ما تزال تداعيات وانعكاسات الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، تحظى باهتمام خاص من قبل بعض المؤسسات والمنظمات الانسانية، التي انتقدت الاجراءات القمعية وعمليات التطهير الواسعة، التي قام بها الرئيس رجب طيب أردوغان ضد كل معارضيه والمناوئين للتوجّهات السلطوية، حيث سعى الرئيس التركي كما يقول بعض الخبراء ومنذ وصوله إلى السلطة في عام 2003، الى ادارة البلاد بقبضة متسلطة بصورة متزايدة، من خلال تضيق الخناق على المعارضة وعلى حرية التعبير ووسائل الإعلام.

واثار قرار أردوغان الاخير القاضي بتمديد حالة الطوارئ في تركيا لمدة ثلاثة شهور إضافة مخاوف كثيرة، حول الطرق الاستبدادية التي ينتهجها أردوغان عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، التي كانت سببا في اعتقال واقصاء عشرات الآلاف من القضاة والجنود وأساتذة الجامعات والضابط والمدرسين. هذا بالاضافة الى اغلاق ومصادرة العديد من المؤسسات الاعلامية والتربوية الخاصة برجل الدين التركي فتح الله غولن، المتهم الاول بالتخطيط لهذا الانقلاب الفاشل، وبحسب بعض المصادر فان استمرار أردوغان في سياسة القمع، سيؤدي إلى صعوبة تقبله كحليف لدى الدول الغربية التي انتقدت هذه الاجراءات.

وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن من مصلحة تركيا تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر أخرى مستخدما نبرة تحد لهؤلاء الذين انتقدوا الحملة الحكومية الواسعة التي أعقبت محاولة الانقلاب. وقال إردوغان بعد يوم من توصية مجلس الأمن القومي التركي بتمديد حالة الطوارئ إن هذا الإجراء عجل بالمعركة التي تخوضها أنقرة ضد الإرهاب معربا عن اعتقاده بأن الأتراك سيساندون هذه الخطوة.

وقال إردوغان في كلمة أمام مجموعة من المسؤولين الإقليميين في أنقرة "سيكون من مصلحة تركيا تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر." وأضاف "يقولون إن عاما واحدا ليس مناسبا لتركيا. فلننتظر ونرى. ربما لن تكون مدة 12 شهرا كافية." وانتقدت جماعات حقوقية وبعض الحكومات الغربية وحزب المعارضة الرئيسي في تركيا المدى الذي بلغته حملة الحكومة بعد الانقلاب.

تعذيب وإساءة

من جانب اخر ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان أن تركيا منحت أجهزتها الأمنية "صلاحيات مفتوحة" لتعذيب المعتقلين في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة لتسلط الضوء على حالات ضرب وحرمان من النوم واستغلال جنسي. وقالت المنظمة في تقرير إن "مناخا من الخوف" يسود منذ محاولة الانقلاب في يوليو تموز ضد الرئيس رجب طيب إردوغان فضلا عن اعتقال الآلاف بموجب قانون الطوارئ. وأورد التقرير أكثر من 12 حالة جاءت في مقابلات مع المحامين والناشطين والمعتقلين السابقين وغيرهم.

وقال مسؤول تركي إن وزارة العدل سترد على التقرير في وقت لاحق لكن أنقرة كانت قد نفت مرارا التهم الموجهة إليها بالتعذيب وبررت الحملة الأمنية بعد محاولة الانقلاب بأنها تهدف إلى ترسيخ الاستقرار في الدولة التي تواجه تهديدات من المسلحين الأكراد فضلا عن حروب في العراق وسوريا المجاورتين. وقال هيو وليامسون مدير منطقة أوروبا ووسط آسيا في المنظمة في بيان إنه "سيكون مأساويا أن يقوض أمران بفرض الطوارئ جرت الموافقة عليهما على عجل التقدم الذي حققته تركيا لمكافحة التعذيب." وأضاف وليامسون "منحت الحكومة التركية فعليا عبر إلغاء الضوابط على التعذيب صلاحيات مفتوحة لأجهزة الأمن لتقوم بتعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم كما يرغبون."

