدام حركة العينين، ليكتب لاحقًا مذكراته المعنونة «قناع الغوص والفراشة» The Diving Bell and the Butterfly (1997)، وقد عبّر بوبي في هذا الكتاب تعبيرًا دقيقًا عن مشاعر الخوف والإحباط والأمل التي تواجه الأفراد المصابين بـمتلازمة المُنحَبِس، وعلى الجانب الآخر، من المدهش أن بعض المصابين بحالة المُنحَبِس يرون أن هذا الوضع لا يحول دون استمتاعهم بحياة مفيدة وهادفة.

أما في حالة الوعي المستتر، فيفقد المريض القدرة على الحركة الخارجية كليةً، بل حتى أكثر ممن هم في حالة المُنحَبِس، إلا أن هذا لا يعني أن المريض لا يعيش حياةً داخلية، ففي عام 2006، قام أدريان إم. أوين -الباحث في علم المخ والأعصاب، الذي يعمل الآن في جامعة ويسترن أونتاريو الكندية- وزملاؤه بفحص حالة مريضة شابّة تعرضت لإصابة دماغيّة بالغة اعتقد الأطباء بعدها أنها دخلت في حالة إنباتيّة، وقد درس فريق الرعاية الطبيّة حالتها باستخدام تقنيّة للتصوير بالأشعة تسمَّى التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ (functional MRI)، تتتبَّع تدفق الدم في الدماغ للكشف عن المناطق النشطة، وفي أثناء فحص الأطباء للمريضة باستخدام هذه التقنية، طلبوا منها أن تتخيَّل أنها تلعب التنس، أو أنها تتجول بين الغرف في منزلها، وقد فوجئ أوين وزملاؤه بالتنشيط الذي حدث داخل دماغ المرأة حينها، إذ جاء مشابهًا للتنشيط المرصود في أدمغة متطوعين أصحاء، وعلاوةً على ذلك، جاءت أنماط التنشيط الدماغيّ مختلفةً بوضوح بين تخيُّل المرأة لكلٍّ من عمليتي لعب التنس والمشي، ما يشير إلى أنها كانت قادرةً على تغيير نشاطها الدماغيّ تغييرًا مقصودًا.

وعلى مدى السنوات التالية، اكتشف العلماء حول العالم حالة الوعي المستتر لدى العديد من المرضى المصابين بأشكال متنوعة من الإصابات الدماغيّة، على سبيل المثال، اكتُشفت بعض الحالات في عام 2017 لدى مجموعة من المرضى فاقدي الوعي ظاهريًّا، الذين كانوا قد نُقلِوا توًّا إلى وحدة العناية المركزة بمستشفى ماساتشوستس العام في الولايات المتحدة الأمريكية، مصابين بإصابات شديدة في الدماغ، الأمر الذي أشار إلى إمكانيّة حدوث حالة الوعي المستتر في المرضى حديثي التعرض للإصابة، وليس فقط في المرضى الذين فقدوا الوعي ظاهريًّا عدة أسابيع، ويستعين الأطباء السريريون في تشخيص حالات الوعي المستتر بمجموعة من المهمات السلوكيّة المختلفة، مثل أن يطلبوا من المرضى فتح أيديهم وإغلاقها أو تخيُّل أنهم يمارسون السباحة، بينما يسجِّلون استجاباتهم الدماغيّة باستخدام جهاز تخطيط كهربيّة الدماغ أو الرنين المغناطيسي الوظيفيّ، وقد سجّلت التجارب التي أجرتها عدة مجموعات بحثيّة في جميع أنحاء العالم استجابات متشابهة، رغم الاختلافات في منهجيات البحث التي استخدمتها هذه المجموعات، وجدت هذه الأبحاث أن المرضى المصابين بحالة الوعي المستتر يغيّرون أنماط التنشيط الدماغيّ لديهم بشكلٍ قصدي حين يتلقون التعليمات بتحريك أجزاء من أجسامهم أو بتخيُّل نشاطٍ ما، إلا أن هؤلاء المرضى لم يأتوا بأي حركات جسديّة -من ناحية المظهر الخارجي- تنم عن امتثالهم لأيٍّ من هذه المحفزات.

