على الرغم من الانتقادات الدولية الواسعة التي تعرضت لها حكومة ميانميار في الفترة الاخيرة، ماتزال الأقلية المسلمة في ميانمار، والتي تعد الأقلية الأكثر اضطهاداً في العالم تتعرض لحملة تطهير عرقي من قبل القوات المسلحة وقوات الامن، التي سعت الى تكثيف عمليات القتل والتشريد والاغتصاب بحق الروهينغا وحرق منازلهم، وهو ما اثار قلق ومخاوف العديد من الدول والمنظمات الحقوقية، التي طالبت حكومة ميانمار إلى أن تنهي فورا التمييز والإفلات من العقاب، وتتخذ تدابير للتصدي "لخطاب الكراهية وخصوصا لدى المجموعات البوذية المتطرفة". وتعتبر ميانمار وكما نقلت بعض المصادر (وغالبية سكانها من البوذيين) الروهينغا أجانب وهم لا يملكون هوية، مع أن بعضهم يعيش في البلاد منذ أجيال.

وكانت شبكة حقوق الإنسان في ميانمار قد قالت في تقرير نقلته بعض المصادر، إن ما يحدث في إقليم أراكان غربي البلاد يرقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية. ونقل التقرير شهادات بشأن ضلوع الأجهزة الأمنية في الدمار الذي تعرضت له أحياء وقرى تعيش فيها أقلية الروهينغا المسلمة قرب الحدود مع بنغلاديش. من جهتها، ذكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن الجيش في ميانمار أحرق 1500 منزل على الأقل، يمتلكها أفراد من أقلية الروهينغا المسلمة في ولاية أراكان. ويعيش مسلمي الروهينغا تهجيراً ودماراً وقتلاً شبه يومياً.. وحرماناً من أبسط مقومات الحياة.. وصولاً إلى نساء هتكت أعراضهن على ايدي الجيش البورمي.. وفيما تتواصل عمليات القتل بحقهم تمكن الآلاف من الفرار عبر الحدود نحو بنغلادش وغيرها من الدول الاخرى.

جرائم ضد الإنسانية

وفي هذا الشأن لا يعرف حتى الآن عدد المدنيين الذين قتلوا في موجة العنف الأخيرة في ميانمار إذ تفرض الحكومة قيودا على الصحفيين وعمال الإغاثة. وقالت منظمة العفو الدولية إن تصرفات جيش ميانمار قد تصنف على أنها "جرائم ضد الإنسانية"، وذلك إثر اتهامات له بارتكاب ممارسات عنيفة ضد أقلية الروهينغا المسلمة. واتهم تقرير صادر عن المنظمة السلطات في ميانمار بـ"قتل مدنيين وممارسة الاغتصاب والتعذيب". وينفي جيش ميانمار اتهامه بارتكاب أعمال وحشية، ويؤكد على أنه يقوم بمداهمات لمواجهة إرهابيين في إقليم راخين.

وبدأت التقارير بشأن العنف في راخين ترد في أكتوبر/تشرين الأول مع بدء الجيش عملية أمنية فيها. في نوفمبر/تشرين الثاني، اتهم مسؤول أممي ميانمار بارتكاب "تطهير عرقي" للروهينغا. وتقول العفو الدولية إنها أجرت مقابلات مع 35 ضحية لأعمال عنف و20 آخرين لهم علاقة بأعمال إنسانية وإعداد التقارير حول ميانمار. ووصفت المنظمة ما يحدث في ميانمار بأنه "كارثة إنسانية"، حيث تقع عمليات قتل عشوائي واغتصاب وتعذيب ونهب وتدمير لمنازل ومدارس ومساجد.