وكبح إردوغان مع بداية وصوله إلى السلطة عام 2002 لجوء الشرطة إلى التعذيب وخصوصا في جنوب شرق البلاد ذات الأغلبية الكردية ومهد حركة تمرد مسلحة ضد الحكومة. لكن المعركة مع المقاتلين الأكراد باتت أكثر شراسة منذ انهيار اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين العام الماضي مما أثار اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. وقالت المنظمة إنها كشفت مزاعم بأن الشرطة لجأت إلى أساليب منها الحرمان من النوم والضرب المبرح والاستغلال الجنسي والتهديد بالاغتصاب منذ فشل الانقلاب.

ولم تقتصر الحالات التي أوردتها المنظمة في تقريرها على الانقلابيين المحتملين بل شملت أيضا المعتقلين المشتبه بوجود صلات لهم مع المقاتلين الأكراد والجماعات اليسارية. وأوقفت تركيا أكثر من 35 ألف شخص واعتقلت الآلاف وطردت أكثر من 100 ألف شخص لصلاتهم المحتملة برجل الدين فتح الله كولن المقيم في الولايات المتحدة والمتهم بتدبير الانقلاب الفاشل على الرغم من نفيه ذلك. بحسب رويترز.

وأعلن إردوغان حالة الطوارئ في البلاد في اليوم التالي لمحاولة الانقلاب مما يتيح له ولحكومته تخطي البرلمان في إقرار قوانين جديدة وتعليق الحقوق والحريات أو كبحها وفق ما يرونه مناسبا. وذكرت هيومن رايتس ووتش أنها وثقت 13 حالة سوء معاملة في تقريرها الذي استند على مقابلات أجريت بين أغسطس آب وسبتمبر أيلول مع أكثر من 40 محاميا وناشطا ومعتقلا سابقا وطاقما طبيا وطبيبا شرعيا.

توقف 13 ألف شرطي

على صعيد متصل أوقفت السلطات التركية زهاء 13 ألف رجل شرطة عن العمل واعتقلت العشرات من ضباط القوات الجوية. وذكرت قيادة الشرطة أن 12801 من أفرادها بينهم 2523 من القادة أوقفوا عن العمل للاشتباه بأنهم على صلة برجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله كولن الذي تتهمه أنقرة بتنسيق محاولة الإطاحة بالحكومة.

وصدرت أوامر الإيقاف عن العمل بعد ساعات من إعلان نائب رئيس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة نعمان قورتولموش تمديد حالة الطوارئ التي فُرضت بعد فترة وجيزة من محاولة الإنقلاب 90 يوما أخرى. وتسمح سلطات الطوارئ لإردوغان بالحكم بمراسيم بشكل فعلي مع عدم خضوع قراراته لرقابة المحكمة الدستورية وهي أعلى سلطة قضائية في تركيا. وذكرت وكالة دوجان الخاصة للأنباء أنه بالإضافة إلى إيقاف خمسة في المئة من القوة الإجمالية للشرطة عن العمل اعتقلت السلطات 33 من ضباط القوات الجوية في مداهمات في أنحاء البلاد وقطع بث قناة (آي.إم.سي) التلفزيونية في أعقاب اتهامات بنشر "دعاية إرهابية". بحسب رويترز.

وقالت وكالة الأناضول للأنباء التي تديرها الدولة إنه تم إعفاء 37 شخصا يعملون في مقر وزارة الداخلية من مناصبهم. ولم تذكر الوكالة تفاصيل. ومنذ محاولة الانقلاب التي وقعت في 15 يوليو تموز اتخذ إردوغان خطوات لتخليص مؤسسات الدولة من الموظفين الذين يُنظر إليهم على أنهم غير موالين أو أعداء محتملون. وتقول الحكومة إن هدفها هو تطهير المؤسسات ممن لهم صلات بكولن الذي تصف منظمته بأنها شبكة إرهابية. وذكرت دوجان أن أحد رجال الشرطة (26 عاما) الذين أوقفوا عن العمل انتحر بإطلاق النار على رأسه في مدينة مرسين المطلة على البحر المتوسط.

