بدأ تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي محمولًا بصاروخ "أريان 5" رحلته للوصول إلى مسافة 1.5 مليون كيلومتر من الأرض، في مهمة لسبر أغوار الكون بتقنيات هي الأعلى دقة على الإطلاق.

هذه المهمة التي انتظرها العالم لأكثر من 30 عامًا تسعى للإجابة عن سؤالين رئيسين هما: “من أين نأتي؟" و"هل نحن بمفردنا في الكون؟". ومن خلال المراقبة الفضائية الدقيقة يبحث التلسكوب العملاق عن سبر أغوار ما يعرف بـ"الفجر الكوني"، عندما بدأت أولى المجرّات تضيء الكون منذ الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة.

ويأمل العلماء من خلال التعمّق في فهم كيفية تشكّل النجوم والمجرّات ومراقبة الكواكب خارج المنظومة الشمسية في العثور على كواكب أخرى مواتية للحياة. و"جيمس ويب" سيكون على منوال التلسكوب "هابل" الذي أحدث ثورة في تقنيات مراقبة الفضاء واكتشف العلماء بفضله وجود ثقب أسود في قلب كلّ المجرّات أو بخار ماء حول الكواكب الخارجية، على سبيل التعداد.

يتولى "جيمس ويب" مهمة مراقبة الفضاء في مجال الضوء المرئي خاصة، ويتميز عن "هابل" بأنه يسبر أغوار طول موجي ليس في متناول العين، وهو الأشعة تحت الحمراء الوسطى. فكلما كانت الرؤية متاحة لمسافة أبعد في علم الفضاء، وفّرت رؤية لمسافة زمنية أقدم. وفي حين يستغرق وصول جزيئيات أشعة الشمس إلى العين على كوكب الأرض 8 دقائق، تسعى قبة "جيمس ويب" إلى التقاط ضوء المجرات الأولى قبل مليارات السنين، تلك التي ظهرت في الكون الحديث بعد أقل من 400 مليون سنة على "الانفجار العظيم". ومع التوسّع، يجتاز هذا الضوء مسافة أطول للوصول إلى الناظر، وعندها يصبح أحمر. ومثل صوت الشيء الذي حين يبتعد يضعف، تتمدد الموجة الضوئية وتنتقل من التردد الذي تستطيع العين المجردة رؤيته، إلى الأشعة ما دون الحمراء. ونجد أن تلسكوب "هابل" وصل إلى حدود تبلغ 13.4 مليار سنة باكتشاف مجرة "GN-z11"، وهي بقعة صغيرة غير مهمة لكنها "شكّلت مفاجأة لأنّ سطوعها لم يكن متوقعًا ضمن هذه المسافة".

من المتوقع أن يوفّر التلسكوب "جيمس ويب" صورًا أكثر دقة بفضل قدرة التقاط أكبر بمئة مرة من "هابل"، ما سيتيح اكتشاف هذه الحقبة بتفاصيلها، وكذلك اكتشاف الكثير من المجرات وبدايات النجوم بفضل قدرته في مجال الأشعة تحت الحمراء. ولن يتمكن "جيمس ويب" من رصد ظواهر قديمة فحسب، بل سيرصد أيضًا سُحُب الغبار بين النجوم التي تمتص الضوء من النجوم وتحجبها عن "هابل". وهذا الضوء غير المرئي يتيح رؤية ما يختبئ بين الغيوم، أي نشوء النجوم والمجرات. وتكمن الأهمية الكبرى لذلك في أنه يتيح تفسير مرحلة رئيسية من تطوّر الكون، وهي المرحلة التي "أُطلق فيها الضوء، أي عندما بدأت النجوم الأولى تتشكّل"، أو ما يُعرف بـ"الفجر الكوني". ودخل الكون بعد مدة قصيرة من "الانفجار العظيم في "عصر مظلم"، في حمام غاز محايد يتكوّن خصوصًا من الهيدروجين والهيليوم، من دون ضوء.