حتى الآن، لم يتوصل العلم إلى فهمٍ أوضح لهذه الحالة التي يعجز فيها التعبير الحركيّ عن مجاراة الوظائف الإدراكيّة، كما أن تقنيات تخطيط كهربية الدماغ والتصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ لا تقدم لنا كل ما نريده؛ إذ إنهما قد لا تسجِّلان الأنشطة الدماغيّة القصدية لبعض المرضى الذين يستعيدون وعيهم في وقتٍ لاحق، كذلك، فإن العقاقير المهدِّئة التي يتناولها مرضى الحالات الحرجة للحفاظ على سلامتهم وراحتهم قد تؤثر على دقة عمل هذه التقنيات، علاوةً على ذلك، يتطلب التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفيّ غرفة تصوير مجهّزة على نحوٍ مخصوص، وقد يتسبب نقل مرضى الحالات غير المستقرة من وحدة العناية المركزة إلى غرفة التصوير بالرنين المغناطيسيّ في تعريض حياتهم للخطر، لكن هناك مشكلة أخرى، وهي أن التصوير بالرنين المغناطيسيّ لا يتيح سوى تسجيل لقطة وجيزة تعكس مستوى وعي المريض؛ ذلك أنه ليس من السهل إجراؤه عدة مرات متتالية، وفي حين يمكن إجراء تخطيط كهربيّة الدماغ عدة مرات داخل غرفة المريض -بحيث يسجِّل لقطات متعددة في أوقات مختلفة- إلا أن لهذه الطريقة عيوبها؛ إذ إن القراءات الناتجة عنها قد تتغير بفعل التشويش الكهربيّ الصادر من الأجهزة الأخرى الموجودة داخل غرف العناية المركَّزة، مما قد يقدّم لنا نتائجَ خادعة بدلًا من تصوير واقع الحالة.

ومع أن كلتا الطريقتين لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير، إلا أن هناك أدلة قوية على نفعهما كانت كافيةً لإدراجهما ضمن الإرشادات السريريّة المفروضة في الولايات المتحدة (2018) وفي أوروبا ( 2020) لتشخيص حالات الوعي المستتر، إن الاكتشاف المبكِّر لحالة الوعي المستتر، في أسرع وقتٍ بعد تعرُّض الشخص للإصابة، يُسهم في تقييم كلٍّ من إمكانية استعادة السلوك الواعي، والوظائف الحركية على المدى الطويل، وسرعة مسار التعافي، كما أوضحنا في الدراسة التي نشرتها مجموعتنا البحثيّة عام 2019 (وكما تأكد مؤخرًا، عام 2022)، ولاستثمار التأثير الذي أحدثته هذه الدراسات، اجتمعت مجموعة من العلماء في عام 2019 لإطلاق «حملة علاج الغيبوبة» Curing Coma Campaign، وهي نتاج تعاون دوليّ تقوده «جمعية رعاية حالات المخ والأعصاب الحرجة» Neurocritical Care Society، تهدف إلى توجيه الرأي العام والموارد الطبية نحو الاهتمام بحالة الوعي المستتر، بهدف ابتكار وسائل علاجيّة جديدة تُسهم في استعادة المرضى المصابين وعيهم.

