بقلم: ساشا وورين

يتألف اليوم من 24 ساعة، أليس كذلك؟ في الواقع، ليس بالضبط؛ فأيامنا بالكاد تُكمل تلك المدة، إلَّا أنَّ ذلك يحدث غالبًا دون أن نشعر، فمن عقدٍ إلى آخر، ومن فصلٍ إلى الذي يليه، بل حتى من يومٍ إلى يوم، يتسارع دوران الأرض ويتباطأ، لتقل ساعات يومنا الأربع والعشرون أو تزيد بأجزاءٍ من الألف من الثانية، وهذه التفاوتات في مدة يومنا ليست مجرد صفةٍ غريبة من صفات كوكبنا الدوَّار، بل تنجم كذلك عن تأثيرات الصفائح الجليدية العتيقة، والرياح العاتية، وديناميكيات لبِّ الأرض.

لكنَّ بعض الأيام تشِذُّ مدتها عن المعتاد بدرجةٍ أكبر من غيرها، انظر مثلًا إلى يوم التاسع والعشرين من يونيو 2022، الذي قلَّت مدته عن الساعات الأربع والعشرين بما يقارب 1.6 مللي ثانية، ما جعله أقصرَ يومٍ سُجِّلَت مدته في التاريخ، لكنَّ هذا لم يفاجئ الخبراء؛ فعلى مدى أكثر من 50 سنة، كانت السرعة المتوسطة لدوران الأرض تزيد تدريجيًّا، مُقلِّلَةً أيامنا بمقدار أجزاءٍ من المللي ثانية، وهذا الاقتطاع المستمر من طول أيامنا، والذي يحدث منذ مدةٍ طويلة، تضافر مع تأثيرات المواسم على دوران الأرض، ومع دفعةٍ بسيطةٍ أخرى حصل عليها كوكبنا من التأثيرات المناخية اليومية مثل تغيُّرات الرياح، ليجعل كل هذا التاسع والعشرين من يونيو يومًا محطِّمًا للأرقام القياسية، وكل ذلك بفضل مبدأ المحافظة على الزخم الزاوي.

هذا المبدأ، الذي له آثارٌ كبيرةٌ في عالم الفيزياء، يفهمه كثيرٌ منا بدَهيًّا، تخيَّل نفسك مثلًا تدور سريعًا وأنت جالس على كرسي مكتب دوَّار، أو تنتعل حذاء تزلُّج على الجليد وتؤدِّي حركاتٍ دورانية، هذا إن كنتَ تفضل مثالًا يتعلق أكثر بممارسة الرياضة، في أثناء أداء تلك الحركات، عندما تبسط ذراعيك إلى الخارج، تتباطأ حركة دورانك، وعندما تضم ذراعيك إليك، تتسارع حركة دورانك من جديد.

ينبني الزخم الزاوي على ثلاثة عناصر: كتلة الجسم الدوَّار، والسرعة التي يدور بها، وبُعده عن النقطة التي يدور حولها، وفي مثال كرسي المكتب، عندما تكون ذراعاك مبسوطتين تمامًا، تزيد مسافة بُعدهما عن الكرسي، وهذا يزيد الزخم الزاوي لهذا الجزء من جسمك.

وكحال الكتلة والطاقة، فإنَّ الزخم الزاوي لا يمكن استحداثه من العدم؛ فلا بد لذراعيك المبسوطتين أن يستعيرا الزخم الزاوي من بقية جسمك (ومن الكرسي)، وبما أنَّك لا تستطيع تقليص وزنك فجأةً، فالخيار الوحيد المتبقي أمام جسمك إذًا هو إبطاء سرعة دورانه، وهذا ينطبق كذلك على كوكبنا، فالأرض محكومةٌ في دورانها حول الشمس بالقوانين نفسها.

ولهذا فإنَّ الأرض، التي تشمل اليابسة أسفلنا، والمحيطات، والغلاف الجوي، تعيد باستمرار توزيع كتلتها وزخمها الزاوي، وهو ما يعني أنَّ معدَّل دورانها وطول أيامها يتغيَّران كذلك، وتعليقًا على هذا، قال جيانلي تشين، المتخصص في الجيوديسيا بجامعة هونج كونج للفنون والعلوم التطبيقية: "طول اليوم هو مقياسٌ للأرض بأسرها، فهو ليس مجرد عدد فحسب؛ إذ يمكنك أن تخرج منه بمعلوماتٍ كثيرةٍ عن الظروف التي أدت إليه".

والرياح -خاصةً التيَّار النفَّاث في نصف الكرة الأرضية الشمالي- تُعد من أقوى العوامل المؤثرة في دوران الأرض طوال العام، وكانت من العوامل التي أسهمت في تراجُع مدة يوم التاسع والعشرين من يونيو بمقدار 1.59 مللي ثانية، وعن ذلك تقول سيجريد بوم، عالِمة الجيوديسيا لدى جامعة فيينا، والتي تدرس تأثيرات المناخ على دوران الأرض: "كلما ازدادت قوة الرياح، يزداد الزخم الزاوي للغلاف الجوي، ويتناقص الزخم الزاوي لليابسة، وفي الشتاء يتباطأ دوران الأرض، أمَّا في الصيف فإنَّه يتسارع".