وتشير النظريات العلمية إلى أنّ هذا الغاز تكثّف في "آبار" من مادة سوداء غامضة وغير قابلة للكشف، نشأت فيها النجوم الأولى. وتضاعفت هذه النجوم ككرة ثلج، وبدأت تشحن كهربائيًا الغاز المحايد للكون، وهو ما يسمى التأين. وأدت عملية تسمى "إعادة التأين" إلى إخراج الكون من غموضه وإلى جعله "شفافًا". ومن غير المعروف مع ذلك متى تكوّنت المجرات الأولى. وترجح عمليات المحاكاة أن ذلك حدث خلال مرحلة امتدت ما بين 100 و200 مليون سنة بعد "الانفجار العظيم".

ووضعت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" التصاميم الأولى للتلسكوب المعروف اختصارًا بـ "جي دبليو اس تي" بعيد إطلاق "هابل" عام 1990 وبدأ تشييده في عام 2004 بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء الكندية. ويبلغ وزن التلسكوب 14000 رطل ويعادل عند فتحه مساحة ملعب تنس تقريبًا.

يتميز تلسكوب "جيمس ويب" بأن مرآته البالغ طول باعها 6.5 متر تجعله أكثر قدرة على الاستشعار بسبع مرّات، ما يتيح له مثلًا رصد الأثر الحراري لنحلة على القمر. كما يتميز "جيمس ويب" أيضا بتقنيته للمراقبة، فتلسكوب "هابل" يجري عمليات المراقبة في ميادين يكون فيها الضوء مرئيًا. أما "جيمس ويب"، فهو يسبر موجات غير مرئية للعين المجرّدة من أشعة تحت حمراء متوسطة المدى وقريبة، وهو شعاع يصدر عن كلّ جسم فلكي، أو نجم أو إنسان أو زهرة. والشرط الأساسي لحسن سير عمليات المراقبة في التلسكوب هو انخفاض الحرارة المحيطة به لدرجة لا تؤثّر على تتبّع الضوء.

وعملية إطلاق هذا التلسكوب محفوفة بالصعوبات والتعقيدات. فقد وُضع التلسكوب "هابل" في المدار على علو يقرب من 600 كيلومتر فوق الأرض، لكن عند هذه المسافة سيكون "جيمس ويب" غير صالح للاستخدام مع تسخينه من الشمس وانعكاسه على الأرض والقمر. وتأجل إطلاق "جيمس ويب" ثلاث مرات بسبب سوء الأحوال الجوية في الساحل الشمالي الشرقي لأميركا الجنوبية، من قاعدة الإطلاق التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية في "غويانا" الفرنسية.

يصل التلسكوب "جيمس ويب" بعد شهر إلى مسافة 1.5 مليون كيلومتر من الأرض

وسيوضع التلسكوب في مكانه المحدد إثر رحلة تمتد شهرًا لمسافة 1.5 مليون كيلومتر من الأرض. وسيحظى بحماية من الإشعاع الشمسي بفضل درع حرارية مكونة من خمسة أشرعة مرنة تبدد الحرارة وتخفض درجتها (وهي 80 درجة مئوية) إلى 233 درجة مئوية دون الصفر عند جهة التلسكوب. وسيحافظ المسار الخاص للتلسكوب على محاذاة ثابتة مع الأرض حيث يدور الكوكب والتلسكوب حول الشمس جنبًا إلى جنب. واتخذت وكالة "ناسا" تدابير مشددة لتفادي أي أضرار قد تلحق بالتلسكوب الذي كلّف تطويره ما يقرب من 10 مليارات دولار على مدى سنوات طويلة.

مهمة البحث عن أصل الكون

مع بدء عملية بسط المعدات العلمية لهذا المرصد، وانتقاله إلى النقطة المزمع أن يستقر بها، حان الوقت لاتخاذ مئات الخطوات الهندسية، شهد الخامس والعشرون من ديسمبر الجاري تحليق «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»James Webb Space Telescope في الفضاء. ويُعد هذا التلسكوب أهم ما تراهن عليه البشرية في سعيها لسبر أغوار الكون. وقد جاء هذا الحدث تتويجًا لعقودٍ من الجهود البحثية التي بذلها علماء فلك من شتى أنحاء العالم. غير أنه كي يحقق هذا التلسكوب آمال العلماء المنعقدة عليه باستهلال حقبة جديدة في علم الفلك، لا بد من سير مئات الخطوات الهندسية المعقدة بسلاسة تامة خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

