في الاسبوع الماضي كانت امرأة عمرها 35 عاماً تقف خارج محل «فالنتينو» بحي مانهاتن حين احست، كما اخبرت الشرطة في وقت لاحق، بسخونة تجتاح جنبها الايسر. فجأة وجدت النار مشتعلة في بلوزتها ورجل يقف بقربها ممسكاً بولاعة سكائر في يده. نجت تلك المرأة التي لم يعلن عن اسمها من الحادث بلا اصابات، عدا احتراق جزء من البلوزة وتحقق الشرطة الآن في الحادث على اعتباره من جرائم الكراهية لأن المرأة كانت مسلمة تضع حجاباً.

كل امرأة تقريباً لديها قصة مثيرة للقلق تحكيها ذات صلة بكونها امرأة تعيش وسط مجتمع متحرك، مثل تعقب شخص غريب لها واقترابه منها الى درجة اثارت وساوسها، او تعرضها لاساءات لفظية او تحرشات جنسية او حتى للهجوم الجسدي المباشر. إلا ان حوادث العنف أو الكراهية للنساء المعزولة هذه اكتسبت حداً قاطعاً مستنكراً بالنسبة للنساء المسلمات.

فوسط هذا الفيض المتفاقم من الدعوات السياسية التي تحرض على المسلمين كان العام 2015 هو الاعلى من حيث عدد جرائم الكراهية المرتكبة ضد المسلمين الذي بلغ خمسة اضعاف المعدل الذي كان عليه قبل 11/9. ومع أن هذا السم الزعاف، سم المشاعر المعادية للمسلمين، موجه الى الرجال والنساء معاً فإن الازمة لها ارتباط خاص بالجنس، والنساء هن من يتحملن الوطأة الاثقل للتحامل الاسلاموفوبي.

العثور على بيانات تتعلق بآثار جرائم التمييز والكراهية التي تستهدف المسلمات تحديداً أمر صعب (لأن مكتب التحقيقات الفدرالي «أف بي آي» لا يتحرى جرائم الكراهية على اساس الجنس) ولكن الدراسات تشير الى أن النساء، لاسيما مرتديات الحجاب أو النقاب، يعانين عبئاً فريداً قياساً بغيرهن. ولأن مرتديات الحجاب والنقاب رموز مرئية ممثلة لديانتهن فانهن يواجهن خطراً جدياً هو التعرض للتمييز والتحرش والهجوم.

وفقاً لأحد الباحثين أن 69 بالمئة من النساء المسلمات اللائي يرتدين الحجاب قد ابلغن عن حادثة تمييز واحدة ضدهن على الاقل، بينما كانت النسبة بين من لا يرتدين الحجاب هي 29 بالمئة. كذلك سجلت تقارير اصدرتها منظمات غير حكومية تتابع الحوادث ضد المسلمين في انحاء مختلفة من العالم اعداداً قياسية من جرائم الكراهية واحداث العنف التي استهدفت المسلمات. ففي هولندا كانت 90 بالمئة من النساء اللائي ابلغن عن تعرضهن لحوادث من هذا القبيل خلال العام 2015 من المسلمات، وفي فرنسا ذكرت التقارير أن 81 بالمئة من حوادث العنف كانت موجهة الى نساء مسلمات وكذلك اكثر من نصف الحالات التي رصدتها احدى المنظمات غير الحكومية في بريطانيا. وفي كل دراسة من تلك الدراسات كانت النساء اللائي يرتدين رموزاً اسلامية ظاهرة، مثل الحجاب أو النقاب، هن الاكثر عرضة للاستهداف.

هذه ليست ارقاماً مجردة بالنسبة للنساء المسلمات بل هي واقع حياتهن. ففي عطلة نهاية الاسبوع، وبعد ايام فقط من حكاية روتها لي صديقتي ذات الحجاب عن تصدي امرأة لها في المطار بالقول: «عودي الى حيث يلبسون هذه الاشياء» جلسنا معاً نتأمل واقعة اخرى تعرضت فيها امرأتين للهجوم في مدينة نيويورك عندما كانتا تتمشيان ومعهما طفليهما بالعربات. في تلك الواقعة عبّر المهاجم عن مشاعر مشابهة لما سبق إذ شتمهما ثم قال أن عليهما مغادرة اميركا ثم اطاح باحدى العربتين الى الارض وحاول انتزاع حجاب المرأتين.

لقد كان معظم التركيز مؤخراً على فرنسا رغم أن المسلمات في الولايات المتحدة يعانين منذ عقود من حظر ارتداء الحجاب أو النقاب في مواقع العمل والاماكن العامة والمدارس. النساء المسلمات هناك يفصلن من العمل، او قد لا يحصلن على وظائف اصلاً مثلما حدث لـ «سامنثا العوف Samantha Elauf» التي رفعت قضيتها الى المحكمة العليا في الولايات المتحدة وكسبتها ضد شركة «أيبركرومبي وفيتشAbercrombie and Fitch « بسبب رفضهم تعيينها متعللين بالحجاب، وهن يعتقلن بلا سبب كما حدث لاعتماد الماتار التي كانت تحاول اللحاق بالقطار عندما اعثرها احدهم ثم اعتقلت لاحقاً واخضعت لتفتيش دقيق اقتضى منها خلع ملابسها على يد شرطة شيكاغو، أو يحرمن من الوقوف امام القضاء كما حدث في مشيغان عندما مررت المحكمة نظاماً يسمح للقضاة بالبت فيما إذا كان يحق للمنقبات المثول كشاهدات.