والاحتكاك بين الهواء واليابسة بسبب التلال والجبال يُمكِّن الغلاف الجوي من تبادُل الزخم الزاوي مع اليابسة، وهذه العلاقة تفسر لمَ لا يوجد أي تأثيرٍ ملحوظ للتيَّار النفَّاث في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، والذي يهبُّ في معظمه فوق المحيط، وكذلك فإنَّ حركة مياه المحيطات تؤثر تأثيرًا مشابهًا في دوران الأرض، لكنَّه تأثيرٌ أضعف بكثير، وحتى التغيّراتُ قصيرة الأمد في الرياح والطقس يمكنها أن تكفي لتغيير طول اليوم بمقدار جُزءٍ من المللي ثانية، متسببةً في تقلباتٍ عشوائية باتجاهات التغيُّر في طول الأيام على مدى السنوات والعقود، وفق ما أوضح تشين.

وإضافةً إلى هذا، فالحركات التدريجية لكتل اليابسة تؤثِّر في دوران الأرض، فقبل نحو 20 ألف سنة، في ذروة أقرب العصور الجليدية إلينا، كانت هناك صفائح جليدية يبلغ سُمكها عدةَ أميال، تغطي معظم نصف الكرة الشمالي، وهذه الصفائح الجليدية كانت شديدة الضخامة إلى درجة أنَّها ضغطت بقوة على وشاح الأرض تحتها، تلك الطبقة الصخرية المتحركة ببطء تحت القشرة الباردة التي نعيش عليها، فانبثق بعضٌ من مادة الوشاح وخرج من تحت تلك الصفائح (كما تضغط بإبهامك على قطعة حلوى طرية من الكراميل، فيندفع بعضه إلى الخارج)، والآن بعد أن ذابت تلك الصفائح الجليدية، فإنَّ الأرض التي كانت تحتها ترتدُّ ببطءٍ شديد إلى مكانها، مُحرِّكةً الصخور ومؤدِّيةً إلى تقلُّصٍ متوقع في طول الأيام بمرور الوقت.

لكن العلماء يعتقدون أنَّ ما شهدناه منذ الستينيات من تراجُعٍ مستمر في طول الأيام، والذي بلغ ذروته بالمدة القياسية ليوم التاسع والعشرين من يونيو هذا العام، يرجع إلى أسبابٍ أعمق بكثير، توجد على بُعد 1800 ميل تحت أقدامنا، حيث تلتقي صخور وشاح الأرض بالمعادن الكثيفة الساخنة لِلُب الكوكب، ونظرًا إلى كوننا لا نستطيع معاينة لبِّ الأرض مباشرةً، فلا إجماعَ على طبيعة ما يجري في تلك الأجزاء المعدنية من كوكبنا حتى تزيد سرعة دوران الأرض على المدى الطويل بهذا الشكل، لكن من المحتمل أن تكون تلك الظاهرة متعلقةً بالتموجات التي تحدث عند الحد الذي يتلامس فيه كلٌّ من لبِّ الأرض ووشاحها.

وهناك تفسيرٌ آخرُ محتمَل، وهو أنَّ اتجاهات التغيُّر هذه في طول الأيام، والتي تحدث منذ عقود، ترجع إلى الآثار الجانبية لشبه كروية الأرض، والتي تُعرَف باسم «تمايُل تشاندلر» Chandler wobble، يحدث هذا التمايُل في دوران الأرض لأنَّ المحور الذي يدور حوله كوكبنا لا يتطابق بالضبط مع محور تناظُره الهندسي الفعلي، وهو ما يجعل محور الدوران يحاول تعديل نفسه باستمرار، وقد يكون لمحور الدوران المتغيِّر هذا دورٌ في تحديد طول الأيام، لكنَّ مدى أهمية ذاك الدور لم يتضح بعد.

ويُحلِّل العلماء إسهامات كل هذه العوامل بالاعتماد على نماذج رياضية، ومقاييس لكوكبنا تجمعها المركبات الفضائية؛ فالأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، والبعثات مثل البعثة التجريبية لمتابعة الجاذبية والمناخ التابعة لوكالة ناسا (GRACE)، تقيس حركة الكتلة على الأرض بمرور الوقت، كما تساعد النماذج المناخية لكوكبنا -والتي تشمل حركة الرياح وتيارات المحيطات- في التنبُّؤ بتأثيرات الزخم الزاوي الناتجة عن الهواء والماء، وتعليقًا على ذلك قالت بوم: "نحاول دائمًا تلخيص جميع التأثيرات التي نعرفها، لنرى إن كانت تكافئ النقص في طول الأيام".

ونتيجةً لكل هذا، يرى تشين أنَّ التنبُّؤ بتغيُّرات طول الأيام في المستقبل عمليةٌ "معقّدة للغاية؛ لأنَّ كل العوامل متداخلة معًا، علينا أولًا أن نفهم التفاوتات طويلة الأمد، التي يُعد مقدارها كبيرًا إلى حدٍّ ما، بعدها يمكننا تقدير مدى إسهام الغلاف الجوي والمحيطات، وحينها يمكننا أن نتوقع تقريبًا المرة القادمة التي سنشهد فيها يومًا يحطم الرقم القياسي في قِصره"، لكنَّه يعتقد كذلك أنَّ ما ساعد يوم التاسع والعشرين من يونيو على تحطيم الرقم القياسي كان على الأرجح ظاهرةً مناخيةً وجيزة، جعلت مدة ذلك اليوم تتراجع بمقدارٍ أكبر قليلًا من التراجُع الملحوظ في اتجاهات التغيُّر في مدة الأيام على المدى الطويل وباختلاف الفصول، وربما كانت تلك الظاهرة هي تغيُّر سرعة الرياح في المناطق العليا من الغلاف الجوي.

وختم تشين تعليقه قائلًا: "أعتقد أنَّنا من حينٍ إلى آخر سنشهد أيامًا تحطم الأرقام القياسية في قصر مدتها"، ما علينا سوى أن ننتظر لنرى متى سيحلُّ اليوم التالي من تلك الأيام.

اضف تعليق