في ذلك الصدد، يقول جون جرونزفيلد، اختصاصي علم الفيزياء الفلكية، ورائد الفضاء السابق، وكبير العلماء لدى وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»: "الآن، يبدأ الجزء الصعب"، تبلغ تكلفة «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» 10 مليارات دولار أمريكي. من هنا، يُعد أكثر المراصد الفلكية تعقيدًا وأعلاها تكلفة على مدار التاريخ، ويأتي خلفًا لـ«تلسكوب هابل الفضائي» Hubble Space Telescope التابع لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، والذي دُشنتْ مهامه لدراسة الكون منذ عام 1990. ويُزمع أن يشرع «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» عقب إطلاقه، في الجزء الأخطر من مهمته، والذي يتمثَّل في نشر جميع معداته اللازمة لقيام مرآته الضخمة بسبر أغوار الكون، وصولًا إلى فجر الزمن.

تجدر الإشارة هنا إلى أن علماء الفلك لن يهنأ لهم جفنٌ قبل الاطمئنان إلى عمل جميع معدات التلسكوب، وشروعه في أولى عمليات الرصد العلمية المكلف بها، المقرر أن تنطلق في شهر يوليو المقبل. و"يُتوقع أن يعم الكثير من التوتر الأجواء"، على حد قول هايدي هامل، العالمة متعددة التخصصات التي تشارك في مشروع «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»، والتي تشغل منصب نائب رئيس وحدة العلوم باتحاد جامعات البحوث الفلكية في العاصمة الأمريكية واشنطن.

جرى إطلاق «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» الذي صمَّمته وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» في الساعة التاسعة وعشرين دقيقة صباحًا بالتوقيت المحلي للميناء الذي انطلق منه، وهو ميناء كورو للبعثات الفضائية في منطقة غويانا الفرنسية. وقد حمل صاروخ من فئة «آريان 5» Ariane 5، وفَّرته وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) التلسكوب، وأسهمتْ وكالة الفضاء الكندية أيضًا في المشروع كشريك ثالث.

وتعقيبًا على هذا الحدث، في تصريح عبر بث شبكي من موقع الإطلاق، قال توماس زوربوخن، كبير العلماء بوكالة «ناسا»: "يا له من يومٍ مشحون بالعواطف! يُعد هذا مستهل واحدة من أروع البعثات الفضائية التي داعبت المخيلة البشرية".

أما جيهان كارتالتيبي، عالمة الفلك من معهد روتشستر للتكنولوجيا في نيويورك، التي أُفسح لها وقت لإجراء عمليات رصد باستخدام «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»، فتقول: "يغمرني فيض من المشاعر الآن بعدما رأيتُ مشروعًا لطالما تطلَّعنا جميعًا إليه وقد تحقَّق في نهاية المطاف. إنني مُمتنة للغاية لكل مَنْ بذل قصارى جهده لنجاح هذا المشروع".

مسار التلسكوب

حَمَل صاروخ من فئة «آريان 5» «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» إلى الفضاء في مسارٍ بدا خاليًا تمامًا من العراقيل، وهو ما كان من شأنه أن يوفر مزيدًا من الوقود للتلسكوب من أجل استخدامه في الأبحاث العلمية في السنوات المقبلة. وبعد انطلاق التلسكوب، وانفصاله عن مركبة إطلاقه بمدة بلغتْ 27 دقيقة، بَسَط ألواحه الشمسية، فيما عُد خطوةً بالغة الأهمية. إذ أتاحت هذه الخطوة بدء تدفق الطاقة الكهربية إليه. وعن ذلك، يقول جرونزفيلد: "قضيتُ نصف الساعة التي استغرقتها هذه العملية في حالة من الترقُّب الشديد". وبعد انقضاء ساعاتٍ، كان من المتوقع أن تبدأ محركات التلسكوب في استهلاك الوقود بداخلها كي يتخذ المرصد مساره صوب مقصده النهائي، وهو نقطة في الفضاء تُعرف باسم «نقطة لاجرانج الثانية»، أو (L2) (انظر «رحلة تلسكوب جيمس ويب الفلكي»). وفي هذا الموقع، الذي يبعد عن كوكب الأرض بمسافة 1.5 مليون كيلومتر، سيغدو التلسكوب دائمًا على جانب الكوكب غير المواجه للشمس، ليرصد الأماكن المظلمة البعيدة في الفضاء الخارجي بفضل معداته البصرية عالية الدقة المحمية من ضوء الشمس.