وأثارت الحملة التي لا هوادة فيها قلقا بين حلفاء تركيا في الغرب وجماعات حقوق الإنسان الذين يخشون استخدام إردوغان محاولة الانقلاب كذريعة لتقليص المعارضة وتكثيف تحركاته ضد من يشتبه بأنهم مؤيدون للمسلحين الأكراد. وفي علامة أخرى على رغبة الحكومة في التحرك بسرعة لإخماد المعارضة قال يلدريم إنه لا بد من التعجيل بإجراءات التقاضي لاسيما عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يشتبه بأنهم تآمروا في محاولة الانقلاب. وقال "أحد الأهداف الرئيسية هو اختصار المدة التي يستغرقها إصدار أحكام. "سنبدأ هذا بالمتآمرين في انقلاب 15 يوليو. نفعل ذلك بسرعة."

فصل 28 ألف مدرس

الى جانب ذلك قال نور الدين جانكلي نائب رئيس الوزراء التركي إن السلطات فصلت نحو 28 ألف مدرس وأوقفت زهاء 9500 آخرين عن العمل للاشتباه في صلاتهم بالإرهاب. واستهدف مدرسون في جنوب شرق البلاد ذي الأغلبية الكردية في الأسابيع الأخيرة إذ أشارت السلطات إلى الاشتباه في ارتباطهم بحزب العمال الكردستاني المحظور. بحسب رويترز.

وفي تصريحات عقب اجتماع للحكومة قال جانكلي إن نحو 28 ألف مدرس فصلوا من وظائفهم. وأضاف أن التحقيقات مع زهاء 9500 مدرس موقوف عن العمل لا تزال جارية. وأضاف "في إطار حربنا ضد الإرهاب اتخذت إجراءات ضرورية ضد مدرسين وموظفين حكوميين آخرين للاشتباه في صلاتهم بمنظمات إرهابية." وأضاف جانكلي أن السلطات أعادت للعمل 455 مدرسا كانت فصلتهم في وقت سابق وذلك بعد استكمال التحقيقات. وتتزامن تصريحاته مع بداية فصل دراسي جديد عقب انتهاء العطلة الصيفية. وفور محاولة الانقلاب الفاشلة أغلقت السلطات على الفور 15 جامعة ونحو ألف مدرسة ثانوية مرتبطة بكولن.

من جانب اخر اعتقل خمسة عشر موظفا في جامعة ازمير العريقة والتاريخية (غرب)، في اطار التحقيق حول محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو، كما ذكرت وكالة انباء الاناضول القريبة من الحكومة. واضافت الوكالة ان مذكرات توقيف قد صدرت في حق 23 شخصا بالاجمال يعملون في جامعة اغي، رابع اكبر جامعة تركية في ازمير، وان 15 قد اوقفوا، ولا تزال عملية البحث جارية عن الثمانية الباقين. واوضحت وكالة دوغان للانباء ان بعض الموقوفين هم اساتذة في الجامعة. وتوجه الى بعض من هؤلاء الموظفين ال 23 تهمة استخدام خدمة بايلوك للرسائل المشفرة التي كانت اداة الاتصال بين الانقلابيين، كما تقول السلطات.