رغم ان المسلمين رجالا ونساء يعانون بسبب ذنب مفترض فإن النساء بالذات يواجهن افتراضاً اضافياً هو اعتبارهن ضحايا. فنحن ينظر الينا في وقت واحد على اعتبارنا نمثل ديناً «مرعباً» وكذلك على أننا اهداف سلبية عاجزة امام الهيمنة الذكورية. وضعنا السخيف هذا، بوصفنا المجرم والضحية في آن معاً، لا يجر علينا التمييز والتحرش وجرائم الكراهية فقط بل يشجع البعض على ممارسة سياسة مضحكة بحقنا يزعم أن المقصود منها مساعدتنا بينما هي في واقع الحال راسخة الجذور في النظرة النمطية المتحيزة ضد المسلمين.

لقد استخدم المسؤولون والخبراء الذين تستضيفهم الشاشات هذا التكتيك منذ وقت طويل وهم متنكرون بقناع «حقوق المرأة» من اجل الترويج في الواقع للفكر المعادي للمسلمين. هذا التحيز المموه كان الحجة المحورية التي تذرعت بها البلدات الفرنسية الساحلية الثلاثين في حظرها ارتداء البوركيني، أو ما يسمى رداء البحر الاسلامي. ففي لحظة المعية خرج وزير حقوق المرأة في الحكومة الفرنسية «لورنس روزينول Laurence Rossignol» في اطار دفاعه عن ذلك الحظر بتصريح قال فيه: «البوركيني ليس نمطاً جديداً من ملابس السباحة بل هو نسخة البحر من البرقع لأن الاثنين ينبثقان من المنطق ذاته القائل احجب جسد المرأة كي تحكم سيطرتك عليها.»

المفارقة الساخرة التي غابت عن نظر الوزير هي أن تلك القوانين تحاول فرض ما يدعى أنه يشجبه.

شيء مماثل حدث في الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر عندما اصبحت ابتهاج محمد اول رياضية اميركية تدخل المنافسات وتفوز بمدالية وهي ترتدي الحجاب، فقد حاول مقدم البرامج المعروف «راش لمبوRush Limbaugh « أن ينال من هذه اللحظة التاريخية بالقول: «ما الداعي لكل هذه الحفاوة بامرأة ترتدي شيئاً فرضه عليها دين يتصرّف به الرجال؟ دين يخضع المرأة لعبودية الرجل ويجعل منها تابعاً له.»

تحت ضغط الظرف والنداءات الداعية الى التنبه واخذ الحيطة اخذت النساء المسلمات تتهافتن على اخذ دروس في الدفاع عن النفس، وتأملت بعضهن فكرة خلع الحجاب لحماية عوائلهن، بينما لجأت اخريات الى ارتداء الحجاب طلباً للشعور بالقرب من دينهن وتمسكهن به في هذا الزمن المضطرب. أنا ايضاً كان لي نصيبي من الرعب يوم حاصرني رجل اثناء سيري في احدى الساحات العامة. في البداية تبادل معي عبارات التحية المعتادة ثم اذا به ينتفض مزمجراً دون ادنى تحذير وبلا استفزاز قائلاً: «هل تعلمين ما اسوأ في المسلمين؟»

كان يهز اصبعه بوجهي للتأكيد على كل كلمة من كلماته ويقبض على كتفى كلما حاولت أن اشيح بنظري عنه او اتراجع مبتعدة. من بين صرير اسنانه انهال بالاتهامات على الرجال المسلمين واصفاً اياهم بأنهم مغتصبو نساء وارهابيون والنساء المسلمات بأنهن ضحايا خنوعهن الطوعي. اصغيت اليه بصمت وأنا ادير الحسابات في رأسي، فقد كنت وحيدة في ساحة بحجم حي سكني وهو عدواني لا يمكن التنبؤ بما قد يقدم عليه. كان من الممكن ان يحدث اي شيء.

الطريق امامنا لا يزال طويلا قبل أن نتمكن من الحصول على حقوق متساوية، ولكن ليس الاسلام من يمنعنا بل هما الاجحاف والتمييز المتغلغلان عميقاً في جميع مفاصل حياتنا. وكما أن من عدم الامانة اعتبار أن قيام اربعة من رجال الشرطة باجبار امرأة مسلمة على خلع البوركيني الذي ترتديه وسط شاطئ مزدحم بالناس دلالة على التقدم بحق المرأة فإن من غير الاخلاقي ايضاً ترك التحيز ضد المسلمين يغلق ابواب الفرص بوجوهنا.

التمييز يبقى تمييزاً مهما جاء مموهاً تحت غطاء حقوق المرأة أو متنكراً بزي التسامح الديني.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2