ويُزمع أن تستغرق الرحلة إلى «نقطة لاجرانج الثانية» 29 يومًا، مع وجود أكثر من 300 "نقطة تعطُّل" من الوارد أن يحدث فيها خطأٌ ما. والعملية برمتها تشبه مغادرة فراشة لشرنقتها، على حد قول جانثر هاسينجر، مدير وحدة العلوم بوكالة الفضاء الأوروبية، إلا أنها هنا فراشةٌ شديدة التعقيد وباهظة التكلفة، ذات ارتفاع يضاهي ارتفاع ثلاثة طوابق.

والمرحلة الأولى والأهم هي بسط الغطاء الواقي من الشمس لـ«تلسكوب جيمس ويب الفلكي»، وهو غطاء واقٍ يأخذ شكل طائرة ورقية، وفي حجم ملعب تنس. ويعمل هذا الغطاء الواقي على حماية «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» من الإشعاعات وخفض درجة حرارة البيئة المحيطة بالتلسكوب لتتراوح ما بين 110 درجة مئوية على جانبه المواجه للشمس إلى -235 درجة مئوية على جانبه المُظلَّل. إذ يتطلب التلسكوب درجات حرارة شديدة الانخفاض كي تصبح معداته البصرية قادرة على التقاط ومضات المجرات البعيدة والأجرام الكونية الأخرى في نطاق الطول الموجي للأشعة تحت الحمراء.

تعقيبًا على ذلك، يقول هاسينجر: "ما يميز «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» هو برودته"، فإذا لم يتم بسط الغطاء الواقي من الشمس على النحو الملائم، فستتأثر بالسلب كفاءة التلسكوب في الأبحاث العلمية تأثرًا شديدًا.

وبعد ثلاثة أيام من إطلاق التلسكوب، يُتوقع أن ينبسط على كل من جانبيه لوح مستطيل الشكل. وخلال أربعة أيام أخرى، سينفرج هذا اللوح، ليكشف عن طبقات الغطاء الواقي من الشمس الخمس الشبيهة بالأغشية، ثم تنبسط هذه الطبقات وتستقر في أماكن محددة على التلسكوب كما لو أنها غطاء يُحكِم تغطية حَشية فِراش.

ضبط المرايا

إذا سارت الأمور على ما يرام طيلة 10 أيام بعد عملية الإطلاق، فسوف يُحرك «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» مرآته الثانوية الصغيرة لتصير مواجهةً لمرآته الأساسية العملاقة، التي ستظل مطويةً كما هي حينذاك. وبعد مرور يومين، ستبدأ المرآة الأساسية في تحريك جزأين مرتكزين على مفصلات بها نحو مكانين محددين لتشكيل مرآة كاملة يبلغ عرضها 6.5 متر. وفي هذه المرحلة، ستكوِّن أجزاءُ المرآة سداسية الشكل، والتي يبلغ عددها 18 جزءًا، مصنوعًا من البريليوم، ومغطى بطبقة من الذهب ما يشبه خلية نحل لامعة عملاقة، وسيصبح تلسكوب «جيمس ويب» عندئذ قادرًا فعليًا على أداء مهامه، لأنه سيتمكن من تجميع الضوء، على حد قول هامل.