وتقول المنظمة إن تصرفات الجيش "جزء من هجوم واسع وممنهج ضد الروهينغا في ولاية راخين، ولذا فإنه قد يمثل جرائم ضد الإنسانية". ولا يعرف حتى الآن عدد المدنيين الذين قتلوا في موجة العنف الأخيرة إذ تفرض الحكومة قيودا على الصحفيين وعمال الإغاثة. وبحسب تقديرات العفو الدولية، فقد فر قرابة 27 ألف من الروهينغا إلى بنغلاديش منذ أكتوبر/تشرين الأول.

من جانب اخر عثر على جثة مقطوعة الراس لقروي مسلم بعد ايام من حديثه مع مراسلين خلال جولة اعلامية نادرة نظمتها الحكومة في ولاية راخين المضطربة شمال بورما، وفق ما قالت الشرطة. ولم تحدد الشرطة الدافع وراء قتل الرجل البالغ 41 عاما والذي عثر على جثته في نهر لكنها قالت انه تحدث الى صحافيين بورميين في قرية نغاخورا. وقال كولونيل في الشرطة في مدينة مونغداو ان "عائلته قالت انه اختفى بعد اجراء مقابلة مع الصحافيين". واضاف "تلقيت بعد ذلك تقريرا بالعثور على جثته مقطوعة الراس". وقتلت قوت الامن اكثر من 80 شخصا في راخين منذ بدء حملة القمع وفق ارقام رسمية. بحسب فرانس برس.

وقال محللون في المجموعة الدولية للازمات ان مقاتلين انطلقوا من خلف الحدود قتلوا كذلك العديد من الروهينغا المتهمين ب"التخابر" مع سلطات بورما. واصدرت رئاسة بورما بيانا قالت فيه ان الرجل ويدعى شو نار ميار قتل بعد ان نفى ارتكاب الجيش تجاوزات في تصريحه للصحافيين. ونظمت الجولة الاعلامية مع تنامي الضغوط على حكومة اونغ سان سو تشي للسماح بدخول منطقة النزاع المغلقة منذ اكثر من شهرين. وقالت مجموعة الازمات ان المقاتلين الذين شنوا هجمات على المراكز الحدودية ينتمون الى مجموعة "حركة اليقين" التي تدعمها السعودية وظهرت بعد اعمال عنف طائفية في راخين في 2012.

فرار جماعي

على صعيد متصل قال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة في ميانمار إن ما يقرب من 15 ألف شخص عبروا الحدود إلى الصين في الشهر الماضي وسط تفاقم القتال بين الجيش وجماعات عرقية مسلحة. وقال بيير بيرون المتحدث باسم المكتب إن وصول المساعدات إلى الأشخاص الذين تضرروا من النزاع في ولايتي كاشين وشان "بات أسوأ لا أفضل." ونقل المكتب عن منظمات إنسانية في المنطقة القول إنه بالإضافة إلى اللاجئين الجدد الذين يبلغون نحو 15 الف لاجيء نزح 2400 شخص داخليا في الجزء الشمالي من ولاية شان منذ 20 نوفمبر تشرين الثاني عندما هاجم ائتلاف من أربع تنظيمات متمردة مراكز حدودية للجيش والشرطة.

وفي بكين قالت هوا تشون ينج المتحدثة باسم وزارة الخارجية إنها لا تملك تفاصيل فورية بشأن أعداد اللاجئين لكنها كررت الدعوة لعقد محادثات للتوصل لحل للقتال وضمان السلام والاستقرار على الحدود. وأضرت أسابيع من القتال وموجات النزوح بآمال الزعيمة اونج سان سو كي للتوصل إلى السلام في المناطق الجبلية الحدودية التي تسودها الصراعات منذ سنوات طويلة وهو أمر اعتبرته إدارتها أحد أولوياتها. بحسب رويترز.

وقال بيرون "وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق النزاع في كاشين وشان بات أسوأ من أي مرحلة في السنوات القليلة الماضية." وأضاف "هذا أضر بشكل جدي بقدرة المنظمات الإنسانية على توفير المساعدات المنقذة للحياة لعشرات آلاف النازحين وغيرهم ممن تأثروا بالنزاع." وقال الجيش في ميانمار إنّه سيصعد عملياته في ولاية شان على اثر الهجمات في نوفمبر تشرين الثاني.

