ملف الحقوق والحريات في تركيا والإجراءات القمعية التي يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد الخصوم و المعارضين، لاتزال محط اهتمام واسع خصوصا وان تحركات هذا الرجل الذي استطاع اليوم السيطرة على جميع مؤسسات دولة، اثارت وكما تنقل بعض المصادر ردود افعال محلية ودولية واسعة نددت فيه بالمستوى المتدني الذي وصلت اليه الحريات العامة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، وتتهم الحكومة التركية الموجودة في السلطة منذ العام 2002، بالتسلط والسعي إلى خنق وسائل الإعلام واقصاء الخصوم بذرائع مختلفة، حيث اكدت العديد من التقارير ان تركيا أصبحت دولة أقل ديموقراطيةً، وأكثر عدوانية ضد مواطنيها الكرد والأتراك، وأكثر تشنجآ مع محيطها. وأكبر دليل على ذلك، هو حملة التضييق التي تمارسها الحكومة ضد الصحفيين وطردها للأكادميين من وظائفهم، كل هذا بسبب رفضهم لسياسة أردوغان. وحلت أنقرة في المرتبة 149 ضمن قائمة من 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية التعبير نشرتها منظمة مراسلون بلا حدود.

ويبدو ان اردوغان لن يتوانى عن استخدام مختلف الأساليب من اجل القضاء على الأصوات المنتقدة لطريقة حكمه، ويقول منتقدوه إن هذه الاجراءات تأتي كرد فعل على الفضائح المستمرة التي هزت اركان حكومة اردوغان بعد ان غمرت تسجيلات مزعومة لوزراء ورجال اعمال مقربين من اردوغان مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع تبادل مقاطع الفيديو، ويرى بعض الخبراء ان اردوغان في ظل المتغيرات المهمة التي يشهدها العالم قد اصبح اكثر قوة من قبل، خصوصا وانه سعى الى الاستفادة من بعض الملفات والحصول على تنازلات من بعض الدول ومنها دول أوروبا، التي دخلت مع تركيا في مفاوضات وصفقات مهمة بخصوص ازمة اللاجئين وهو ما عرض الاتحاد الاوربي لانتقادات كثيرة، وقد نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية تقريرًا كشفت في عن سقوط مبادئ الديمقراطية والحريات في أوروبا .

وأوضحت المجلة أن أزمة اللاجئين التى تفاقمت في الفترة الأخيرة كانت السبب الرئيس وراء تخلى الاتحاد الأوروبي عن إحلال الديمقراطية ولجوئها إلى أنقرة لمساعدتها على وقف تدفق مئات الآلاف من اللاجئين. وأضافت المجلة أن مقابل موافقة تركيا على مساعدة الاتحاد الأوروبي لتخطي أزمتها، تغض المؤسسات الديمقراطية في أوروبا الطرف عن السياسات القمعية التى يرتكبها أردوغان في بلاده والاعتقالات الوحشية للمعارضين ودعم سلطاته، ولن يكفي الاتحاد تقديم المساعدات المالية لاردوغان، بل أنه يقدم الوعود المستقبلية بعضوية لتركيا في الاتحاد الأوروبي. وقالت المجلة إن زعماء الاتحاد الأوروبي على استعداد لتقديم تنازلات بشأن مبادئ الديمقراطية من أجل اغلاق الباب أمام المهاجرين بمساعدة تركيا من خلال صفقة تتم فيما بينهم، و لن تحقق هدف القضاء على الأزمة، رغم ازدراء أنقرة للمعايير الديمقراطية الأوروبية.

استعراض القوة

في ما يخص اخر تطورات هذا الملف استاء الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لحضور دبلوماسيين اجانب محاكمة صحافيين تركيين معارضين في اسطنبول، متهمين بالتجسس ومحاولة انقلاب، في ملف يعتبر اختبارا لحرية الصحافة في هذا البلد. وقال اردوغان في خطاب متلفز في اسطنبول "من انتم؟ ماذا تفعلون هنا؟" متهما الدبلوماسيين بالقيام ب"استعراض قوة". واضاف "لستم في بلادكم، انتم في تركيا" مؤكدا انهم يستطيعون التصرف ضمن قنصلياتهم. وتابع "في اي مكان اخر فان طلب الاذن ضروري".