وبعد أسبوعين تقريبًا، يُفترض أن يصل «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» إلى موقعه النهائي في «نقطة لاجرانج الثانية». وتلك البقعة تبعد عن الأرض بمسافة هائلة، إلى حد أنه سيتعذر على رواد الفضاء زيارتها وإصلاح التلسكوب فيها إذا أصابه عطب ما، مثلما فعلوا بعد إطلاق تلسكوب «هابل» بأدوات بصرية معيبة. (حينذاك، سافر رواد فضاء، من بينهم جرونزفيلد، في نهاية المطاف إلى تلسكوب «هابل» خمس مراتٍ لتحديث معداته المستخدمة في الأبحاث العلمية، وكي يظل مستوفيًا لأعلى المعايير العالمية للمراصد) غير أنه إذا سار عمل الغطاء الواقي من الشمس والمرايا كما ينبغي، فسيكون «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» قد اجتاز بهذا المرحلةَ الأصعب. وبدءًا من تلك اللحظة، لن يتبقى إلا ضبط المرايا ومعدات الأبحاث العلمية. وتلك خطوات معقدة لكنها نُفِّذت بنجاحٍ من قبل، على مرايا التلسكوبات الأرضية.

ويُتوقع أن يتعذر على التلسكوب الشروع في أداء مهامه الاستقصائية لستة شهور على الأقل، لعدة أسباب، منها أنه سيحتاج إلى وقتٍ كي يبرُد ويصل إلى درجة حرارته التشغيلية. ولن تبرُد أجزاء مرآته الأساسية بالدرجة الكافية وتُضبط محاذاتها لتأخذ وضعًا مناسبًا إلا بعد انقضاء نحو أربعة أشهر من إطلاق التلسكوب. وعندئذ، سيبدأ مهندسو البعثة في ضبط أجهزة هذا المرصد.

فضلًا عن ذلك، يُتوقع أن يَستخدم أحد أجهزة التلسكوب الأربعة الأشعةَ متوسطة الطول في نطاق الأطوال الموجية تحت الحمراء، وأن يحتاج إلى تبريده بشكل آخر للوصول إلى درجة حرارة تبلغ -266 درجة مئوية، أي فوق الصفر المطلق بـ 7 درجاتٍ فقط. وبمجرد بلوغ «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» درجة الحرارة هذه، يُفترض أن تتضاعف دقة أرصاده لتصل إلى 100 ضعف من دقة تلسكوب «هابل».

أجهزة رصد تستخدم الأشعة تحت الحمراء

يُرتقب أن يتمكن «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»، بفضل تقنية الرؤية باستخدام الأشعة تحت الحمراء التي يمتاز بها، من سبر تاريخ الكون وصولًا إلى فترة قبل ما يزيد على 13.5 مليار سنة، وأن يستكشف النجوم والمجرات النائية، التي انتشر ضوؤها ليصل في مداه إلى الأطوال الموجية التي تميز الأشعة تحت الحمراء بسبب تمدُّد الكون. كما يُتوقع أن يتمكن التلسكوب من سبر مناطق الغبار الفضائي، مثل مواقع ميلاد النجوم، وأن يستكشف الأغلفة الجوية للكواكب الواقعة خارج نطاق المجموعة الشمسية. وفي هذا السياق، تقول عالمة الفلك أنتونيلا نوتا، واحدة من علماء وكالة الفضاء الأوروبية الذين شاركوا في مشروع «تلسكوب جيمس ويب الفلكي»: "صُمِّم التلسكوب للإجابة عن أسئلة لا تزال عالقةً في جميع مجالات الفيزياء الفلكية". وإذا سارت الأمور كافة وفق الخطة المرسومة على مدار الأشهر الستة القادمة، فسيواجه علماء البعثة ضغوطًا شديدة لإزاحة الستار عن الصور والبيانات المذهلة التي ينتجها «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» في أسرع وقتٍ ممكن. وقد أَعدتْ لجنة صغيرة من علماء الفلك القائمين على إدارة التلسكوب بمعهد علوم مراصد الفضاء في بالتيمور، بولاية ميريلاند الأمريكية، قائمةً سرية تضم الأجرام المزمع رصدها أولًا. ويُحتمَل أن تشمل المجموعة الأولى من نتائج أرصاد التلسكوب صورًا وبيانات مذهلة لعدد من الكواكب والنجوم والمجرات، للبرهنة على إمكانات «تلسكوب جيمس ويب الفلكي». بعد ذلك، ستتكشف آفاق من البحث العلمي الجاد أمام علماء فلك آخرين ممن ينتظرون دورهم بحماس لاستخدام هذا التلسكوب.