محاربة الاعلام التركي

في السياق ذاته أمرت تركيا بإغلاق 20 قناة تلفزيونية ومحطة إذاعية تبث إحداها برامج للأطفال بتهمة نشر "دعاية إرهابية" وهو ما يزيد المخاوف من استغلال حالة الطوارئ لتكميم وسائل الإعلام. ويقول حمزة أقطن المحرر في تلفزيون (آي.إم.سي) المقرر إغلاقه إن القنوات المحظورة مملوكة أو يديرها أكراد أو علويون. واستشهد بنسخة من القرار حصلت عليها القناة التي يعمل بها والذي استند إلى صلاحيات حصلت عليها الحكومة بموجب المرسوم الذي صدر في يوليو تموز. وقال أقطن "لا علاقة لهذا بالانقلاب. إنها محاولة لإسكات آخر وسائل الإعلام المستقلة التي تغطي القضية الكردية والانتهاكات التي ترتكبها الدولة."

وبث تلفزيون (آي.إم.سي) تقارير تستعرض سلوك قوات الأمن خلال عمليات عسكرية لمدة 14 شهرا تستهدف حزب العمال الكردستاني المحظور وأسفرت عن مقتل الآلاف. ومن بين القنوات التلفزيونية التي أغلقت قناة جوفند التي تبث موسيقى شعبية وقناة زاروك التي تبث برامج رسوم متحركة للأطفال باللغة الكردية. وقال أقطن إن القرار يغلق أيضا 11 إذاعة لإضرارها بالأمن القومي. بحسب رويترز.

وقال روبرت ماهوني من لجنة حماية الصحفيين "تركيا تستهدف جانبا كبيرا من حرية التعبير الثقافي والسياسي من خلال إغلاق قنوات إذاعية وتلفزيونية للأقليات... حين تعتبر الحكومة أن حتى برامج الأطفال تمثل تهديدا للأمن القومي فإن هذه تكون إساءة استغلال واضحة للصلاحيات المخولة لها بموجب حالة الطوارئ."

من جانب اخر دعا رئيس التحرير السابق لصحيفة "جمهورييت" التركية المعارضة جان دوندار في ستراسبورغ الاوروبيين الى التحرك للافراج عن الصحافيين المعتقلين في بلاده التي اصبحت "اكبر سجن للصحافيين" في العالم، حسب قوله. وقال دوندار خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الاوروبي "لا تدعوا القمع يسود ويقضي على وسائل الاعلام الحرة في بلد عضو في مجلس اوروبا. هذا النضال ليس مهما فقط لمستقبلنا وانما لمستقبل اوروبا ايضا".

ويعيش دوندار في المنفى في المانيا وتاتي زيارته قبل يوم من اعلان الفائز بجائزة سخاروف لحقوق الانسان التي يمنحها البرلمان الاوروبي وهو احد المرشحين لنيلها. وقال دوندار ان "تركيا هي اليوم اكبر سجن للصحافيين" في العالم، مشيرا الى اعتقال 130 صحافيا والى أن 2500 باتوا عاطلين عن العمل بعد اغلاق وسائل الاعلام التي كانوا يعملون فيها. وقال ان "وسائل الاعلام كانت تتعرض لضغوط كبيرة قبل الانقلاب ولكنها باتت الان لا تطاق" مشيرا الى حملة التطهير الواسعة التي استهدفت وسائل الاعلام بعد محاولة الانقلاب منتصف تموز/يوليو.

واتهم دوندار بكشف "اسرار الدولة" عندما نشر شريط فيديو ومقالا قال فيه ان الحكومة تسلم اسلحة الى مقاتلين اسلاميين في سوريا. ثم ادين في هذه القضية وحكم عليه بالسجن خمس سنوات وعشرة اشهر. وهو مهدد بحكم اخر لاتهامه بانه على صلة بمنظمة الداعية فتح الله غولن المتهم بانه وراء محاولة الانقلاب. وبعد تعرضه لمحاولة اغتيال غادر دوندار تركيا الى المانيا وقال انه لا يثق بقضاء بلاده. وتصنف منظمة مراسلون بلا حدود تركيا اليوم في المرتبة 151 على لائحتها لحرية الاعلام التي تضم 180 بلدا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0