ورافق حوالى 200 شخص من زملاء ونواب معارضة ومواطنين عاديين، رئيس تحرير صحيفة "جمهورييت" جان دوندار ومدير مكتبها في انقرة اردم غول الى قصر العدل في اسطنبول. وحضر الجلسة ايضا عدد من الدبلوماسيين الاوروبيين بينهم القنصل العام الفرنسية والسفير الالماني في انقرة. والصحافيان معارضان شرسان للحكومة منذ وقت طويل، وقد يتعرضان لعقوبة السجن المؤبد بعد نشرهما مقالا مسندا بصور وفيديو عن اعتراض قوات الأمن شاحنات عائدة لجهاز الاستخبارات التركي تنقل أسلحة لمقاتلين اسلاميين في سوريا في كانون الثاني/يناير 2014.

واثار المقال غضب اردوغان الذي نفى باستمرار دعمه لحركات اسلامية سورية متطرفة مناهضة للنظام. وتوعد اردوغان بلهجة غاضبة قائلا "ان من نشر هذه المعلومة سيدفع ثمنا غاليا، لن ادعه يفلت" من العقاب. وفور بدء المرافعات قررت المحكمة بامر من المدعي العام مواصلتها في جلسة مغلقة لاسباب تتعلق ب"الامن القومي" ما اثار غضب الحاضرين. ومع معاودة الجلسة حمل رفض عدد من نواب المعارضة مغادرة قاعة المحكمة، رئيسها على تأجيلها حتى الاول من نيسان/ابريل.

كما وجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتقادات لاذعة إلى المحكمة الدستورية التي قضت بإطلاق سراح صحافيين معارضين، مهددا بإلغائها في حال أعادت الكرة. وقال أردوغان في خطاب في بوردور (جنوب غرب) ونقلته القنوات التلفزيونية "آمل ألا تعيد المحكمة الدستورية الكرة بطريقة من شأنها أن تضع مسألة وجودها وشرعيتها على المحك". وأفرج عن رئيس تحرير صحيفة "جمهورييت" جان دوندار ومدير مكتب الصحيفة في أنقرة أردم غول، المعارضين اللدودين للحكومة التركية، بعد 92 يوما من احتجازهما احتياطيا، تنفيذا لقرار المحكمة الدستورية.

ويتهم الرجلان اللذان حظيا بدعم كبير في تركيا ودول العالم، بالتجسس وفضح اسرار الدولة والسعي إلى قلب نظام الحكم، بعد نشرهما مقالا وشريط فيديو التقط على الحدود السورية في كانون الثاني/يناير 2014 يظهر اعتراض قوات الأمن التركية لشاحنات عائدة لجهاز الاستخبارات التركي تنقل أسلحة لمقاتلين اسلاميين في سوريا. بحسب فرانس برس.

وكان أردوغان، الذي تقدم شخصيا بدعوى ضد الصحافيين، ندد بقرار المحكمة الدستورية، مؤكدا أنه "لا يكن احتراما" لقرارها. وتعتبر المحكمة الدستورية احدى المؤسسات النادرة التي لا يسيطر عليها اردوغان، اذ ان غالبية اعضائها عينوا قبل تسلمه الرئاسة عام 2014. والغت هذه المحكمة مرارا قوانين اقرتها الحكومة الاسلامية المحافظة لعدم انسجامها مع الدستور.

اعتقالات بتهم واهية

الى جانب ذلك اعتقلت السلطات التركية ثلاثة أكاديميين بتهم "الدعاية لإرهابيين" بعد أن قرأوا على الملأ إعلانا يجدد دعوة إلى إنهاء العمليات الأمنية في جنوب شرق تركيا الذي تسكنه أغلبية كردية. وإحتجزت الشرطة أيضا مواطنا بريطانيا أمام المحكمة التي أمرت بالقبض على الأكاديميين بعد أن عثرت معه على منشورات طبعها حزب الشعوب الديمقراطي الذي له جذور كردية وهو من الأحزاب الممثلة في البرلمان.

وتلقي الحكومة بالمسؤولية على حزب العمال الكردستاني في تفجير سيارة ملغومة في العاصمة أنقرة يوم الأحد أودى بحياة 37 شخصا. وربطت السلطات ايضا بين الحزب -الذي يشن تمردا مسلحا منذ عقود- بتفجير آخر في أنقرة في فبراير شباط أوقع 29 قتيلا. ووقع أكثر من ألفي أكاديمي إلتماسا في يناير كانون الثاني الماضي ينتقد إجراءات للجيش في جنوب شرق تركيا بما في ذلك فرض حظر على التجول بهدف إجتثاث مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين يتحصنون في مناطق سكنية في مدن جنوب شرق تركيا.