من جانب اخر فر نحو 21 الف لاجىء من اقلية الروهينغا المسلمة من العنف في غرب بورما الى بنغلادش المجاورة بحسب ما اعلنت منظمة الهجرة الدولية. وقالت سانجوكتا ساهاني، مديرة مكتب المنظمة في منطقة كوكس بازار جنوب شرق بنغلادش المحاذية لحدود ولاية راخين البورمية، ان اعدادا كبيرة من اقلية الروهينغا المسلمة تقدر ب 21 الف شخص "وصلوا الى المنطقة بين 9 من تشرين الاول/اكتوبر و2 من كانون الاول/ديسمبر".

واوضحت ساهاني ان هذه التقديرات تأتي من ارقام جمعتها منظمات مختلفة تابعة للامم المتحدة ومنظمات دولية. واضافت ان الغالبية العظمى من اللاجئين يقيمون مخيمات مؤقتة او يتوجهون الى مخيمات قائمة للاجئين او الى قرى المنطقة. وفر نحو 30 الفا من الروهينغا من منازلهم وتبين من تحليل منظمة هيومن رايتس ووتش لصور التقطت بالاقمار الاصطناعية ان مئات المساكن دمرت في قرى الروهينغا.

اجتماع طارئ

الى جانب ذلك عقدت دول جنوب شرق آسيا اجتماعا طارئا في رانغون لبحث الاضطرابات العنيفة التي يشهدها شمال غرب بورما، حيث يقيم الآلاف من أقلية الروهينغا المسلمة، التي تعتبرها الأمم المتحدة الأقلية الأكثر تعرضا للاضطهاد في العالم. ووجه مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان زيد رعد بن الحسين، انتقادات شديدة إلى ردود فعل حكومة بورما برئاسة أونغ سان سو تشي منذ بدء أعمال العنف.

ورأى أن نهج الحكومة "متهور وغير مجد وعديم الإحساس"، معتبرا أنه "نموذج لنهج يؤدي إلى تفاقم الوضع". وقال الأمين العام السابق للرابطة أونغ كنغ يونغ إن "هذا النوع من المشكلات، إذا لم تتم معالجته بصورة جيدة، فسينعكس على السلام والأمن في منطقة آسيان". وشهدت المنطقة في أيار/مايو 2015 أزمة إنسانية خطيرة حين بقي آلاف الروهينغا عالقين في خليج البنغال، بعدما تخلى عنهم مهربو اللاجئين في وسط البحر. ويقطن في راخين القسم الأكبر من الروهينغا البالغ عددهم مليون نسمة، ويشكل البوذيون أقلية فيها فيما هم الأكثرية الساحقة في البلاد (95%).

وتشهد بورما تصاعدا في التشدد الديني البوذي، واضطهادا لأقلية الروهينغا التي تعتبرها الأمم المتحدة الأقلية الأكثر تعرضا للاضطهاد في العالم. وهم يعتبرون أجانب في بورما ويعانون من التمييز في عدد من المجالات من العمل القسري إلى الابتزاز، وفرض قيود على حرية تحركهم وعدم تمكنهم من الحصول على الرعاية الصحية والتعليم.

من جانبه دعا رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق إلى تدخل خارجي لوقف "الإبادة الجماعية" لأقلية الروهينجا المسلمة في ميانمار بينما انضم لآلاف المحتجين المنتمين لهذه الأقلية في كوالالمبور. وتزايدت انتقادات ماليزيا ذات الأغلبية المسلمة لتعامل ميانمار مع العنف والمزاعم بارتكاب الحكومة انتهاكات في ولاية راخين بشمال البلاد التي دفعت مئات من الروهينجا للفرار عبر الحدود إلى بنجلادش. ووصفت ماليزيا العنف بأنه "تطهير عرقي".