أما في الوقت الراهن، فليس بمقدور هؤلاء العلماء سوى مراقبة الموقف والانتظار لمعرفة ما إذا كان التلسكوب سيعمل على النحو الذي خطط له مصمموه. وتعقيبًا على ذلك، تقول هامل: "أنا موقنة بأننا بذلنا كل ما بوسعنا".

كشف أسرار الكون

خطا التلسكوب الفضائي جيمس ويب، خطوة مهمة على طريق نجاح مهمته من خلال نشر درعه الحرارية بالكامل، وهو عنصر أساسي لإجراء استكشافاته الكونية المستقبلية، ويتألف التلسكوب من 5 طبقات كلّ منها بحجم ملعب لكرة المضرب، مهمتها حماية الأدوات العلمية من الحرارة الشديدة للشمس. وقد جرى تمديدها بدقة قبل شدها بالكامل واحدة تلو الأخرى منذ الاثنين.

وبسبب حجمه الضخم، الذي يحول دون وضعه داخل صاروخ، طوي التلسكوب على نفسه بما يشبه فن طيّ الورق (أوريغامي) ويتعين نشره في الفضاء، في مهمة فائقة الخطورة. وكان نشر الدرع الحرارية من أصعب المحطات في هذه المهمة.

وبقي التلسكوب الأقوى على الإطلاق في تاريخ استكشاف الفضاء، محط انتظار طويل من علماء الفلك من العالم أجمع منذ 30 سنة لمراقبة الكون بإمكانات غير مسبوقة، خصوصا أولى المجرات التي تشكلت قبل بضعة مئات ملايين السنوات بعيد الانفجار العظيم.

وانطلق التلسكوب قبل أكثر من أسبوع من غويانا الفرنسية، وهو حاليا على بعد أكثر من 900 ألف كيلومتر من الأرض. ولا يزال في طريقه لبلوغ مداره النهائي على مسافة 1.5 مليون كيلومتر من الأرض، أي أربع مرات المسافة الفاصلة بين كوكبنا والقمر.

ومن المستحيل إجراء أي عملية إصلاح في حال حصول أي مشكلة فنية على هذا البعد، لذلك يتعين إجراء عملية النشر التي يتم التحكم بها من بالتيمور على السواحل الأميركية الشرقية، من دون أي خطأ، ويتناوب أكثر من 100 مهندس حاليا على مدار الساعة للتأكد من أن الأمور كلها تحصل بحسب المخطط الموضوع لها، ونقلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، الحدث في بث حي عبر الإنترنت.

وبسبب عدم وجود أي جهاز على متن المركبة بإمكانه التقاط صور للمرصد نفسه، كانت الصور الوحيدة المتاحة ملتقطة من غرفة التحكم بالعمليات، حيث صفقت الفرق المسؤولة عن متابعة عملية نشر الدرع الحرارية طويلا إثر الإعلان عن شد الطبقة الخامسة بنجاح.

بلغت تكلفته 10 مليارات دولار.. كل ما تريد معرفته عن تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي

في 25 ديسمبر/كانون الأول، ترقّب العالم إطلاق تلسكوب "جيمس ويب" (James Webb) الفضائي الذي بلغت تكلفته 10 مليارات دولار أميركي، على متن صاروخ أوروبي عملاق من قاعدة "كورو" الفضائية في غويانا الفرنسية. وبعد نصف ساعة من إطلاقه، بسط التلسكوب الألواح الشمسية المطوية، لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لإجراء الاتصالات.

6 أشهر حاسمة

وبحسب منشور لموقع وكالة "ناسا" الفضائية (NASA)، فإن تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي يعد ثمرة تعاون بين ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ووكالة الفضاء الكندية (CSA)، ويأتي تتويجا لجهود آلاف المهندسين ومئات العلماء و300 جامعة ومؤسسة وشركة من 29 ولاية أميركية و14 دولة حول العالم. ومن المرتقب أن يقود مرصد "جيمس ويب" العالم إلى عصر جديد من الاستكشافات الفضائية.