وقتل مئات من المدنيين وقوات الأمن والمقاتلين الأكراد منذ إشتعل الصراع مع حزب العمال الكردستاني من جديد في يوليو تموز في أسوأ موجة عنف شهدتها تركيا في 20 عاما. وأثار الالتماس غضب الرئيس طيب إردوغان الذي قال إن الأكاديميين سيدفعون ثمن "خيانتهم". وقال محامون إن إسراء مونكان ومظفر كايا وكيفانج إرسوي إحتجزوا بعد أن عقدوا مؤتمرا صحفيا في العاشر من مارس آذار وإنتقدوا الضغوط التي واجهها الموقعون على البيان والتي شملت إقالة العشرات من وظائفهم في الجامعات.

وإعتقل كريس ستيفنسون -وهو مواطن بريطاني يقوم بالتدريس في جامعة بيلكي- أمام محكمة إسطنبول حيث حضر لتأييد الأساتذة الثلاثة. وكتب على صفحته على فيسبوك "وجه إلي اتهام أنه كان لدي في حقيبتي عدة دعوات للاحتفال بالسنة الكردية الجديدة (التي يحتفل بها يوم 21 مارس) أصدرها حزب الشعوب الديمقراطي - ثالث أكبر حزب في البرلمان التركي." وأضاف أنه سيحتجز الليلة." بحسب رويترز.

وقال إردوغان إن من الضروري توسيع تعريف الإرهابيين ليشمل مؤيديهم من المشرعين أو الاكاديميين أو الصحفيين أو قادة المجتمع المدني. وإتهم إردوغان في السابق حزب الشعوب الديمقراطي بأنه إمتداد لحزب العمال الكردستاني مطالبا باتخاذ إجراء قانوني ضد مشرعين. وحزب العمال الكردستاني مصنف كمنظمة إرهابية في كل من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.

الاعلام بيد السلطة

من جانب اخر قالت وكالة الأنباء التركية (جيهان) في بيان إن السلطات التركية فرضت الوصاية القضائية عليها وذلك في خطوة توسع من نطاق حملة على مؤيدي رجل الدين فتح الله كولن خصم الرئيس رجب طيب إردوغان. وذكرت الوكالة على موقعها الإلكتروني أن محكمة في اسطنبول ستعين وصيا قضائيا عليها بناء على طلب من ممثل للنائب العام وذلك بعد أيام من اتخاذ نفس الخطوة مع صحيفة (زمان) أوسع الصحف التركية انتشارا والمرتبطة أيضا بكولن المقيم بالولايات المتحدة.

وأثارت تلك الخطوة قلقا دوليا إزاء حرية الصحافة في تركيا ونوقشت في قمة عقدها الاتحاد الأوروبي مع أنقرة لبحث أزمة الهجرة. وقال وزير الخارجية الفرنسي إن قرار إخضاع (زمان) للوصاية القضائية "غير مقبول" ويتعارض مع القيم الأوروبية. ويتهم إردوغان خصمه كولن بالتآمر للإطاحة بالحكومة من خلال بناء شبكة من المؤيدين له في القضاء والشرطة والإعلام وهو ما ينفيه كولن. بحسب رويترز.

وكان الرجلان حليفين إلى أن فتحت الشرطة وممثلون للنيابة ينظر إليهم على أنهم متعاطفون مع كولن تحقيقا يتعلق بالفساد في الدائرة المقربة من إردوغان عام 2013. كما أغلقت السلطات وكالات إعلام صودرت العام الماضي من شركة كوزا إيبيك القابضة وهي مجموعة مرتبطة بكولن أيضا.

على صعيد متصل قال رئيس تحرير صحيفة "زمان ألمانيا" إن صحيفة "زمان" أوسع الصحف انتشارا في تركيا تعتزم مواصلة النشر كصحيفة يومية معارضة في ألمانيا بعد سيطرة الحكومة عليها داخل تركيا. وفرضت الحكومة التركية السيطرة على الصحيفة في إطار حملة موسعة ضد أنصار رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله كولن أحد أشد خصوم الرئيس التركي طيب إردوغان. وارتبط اسم الصحيفة بكولن.

