مردودات العمل بالعلم وإقصاء الجهل

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

إن العدوان لا يلجأ له سوى الجاهل، وهذا أمر لا يقبل الدحض، والعنف لا يسلكه إلا الشخص الذي لم يطلع ولا يعرف ولم يفهم الأحكام الشرعية، والتعاليم والسنن والقوانين التي وضعها الدين لمعالجة هذه الحالة والكفّ عن العنف، لهذا حتى نعيش في عالم خال من العنف، علينا القضاء على الجهل...

(العدوان من المشاكل العصيّة التي صادفت الإنسان في سالف الزمان وإلى يومنا هذا)

الإمام الشيرازي

أصبحت حالة العدوان اليوم ظاهرة، ليس على مستوى الأفراد فحسب، وإنما على مستوى الجماعات والدول أيضا، فلو أننا ألقينا نظرة إلى عالم اليوم، والاضطرابات التي تسرح وتمرح في جهاته الأربع، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، فإننا نكاد ننظر إلى عالمنا اليوم وهو مليء بحرائق العنف والعدوان، كما أن واقعنا يرينا أشخاصا يميلون إلى العنف الشديد.

وهذه الظاهرة حيَّرت علماء الاجتماع وعلماء النفس أيضا، فقد بحثوا فيها وتصدوا لها كثيرا ولم يصلوا إلى الدواء الناجع الذي يُشفي الإنسان من داء العدوانية والعنف، فهناك مثل أشخاص بمجرد أن يغضبوا لأي سبب كان، فإنهم يقومون بردود أفعال غريبة عجيبة، بحيث لا يمكن لأحد أن يتوقّع حدوثها، لأنها خارج قوانين علم النفس والاجتماع.

وينطبق هذا على الأمم والدول التي تتشارك الإقامة في كوكب الأرض، حيث يصول العدوان ويجول في أرجاء الأرض، وكل هذا يأتي تحت تبريرات واهية أو غير حقيقية، تقع ضمن بند حماية المصالح القومية أو الفئوية أو الشخصية.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يذكر في كتابه القيّم الموسوم بـ (القطوف الدانية/ الجزء الرابع):

(كثيراً ما نسمع بمصطلح (العنف) وتصادفنا في حياتنا اليومية نماذج كثيرة من هذا القبيل، فنلاحظ أحياناً أناساً تثور ثائرتهم لأتفه الأسباب، ويُقدِمون على أعمال خطيرة في حالة غضبهم يندمون عليها أشد الندم في ما بعد، وهذه الحالة حيرت عقول أغلب المحللين الاجتماعيين وعلماء النفس).

ومن المشاكل العصيّة التي واجهت البشرية منذ أن عرفت الاجتماع في السكن والعمل، هي مشكلة اللجوء إلى العنف، وقد عزى كثير من العارفين والمهتمين بشؤون النفس البشرية، بأن جذور العنف تكمن في النفس البشرية منذ ولادتها، حيث يجتمع الخير والشر فيها معا، فتجد نفس الإنسان تميل إلى الخير أو تميل إلى الشر.

وهذا يعود إلى الإنسان نفسه، وبيئته الاجتماعية والأسرية والدينية فضلا عن الأسباب الوراثية، فهذه البيئات يمكن أن تورث الإنسان الخير وفروعه المختلفة، ويمكن أن تذهب به إلى خيارات العنف في تعامله مع الآخر، وهذا يشمل الأفراد، والمجتمعات والدول معا، فهناك قوى الخير وقوى الشر، كلاهما موجودتان في نفس الإنسان، وقد مُنح الحرية الكامل في اختيار أحدهما، فأما يكون خيرا وللتربية الأسرية والاجتماعية والدينية دورها في ذلك.

لا جبريّة في خيارات الإنسان

وأما يحدث يجري العكس، فتصبح ميول الإنسان نحو الشر ومنه العنف والعدوان على الآخرين، ومنذ أن اكتشف المعنيون (مفكرون، فلاسفة، رجال دين مصلحون) هذه المشكلة، واصلوا البحث عن إيجاد الحلول اللازمة لها.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(النفس الإنسانية فيها قوى خيرة تجر الإنسان إلى عمل الخير والصلاح، وفيها أيضاً قوى عدوانية شريرة تحاول جر الإنسان إلى الأعمال الشريرة، والعنف من المصاديق الظاهرية لتغلب القوى الشريرة في الإنسان على القوى الخيرة، وهو من المشاكل العصيّة التي صادفت الإنسان في سالف الزمان وإلى يومنا هذا).

ولهذا أخذ المحللون الاجتماعيون وعلماء النفس يبحثون في هذه الظاهرة الشريرة، وحاولوا أن يضعوا الحلول التي تطفئ جذوة العدوان، وتجعل من الإنسان (فردا كان أو جماعة أو دولة ميّالا إلى جهة الخير، مبتدعا عن العنف والغضب، مراعيا لحقوق الآخر وحرياته وممتلكاته، ولكن للأسف لم يصلوا حتى الآن إلى العلاج، فأخفقوا في مهمتهم هذه.