لكن الأشهر الستة القادمة، بحسب موقع وكالة ناسا، ستكون حاسمة في نجاح هذه المهمة. فبعيد إطلاقه، سيبسط التلسكوب المرايا المطلية بالذهب والدرع الواقي من الشمس الذي يعادل حجمه حجم ملعب كرة التنس تقريبا، وسائر الأنظمة الأخرى الصغيرة التي كانت مطوية حتى يتمكن المهندسون من إدخالها في الصاروخ.

وبعدها سيستقر التلسكوب عند نقطة "لاغرانج الثانية" (L2)، وهي نقطة افتراضية على ارتفاع 1.5 مليون كيلومتر من الأرض في الناحية المقابلة للشمس، ثم سيشرع في تبريد الأجهزة حتى تعمل بالكفاءة المطلوبة.

إذ تتطلب الكاميرات في التلسكوب بيئة باردة لالتقاط الومضات من المجرات البعيدة وغيرها من الأجرام الكونية في الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء، ولهذا جُهز "التلسكوب" بمعدات تبريد ودرع واق من الشمس لتبريد الجزء المواجه للشمس منه حتى درجة حرارة 230 درجة مئوية تحت الصفر. وتعمل الأجهزة التي ترصد الأشعة تحت الحمراء القريبة عند درجة حرارة 234 تحت الصفر، ولن يلتقط العلماء أنفاسهم ويتأكدوا من نجاح المهمة إلا بعد أن يرسل المرصد -ربما في صيف 2022- أولى الصور التي ستتيح لعلماء الفلك سبر أغوار الكون.

جيمس ويب مكمل لتلسكوب هابل

وذكرت وكالة ناسا أن تلسكوب "جيمس ويب" صُمم ليكون خلفا لتلسكوب "هابل" ومكملا له. ولكن "ويب" سيرصد الكون في الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء، إذ يتضمن تلسكوب "جيمس ويب" 4 أجهزة علمية متخصصة تغطي الأطوال الموجية في مدى يتراوح بين 0.6 ميكرون و28 ميكرونا.

ويتراوح جزء الأشعة تحت الحمراء من الطيف الكهرومغناطيسي بين 0.75 ميكرون وبضع مئات الميكرونات. وبعبارة أخرى، فإن هذه الأجهزة تعمل في نطاق الطول الموجي للأشعة تحت الحمراء والمدى الطيفي المرئي.

في حين أن أجهزة "هابل" تركز على الطول الموجي للأشعة فوق البنفسجية: من 0.1 ميكرون إلى 0.8 ميكرون، ومن خلال رصد الأشعة تحت الحمراء، سيتمكن العلماء من اختراق الغبار ورؤية العمليات التي أدت إلى تشكل النجوم والكواكب. فإن معظم الإشعاعات التي تنبعث من الأجسام ذات درجة الحرارة المماثلة لدرجة حرارة الأرض، تكون في نطاق الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء المتوسطة.

وبينما يبلغ قطر مرآة تلسكوب "جيمس ويب" الرئيسية 6.5 أمتار، فإن قُطر مرآة "هابل" 2.4 متر، وهذا يتيح لمرصد "ويب" جمع صور من مساحة أكبر بـ6.25 مرات مقارنة بمرصد "هابل"، ويتميز أيضا تلسكوب "جيمس ويب" عن "هابل" في أن هابل يدور حول الأرض على ارتفاع 570 كيلومترا، في حين أن جيمس ويب سيستقر عند نقطة لاغرانج الثانية L2 التي تبعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض.

وعند هذه النقطة، سيحمي الدرع التلسكوب من الضوء القادم من الشمس والأرض والقمر، حتى يبقى باردا، ورغم أن تلسكوب "جيمس ويب" يدور مع الأرض حول الشمس، فإنه سيظل ثابتا في نفس النقطة بالنسبة إلى الأرض والشمس.

استكشاف أصل الكون

وسيراقب تلسكوب "جيمس ويب" جزءا من الفضاء لم يتح للعلماء رؤيته من قبل. فكلما توغلوا في الفضاء، أصبح بمقدورهم رؤية الأجرام الأقدم في الكون. فلو افترضنا أن تلسكوب "هابل" يمكنه رصد المجرات الفتية، فإن تلسكوب "ويب" سيرى المجرات الوليدة، لأنه يستخدم الأشعة تحت الحمراء.