ودعا نجيب الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمة التعاون الإسلامي للتدخل. وقال للحشد "لا يمكن أن يقف العالم مكتوف الأيدي ويراقب إبادة جماعية تحدث." وجاءت مشاركة نجيب على الرغم من تحذيرات من ميانمار لماليزيا بأنها تجازف بانتهاك مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).

وردا على ذلك قال نجيب إن (آسيان) تعهدت أيضا في ميثاقها بالالتزام بحقوق الإنسان الأساسية. كما اتهم الزعيمة الفائزة بجائزة نوبل للسلام في ميانمار أونج سان سو كي بالتقاعس عن التحرك قائلا إنها أعلنت أن قضية الروهينجا منطقة محظورة خلال مناقشات ثنائية. وتساءل "كيف يمكن هذا؟ يجب أن تتاح لنا مناقشة كل شيء." وشارك في التجمع الذي نظمه حزب المنظمة الوطنية المتحدة للملايو الحاكم والحزب الإسلامي الماليزي نحو عشرة آلاف شخص معظمهم من الروهينجا. بحسب رويترز.

وقال رئيس رابطة الروهينجا في ماليزيا فيصل إسلام محمد قاسم إنه يقدر جهود ماليزيا من أجل البحث عن حل للأزمة. وأضاف "نريد من الحكومة الماليزية أن (تبعث) برسالة للعالم الإسلامي والدول الغربية للضغط على حكومة ميانمار لحل قضية الروهينجا." وتمثل أعمال العنف في ميانمار الأسوأ التي تشهدها ولاية راخين منذ اشتباكات طائفية عام 2012 أسفرت عن مقتل المئات. ودفع الاضطهاد والفقر آلاف من الروهينجا للفرار من ميانمار بعد أعمال عنف بين بوذيين ومسلمين هناك قبل أربع سنوات. وجرى تهريب الكثير منهم إلى دول مجاورة وقصد معظمهم تايلاند وماليزيا.

مسيرة في بنغلادش

على صعيد متصل اوقفت الشرطة البنغلادشية مسيرة لآلاف من الاسلاميين في العاصمة دكا كانوا يستعدون للتوجه الى الحدود مع بورما، احتجاجا على معاملة اقلية الروهينغا المسلمة هناك. وتجمع الاف من المسلمين من اعضاء حزب "اندولان" الاسلامي امام مسجد بيت المكرم في دكا، ورددوا شعارات وحملوا لافتات تندد باونغ سان سو تشي التي تقود الحكومة الحالية في بورما. واكد رفيق الاسلام، قائد الشرطة المحلية ان ستة الاف شخص وصلوا للمشاركة في المسيرة باتجاه الحدود الجنوبية الشرقية. واضاف "لكن تم توقيفها بعد ان تحدثنا عن ان المسيرة ستؤدي الى عرقلة النظام العام". بحسب فرانس برس.

لكن مسؤولين في الحزب اتهموا الشرطة البنغلادشية بايقافهم "بالقوة" واعتقال بعضهم". وقال عتيق الرحمن المتحدث باسم الحزب "قاموا بايقاف ناشطينا واعتقلوا عددا منا بشكل عشوائي. ندين بشدة ما تقوم به هذه الادارة". ومصير الروهينغا الذين يعيشون في بورما منذ اجيال، ملف قابل للانفجار في هذا البلد الواقع في جنوب شرق آسيا.

فهؤلاء مكروهون لدى جزء من السكان في بورما (95 بالمئة منهم بوذيون) ويعتبرون اجانب وصلوا من بنغلادش ويتعرضون للتمييز في عدد من المجالات مثل فرض قيود على حرية تحركهم وعدم تمكنهم من الحصول على الرعاية الصحية والتعليم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0