وفي الوقت الراهن، يعكف عُلماء المخ والأعصاب على تصميم اختبار لتحديد المرضى المرجَّح إصابتهم بحالة الوعي المستتر، ومن ثمَّ يحتاجون إلى الخضوع لفحوص متقدِّمة باستخدام تقنيات تخطيط كهربيّة الدماغ والتصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ، والآن، تعمل المختبرات في كافة أنحاء العالم على إعداد هذه الاختبارات الأوليّة، إلا أن التقدُّم في هذا المجال يعاني من بطء نسبي بسبب عدم وضوح الخصائص الشكلية والوظيفيَّة لحالة الوعي المستتر، الأمر الذي يجعل الأطباء السريريين لا يعرفون على وجه التحديد ما الذي ينبغي البحث عنه، إلا أن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى أن الإصابات الدماغية التي تتسبب في قطع الاتصال بين المهاد والقشرة المخيّة هي المسؤولة عن حدوث هذه الحالة، والمهاد هو منطقةٌ من الدماغ تنقل الإشارات الحركيّة والمعلومات البصرية بين الجسم والدماغ، أما القشرة المخيّة فهي المسؤولة عن الوظائف الإدراكيّة العليا، لكن الأرجح هو أن السبب في تعطُّل الوظائف الحركيّة مع بقاء المريض في حالة الوعي المستتر ليس نوعًا واحدًا من الأعطاب، بل مجموعة متباينة من الأعطاب تصيب أماكن مختلفة من الدماغ، كذلك، فإن ما يزيد من تعقيد الجهود السريريّة الساعية لاكتشاف حالات الوعي المستتر هو التقلُّب في مستويات الوعي لدى غالبية المصابين بإصابات دماغيّة شديدة، تدلنا هذه التقلُّبات على أن إجراء الاختبارات باستخدام وسيلة واحدة قد يفوِّت اكتشاف علاماتٍ مهمة أخرى، أو أن المرضى قد يحتاجون إلى الخضوع لعدة اختبارات.

وبناءً على أحدث الاكتشافات المتعلقة بحالات الوعي المستتر، يحاول الباحثون الاتصال بهؤلاء المرضى والتواصل معهم باستخدام واجهات الدماغ الحاسوبية، تقوم هذه الأجهزة بتسجيل النشاط الكهربيّ لدماغ المريض في أثناء تحريكه مؤشر الفأرة على شاشة الحاسوب استجابةً لتعليمات الباحثين، ومن ثمَّ "يتعلَّم" الحاسوب تحديد الإشارات الفسيولوجيّة المتزامنة مع محاولات المريض تحريك المؤشر يسارًا أو يمينًا أو إلى أعلى أو إلى أسفل، وبمجرد إتمام التدريب، تتيح هذه الأنماط الدماغيّة للمريض التحكُّم في المؤشر، ومن ثمّ استخدامه في اختيار الحروف وكتابة الكلمات.

تمثّل واجهات الدماغ الحاسوبية قنوات تواصل مثاليّة مع العالم الخارجي للمرضى المصابين بحالة الوعي المستتر، إلا أن هذه القنوات تواجه تحديَّاتٍ هائلةً من الضروريّ التغلُّب عليها، خاصةً لدى المرضى المصابين بإصابات دماغيّة حادّة؛ فربما يعاني هؤلاء المرضى من تدهور القدرة على التركيز لفترات طويلة، ومن ثمّ، ليس من الممكن قضاؤهم أوقاتًا طويلةً في التدريب، كذلك، فإن البيئة المحمومة والصاخبة داخل وحدات العناية المركزة لا تناسب إجراء هذه الاختبارات، على سبيل المثال، كانت مازوركيفيتش مصابةً بحالة من الوعي المستتر التي صاحبت رحلة تعافيها الناجحة، ورغم ذلك لم تتمكَّن من تنشيط واجهة الدماغ الحاسوبية التي تهيّئ لها التواصل مع فريق الرعاية الصحية أو مع عائلتها.

إلا أنه يمكن أيضًا تحقيق التواصل مع المرضى من خلال التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ؛ فمنذ عدة سنوات، استخدم مارتن مونتي -اختصاصي علم النفس الإدراكيّ بجامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس الأمريكيّة- هذه الطريقة لاكتشاف حالة الوعي المستتر عند مجموعةٍ من المرضى غير المستجيبين سلوكيًّا، أراد مونتي أن يجرِّب إمكانيّة تدريب هؤلاء المرضى على الإجابة الدقيقة بـ"نعمٍ" أو بـ"لا" عن بعض الأسئلة، باستخدام أنماط مختلفة لتنشيط الدماغ عن طريق التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ، إلا أن هذه التجربة تطلَّبت تنسيقًا تقنيًّا ضخمًا، إذ كان من الضروريّ تحليل بيانات الرنين في وقت جمعها، وعلى غرار ما فعله أوين في عام 2006، وجَّه مونتي في تجربته تعليمات للمرضى بتخيُّل لعبهم التنس أو تجوُّلهم داخل مساكنهم، لكن تمثّل الفارق هنا في أن مونتي لم يكتفِ بالبحث عن علامات التنشيط الدماغيّ، بل أراد كذلك اختبار ما إذا كان المرضى يفهمون الأسئلة بدرجةٍ تُمكِّنهم من الإجابة عنها، وهكذا طلب مونتي من المرضى أن يفكِّروا في التنس إذا كانت الإجابة عن السؤال المطروح بـ"نعم"، وأن يفكِّروا في التجول داخل منازلهم إذا كانت الإجابة بـ"لا"، وقد تمكّن أحد المرضى ضمن هذه المجموعة من التواصل مع مونتي بدقة باستخدام هذه الإستراتيجيّة، إذ أظهر دماغ المريض نمطًا معينًا من النشاط الدماغيّ مع الإجابات بـ"نعم"، ونمطًا آخر مع الإجابات بـ"لا"، ورغم الشكوك التي لا تزال تحيط بإمكانيّة توسيع نطاق استخدام هذه المنهجيّة، تشير الدراسة التي أجراها مونتي إلى إمكانيّة التواصل مع المرضى المصابين بحالة الوعي المستتر.