على الرغم من أنهم سعوا بجدية عالية للتصدي لهذه الظاهرة، وحاولوا أن يطفئوا جذور الشر في النفس الإنسانية، وركزوا اهتمامهم على بناء الدولة الصالحة، كما في محاولات التخطيط لصناعة (المدينة الفاصلة)، ولكن في حقيقة الأمر كانت النتائج غير دقيقة، ولم يجدوا المعالجة الفعالة التي تقضي على ظاهرة العنف والعدوان.

(لقد حاول أغلب المحللين الاجتماعيين وعلماء النفس وضع القواعد السلوكية والقوانين الاجتماعية لتنظيم أعمال الإنسان وإيجاد الضوابط المحكمة للسيطرة على عدوانية النفس الإنسانية، أو على الأقل تحجيم آثارها، ولكنهم فشلوا في علاج هذه الحالة العلاج الشافي والفعّال).

وحاول المعنيون أن يبرّروا فشلهم في معالجة جذور العدوان داخل نفس الإنسان، عندما قال بعضهم بأن العنف حالة موجودة في النفس ولا يستطيع الإنسان مهربًا منها، لذلك يلجأ إلى العنف باعتباره جزء من نفسه، وهذه الحالة تنتمي إلى جانب الشر الموجود في النفس، وهنالك الكثير من التفسيرات التي جاءت على شكل تبريرات لم تضع لهذه الظاهرة حدا. 

وقد أظهروا نوعا من الجبرية أو القسر في تعامل الإنسان الشرير مع الآخرين، وكأنهم بذلك يحاولون إيجاد الأعذار للإنسان، لكن العلماء والمفكرين الصالحين حثوا الناس على السلم، وكذلك الأديان على سبيل المثال، كانت ولا تزال توجّه الإنسان نحو الخير وترفض العدوان على الآخرين، كما جاء في القرآن الكريم ﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، سورة الأنفال، الآية 61.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(بعض علماء النفس نسبَ العنف إلى نفس الإنسان، وقال: إن الإنسان مجبور على إظهار عدوانيته، لأن نفسه فيها جانب شرير وجانب خير، إلى غير ذلك من التفسيرات غير الصحيحة). 

معالجة أسباب العنف

ومع ذلك وضع الإسلام الحلول الشافية الوافية لهذه الظاهرة العدوانية التي تنتمي إلى الشر، وتجلّت هذه المعالجة من خلال التعاليم التي جاءت في النصوص القرآنية الكريمة، وفي أحاديث وروايات أهل البيت عليهم السلام، وفي السنن والقوانين والأحكام الدينية التي تعالج العنف.

ولكن هذا الأمر مشروط بالالتزام بهذه السنن الإلهية، وإذا حدث تطبيقها فعليا، فإن مشكلة الإنسان مع العنف والعدوان والغضب سوف تزول وتنطفي، ويعيش الجميع في ربوع التفاهم والانسجام والتعاون، لأن الجميع في هذه الحالة سوف يراعي حقوق غيره، وفي نفس الوقت تكون حقوقه ومصالحه مُصانة، ولا يكون هناك أي سبب لاعتماد العدوان والعنف في معالجة القضايا الشائكة بين الناس.

الإمام الشيرازي يبيّن هذه النقطة فيقول:

(لقد وضع الإسلام البدائل، ودلَّ الإنسان على العلاج الشافي لهذا المرض العضال (العنف والعدوان)، فأوجد له تعاليم وسنّ له القوانين التي إذا اتبعها بصورة موزونة وسليمة فإنه بلا شك سوف يتغلب على هذه المشكلة وتهدأ نفسه ويرتاح ضميره أي يصبح هادئاً مطمئناً).

وهنالك سبب آخر مؤثر وفعال في إثارة العدوان واللجوء إلى العنف والعنف المتبادَل، ألا وهو الجهل، فحينما يكون الإنسان جاهلا، غير متعلم ولا مطّلع، سوف يغضب ويثور حتى لأتفه الأسباب، لأنه يفتقد للمعرفة والتحليل وصولا إل النتائج الصحيحة، وهذا الجهل يجعله يدور في حلقة العنف، ولا يجد سبيلا آخر غير الغضب والعنف، فتبدر منه سلوكيات عدوانية.

فما بالك حين يكون هذا الفرد حاكما، أو مسؤولا يتولّى منصبا حساسا، فإن جهله سوف يدفع به إلى اختلاق الذرائع والتبريرات الواهية لكي يعتدي على الآخرين.

لهذا يقول الإمام الشيرازي:

(من أسباب العنف: الجهل، حيث أكّد الإسلام على العلم والسعي إليه وجاء ذلك في آيات وروايات عديدة، كما أكد على العمل المقترن بالعلم واللاعنف أيضاً).

إن العدوان لا يلجأ له سوى الجاهل، وهذا أمر لا يقبل الدحض، والعنف لا يسلكه إلا الشخص الذي لم يطلع ولا يعرف ولم يفهم الأحكام الشرعية، والتعاليم والسنن والقوانين التي وضعها الدين لمعالجة هذه الحالة والكفّ عن العنف، لهذا حتى نعيش في عالم خال من العنف، علينا القضاء على الجهل، مع مراعاة الاطلاع الجيد على الأحكام والتعاليم والسنن التي تسعى لمحاصرة هذه الظاهرة ومعالجتها بشكل تامّ.

اضف تعليق