وقال رئيس تحرير زمان ألمانيا سليمان باج " سنصدر طبعة من زمان لا علاقة لها بزمان هناك (في تركيا) لأن الحكومة سيطرت عليها بالقوة." وحملت نسخة من زمان ألمانيا العنوان "إلغاء الدستور" على صدر صفحتها الأولى التي غطاها اللون الأسود. ويتناقض هذا مع زمان التركية التي توقفت عن انتقاد الحكومة ونشرت قصصا تمتدح إردوغان. وقال باج "سنطبع صحيفة مستقلة. لم نتطرق بعد لمسألة كيف نقوم بذلك. هذا تحد جديد لنا." ووصل عدد المشتركين في النسخة المطبوعة من زمان ألمانيا إلى 14300 شخصا. ويقيم في ألمانيا ثلاثة ملايين شخص من أصل تركي.

امريكا والاتحاد الأوروبي

في السياق ذاته دعا البيت الابيض الحكومة التركية الى احترام القيم الديموقراطية، مشيرا الى الانتهاكات الاخيرة لحرية الصحافة وابرزها وضع السلطات يدها على صحيفة "زمان" المعارضة التي تنتقد بشدة الرئيس رجب طيب اردوغان. وقال المتحدث باسم البيت الابيض جوش ايرنست "نحض السلطات التركية على ضمان التزام افعالهم بالقيم الديموقراطية العالمية المدرجة في الدستور التركي، ومن ضمنها حرية التعبير وحرية التجمع وحرية الصحافة".

واضاف ان الولايات المتحدة "لا تزال قلقة لاستخدام اوصياء تعينهم الحكومة التركية لغلق او للتدخل في الخط التحريري لوسائل الاعلام التي تكون احيانا منتقدة لحكومة" انقرة. ودعت واشنطن السلطات التركية بالخصوص الى "ضمان المساواة في المعاملة امام القانون" مؤكدة انه "في المجتمع الديمقراطي يتعين تشجيع الافكار النقدية وليس حجبها". وتتهم السلطات التركية بانحراف استبدادي وخصوصا بمضايقة الصحافة التي تنتقدها وبينها صحيفة "زمان" اليومية التي وضعت تحت الوصاية مؤخرا. بحسب فرانس برس.

واعلنت مجلة دير شبيغل الالمانية ان مراسلها اجبر على مغادرة تركيا بعد عدم تجديد بطاقة اعتمادة واقامته. ونددت بقرار يشكل مساسا ب "حرية الصحافة". وبحسب مصادر دبلوماسية في تركيا رفض مكتب رئيس الوزراء احمد داود اوغلو تجديد البطاقات الصحافية لعشرين صحافيا المانيا معتمدا في تركيا. من جهة اخرى عبر الاتحاد الأوروبي عن قلقه إزاء الأحداث التي شهدتها إسطنبول عندما استخدمت الشرطة الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق متظاهرين تجمعوا أمام مبنى صحيفة "زمان" المعارضة التي تعرضت للدهم ووضعت تحت الحراسة القضائية. وعبر المفوض الأوروبي لشؤون التوسيع يوهانس هان عن "قلق بالغ إزاء التطورات الأخيرة في محيط صحيفة زمان، الأمر الذي يهدد التقدم الذي أحرزته تركيا في مجالات أخرى".

وأضاف "سنتابع عن كثب ما يحدث. وعلى تركيا، المرشحة للانضمام (إلى الاتحاد الأوروبي)، أن تحترم حرية الصحافة. الحقوق الأساسية غير قابلة للتفاوض". واستخدمت الشرطة كميات كبيرة من الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي لتفريق التظاهرة غداة قرار القضاء وضع الصحيفة تحت الحراسة القضائية في آخر مثال على الحملة المتنامية التي تستهدف وسائل الإعلام التركية.

وهتفت مجموعة من المتظاهرين أمام مبنى صحيفة "زمان" المعارضة بشدة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان "لا يمكن إسكات حرية الصحافة". كما أعلن المكتب الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي في بيان أن "الاتحاد الأوروبي شدد مرارا على أن على تركيا وبوصفها دولة مرشحة (للانضمام إلى الاتحاد) أن تحترم وتعمل على نشر المعايير والممارسات الديموقراطية العليا بما فيها حرية الإعلام".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2