ولتحقيق مستوىً أفضل من التواصل، يجب ابتكار أدواتٍ موثوقة لاكتشاف المرضى المصابين بحالة الوعي المستتر يمكن استخدامها دون تحريك المرضى إلى مكانٍ آخر، ولهذا، يعكف عددٌ من المجموعات البحثيّة على تقصّي الإمكانيات التي تقدمها تقنيات تخطيط كهربيّة الدماغ المتقدِّمة، بحيث يمكن إدراجها بسهولة أكبر ضمن الروتين السريريّ داخل وحدات العناية المركَّزة، كذلك، فإن استخدام واجهات الدماغ الحاسوبية يتيح الفرصة لتطوير دقة الخوارزميّة المسؤولة عن فك رموز محاولات المريض التحكُّم في الحاسوب، بالوقوف على إشارات حيويّة أخرى غير النشاط الدماغي، مثل معدل ضربات القلب.

تهدف عمليات تشخيص حالات الوعي المستتر ودراستها إلى ما هو أبعد من تقديم الرعاية العاجلة للمرضى ذوي الحالات الحرجة، إذ تسعى لاستكشاف الكثير عن العقل البشريّ؛ ففي حالات الوعي المستتر، ينفصل وعيُنا -وهو جوهر تجربتنا البشريّة- عن سلوكنا، وينجم عن هذا الوضع عدة أسئلة حول طبيعة الحياة الذهنيّة الداخلية للمصابين بحالات الوعي المستتر، وهكذا يؤثر اكتشاف طبيعة الوعي المستتر تأثيرًا جوهريًّا على فهمنا لشخصيّة الإنسان واستقلاليته، وحتى الآن، لا تتيح لنا واجهات الدماغ الحاسوبية إجراء محادثات متعمّقة مع المصابين، كما أن المرضى الذين مرّوا بحالة الوعي المستتر ثم استعادوا القدرة على التواصل لم يتذكَّروا تجربة العيش في حالة الوعي المستتر خلال المقابلات التي أُجريت معهم؛ فعلى سبيل المثال، لا تتذكر مازوركيفيتش أي جانب من جوانب تجربتها داخل وحدة العناية المركَّزة حينما كانت تبدو في غيبوبة، ولذا، لا تزال هذه التجربة غير واضحة بالقدر الكافي.

إلا أن إيماننا واضح تمامًا بالضرورة الأخلاقية التي تُلزم الأطباء بمواصلة البحث عن علامات الوعي لدى المرضى غير ظاهري الاستجابة، بالاستعانة بجميع التقنيات والموارد المتاحة، كما تُعدّ إتاحة الحصول على هذه التقنيات والموارد أمام المعنيين هدفًا رئيسيًّا، وتحديًا كبيرًا أمام جهود المجتمع الطبيّ، التي تأتي في صدارتها «حملة علاج الغيبوبة»، بهذه الأدوات، يصبح بإمكاننا التطلع نحو مستقبلٍ يُتاح فيه للمصابين بحالات الوعي المستتر وسيلة للتعبير عن أنفسهم.

اضف تعليق