وبحسب نظرية النسبية العامة لآينشتاين، فإن توسع الكون يقترن بتمدد الفضاء بين الأجسام، وهذا يؤدي إلى ابتعاد الأجرام السماوية عن بعضها. وعندما يتمدد الضوء في الفضاء، يتحول إلى الأطول الموجية الأطول، كالأحمر.

ولهذا يعد التلسكوب الذي يعتمد على الأشعة تحت الحمراء -مثل "جيمس ويب"- مثاليا لرصد الأجرام البعيدة التي يمكن رؤيتها في الجزء المرئي من الطيف الكهرومغناطيسي، أي في نطاق الأطوال الموجية للضوء التي تدركها العين البشرية.

وسيتيح تلسكوب "جيمس ويب" -بفضل التكنولوجيا الثورية التي وُظفت في صناعته- لعلماء الفلك دراسة كل طور من أطوار تاريخ الكون، من داخل مجموعتنا الشمسية إلى أبعد المجرات في فجر تاريخ الكون، وقد يوفر إجابات لطائفة من الأسئلة العلمية التي لطالما حيرت العلماء لمساعدتنا في فهم أصول الكون.

ويعلق العلماء آمالا على تلسكوب "جيمس ويب" للبحث عن الضوء المنبعث من النجوم والمجرات الأولى التي تكونت منذ ما يربو على 13.5 مليار سنة، فإن هذه الأجرام المضيئة تصل إلى الأرض في صورة أشعة تحت حمراء. وقد صمم تلسكوب "جيمس ويب" لرؤية الأشعة تحت الحمراء بدقة غير مسبوقة.

وسيستعين العلماء بتلسكوب "ويب" لدراسة الكواكب والأجرام الأخرى في مجموعتنا الشمسية، للتعرف على أصولها ونشأتها ومقارنتها بالكواكب التي تدور حول النجوم الأخرى خارج مجموعتنا الشمسية، والبحث عن المناطق الصالحة للعيش على ظهر الكواكب الأخرى في مجرتنا، أي الكواكب التي تؤوي أي شكل من أشكال الحياة.

ما الفرق بين جيمس ويب ومرصد هيرشل؟

يتميز تلسكوب "جيمس ويب" عن مرصد هيرشل الفضائي الذي أطلقته وكالة الفضاء الأوروبية عام 2009 عند نقطة "لاغرانج الثانية"، في نطاق الأطوال الموجية للضوء التي يمكنه رؤيتها، فإن نطاق الطول الموجي لتلسكوب "جيمس ويب" يمتد من 0.6 ميكرون إلى 28.5 ميكرونا، في حين أن نطاق الطول الموجي لمرصد "هيرشل" الفضائي يمتد من 60 إلى 500 ميكرون، وصُمم "هيرشل" لرصد المجرات الأكثر قدرة على تكوين نجوم، لأنها تطلق معظم الطاقة في صورة أشعة تحت حمراء. في حين أن "ويب" مصمم للبحث عن أولى المجرات التي تشكلت في فجر الكون، التي يتطلب رصدها أجهزة فائقة الحساسية للأشعة تحت الحمراء البعيدة.

متى تنتهي مهمة التلسكوب؟

يأمل العلماء في أن يحصلوا على كل هذه المعلومات خلال العمر الافتراضي للتلسكوب، إذ ذكرت وكالة ناسا أن العمر الافتراضي للتلسكوب لن يقل عن 5.5 سنوات من تاريخ الإطلاق، على أمل أن يمتد عمره الافتراضي لأكثر من 10 سنوات. فإن عمر التلسكوب يتوقف على كمية الوقود التي يستخدمها للاستمرار في مداره، وكفاءة المعدات والأجهزة على متن المركبة الفضائية، وقد زود مرصد جيمس ويب الفضائي بوقود يكفيه 10 سنوات، وبعدها -إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها- سينفد الوقود من التلسكوب، ثم يبتعد تدريجيا عن مساره، ليصبح واحدا من النفايات التي تسبح في الفضاء.

اضف تعليق