تعاني الأقليّات المُسلمة في الولايات المتحدة الامريكية كغيرها من البلدان الاخرى من مشكلات كثيرة، اثرت سلبا على حياة اغلب المسلمين في هذه البلد، وقد اكدت بعض التقارير أن المسلمين باتوا تحت نيران التهديد بفعل تعاظم تأثير الأحزاب والشخصيات المعادية للاسلام حيث سعت الى الاستفادة من بعض الاحداث والعمليات الاجرامية، التي قامت بها التنظيمات الارهابية المتطرفة في العديد من دول العالم، كشف هذه التقارير وكما تنقل بعض المصادر، عن تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا والحوادث المعادية للمسلمين المرتبطة بها في العالم. وكان العامل الرئيسي الذي أسهم في هذا الاتجاه ما يسمى بتنظيم داعش، وقد اصبح الخوف من الإسلام بصفته إيديولوجية من اهم المواضيع المتداولة في جميع الندوات والخطابات العامة بالولايات المتحدة، وخاصة في وسائل الإعلام التي انتهجت سياسة عدوانية تحريضية ضد المسلمين من خلال تصويرهم على أنهم بمجموعهم إرهابيون محتملون أو أنهم خلايا إرهابية نائمة وما شابه ذلك مما ساهم فى إنتاج صورة نمطية سيئة عن المسلمين بشكل عام.

وفى مقال كتبته لشبكة «سي إن إن»، في وقت سابق قالت الناشطة ليندا صرصور، المدير التنفيذى لرابطة الأمريكيين العرب بنيويورك، إن التمييز ضد مسلمى أمريكا أصبح أسوأ مما حصل للسود، موضحة أن العنصرية ضد السود فى الولايات المتحدة مختلفة تماماً عن التعصب ضد المسلمين، فالحديث أو إظهار العنصرية ضد السود مرفوض علناً فى الولايات المتحدة حتى إن وجد فى الخفاء، لكن للأسف التعصب ضد الإسلام مقبول تماماً، وروجت له وسائل الإعلام عبر تصريحات مرشحين الرئاسة الأمريكية، التى تحمل بعضها كراهية للإسلام والمسلمين.

وبحسب صرصور، فإن مصطلح «الإرهاب» أصبح مرادفاً للعرب والمسلمين فى الولايات المتحدة الأمريكية، وبدا ذلك بوضوح فى الرسالة التى تركت إلى جانب شيماء العوضى، السيدة العراقية المسلمة التى وجدت غارقة فى دمائها، فى ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وبجوارها رسالة كتب فيها «عودى إلى بلدك، أنتِ إرهابية». وبالرغم من أن السلطات التى تتولى التحقيق فى القضية قالت إنها لا تستبعد وجود شبة جريمة كراهية فى القضية، لكنها أيضاً أكدت أنه حادث عرضى فردى.

كما كشفت وسائل الإعلام الأمريكية عن قيام شرطة ولاية نيويورك بعد أحداث 11 سبتمبر باستحداث فرقة تدعى «شعبة السكان» لمراقبة جميع أعمال وأقوال المسلمين. وتحدثت تقارير صحفية عن قيام جهاز الاستخبارات الأمريكية بالتجسس على الحياة اليومية للمسلمين فى المنازل ومراكز العمل والمدارس والجامعات المساجد والمطاعم والمكتبات والحانات وجمع معلومات حول الدعاة المسلمين فى نيويورك والخطب التى يلقونها بالمساجد، إلى جانب معلومات حول السائقين المسلمين العاملين لدى شركات سيارات الأجرة، وصولا إلى المسلمين العاملين فى بيع الخضار بالعربات الصغيرة. وأثارت حقيقة وجود قسم يراقب الناس بسبب انتماءاتهم العرقية أو الدينية احتجاجا كبيرا من جانب منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان التى رأت فى ذلك نوعا من التمييز ومخالفة للدستور الأمريكىن الامر الذي دفع السلطات الامريكية الى استخدام اسلوب مضاد من اجل تغير الصورة الحالية لامريكا التي ترفع شعارات الحرية والدفاع عن حقوق الانسان.

خطابات ترامب

في هذا الشأن ندد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي زار للمرة الأولى منذ توليه منصبه مسجدا في الولايات المتحدة، بالخطاب "غير المبرر" لبعض السياسيين بحق المسلمين، في إشارة إلى تصريحات المرشحين الجمهوريين دونالد ترامب وبن كارسون. وقام الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأول زيارة له إلى مسجد في الولايات المتحدة، وتحديدا إلى مسجد في بالتيمور في ولاية ميريلاند (شمال شرق)، في خطوة تهدف إلى الدفاع عن حرية المعتقد الديني وللتنديد بخطاب بعض قادة الجمهوريين المناهض للمسلمين.

وندد باراك أوباما من المسجد، بالخطاب "البغيض" الذي يستهدف المسلمين، مؤكدا أن "الإسلام لطالما كان جزءا من الولايات المتحدة". وقال الرئيس الأمريكي في خطابه أمام أفراد المجموعة الإسلامية في بالتيمور "منذ 11 أيلول/سبتمبر، ومنذ اعتداءات باريس وسان برناردينو في الآونة الأخيرة، شاهدتم أناسا يخلطون بين الأعمال الإرهابية الفظيعة وديانة بمجملها". وأضاف "سمعنا في الآونة الأخيرة خطابا غير مبرر ضد المسلمين الأمريكيين، تصريحات لا مكان لها في بلادنا".

ورأى أوباما أن التهجم على ديانة ما هو تهجم "على كل الديانات"، مذكرا بأن الكاثوليك واليهود كانوا أيضا عرضة للتهجم في التاريخ الأمريكي. وفي إشارته إلى ضرورة عدم الخلط بين "جزء صغير من المسلمين ينشر رؤية منحرفة للإسلام" و"غالبية كبرى من مسلمي العالم الذين يرون في دينهم مصدرا للسلام"، دعا هؤلاء إلى التنديد بشدة بهذا الإنحراف عن الدين. وأدلى مرشحان جمهوريان للبيت الأبيض بمواقف ضد المسلمين. فقد أكد كل من دونالد ترامب وبن كارسون في تشرين الثاني/نوفمبر أنه شاهد صورا لمسلمين يحتفلون في الولايات المتحدة باعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك، الأمر الذي سبق نفيه مرارا.

كذلك، اعتبر كارسون في أيلول/سبتمبر انه ممنوع على أي مسلم أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة، لافتا إلى أن الإسلام لا ينسجم مع الدستور الأمريكي. وذهب ترامب إلى حد المطالبة بمنع المسلمين مؤقتا من دخول الولايات المتحدة لتجنب خطر تسلل جهاديين إلى الأراضي الأمريكية. ورأى أوباما أن التهجم على ديانة ما هو تهجم "على كل الديانات". وتأتي هذه الزيارة التي ترتدي طابعا رمزيا كبيرا بعد أكثر من ستة أعوام على خطاب أوباما في القاهرة في حزيران/يونيو 2009 والذي دعا فيه إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. وبحسب مركز بيو للأبحاث فإن حوالى 3,3 مليون مسلم يقيمون في الولايات المتحدة ويشكلون حوالى 1% من إجمالي السكان.

الى جانب ذلك قالت وزارة الخارجية الاميركية ان الخطاب المناهض للمسلمين في الولايات المتحدة خلال الحملة الرئاسية يغذي الدعاية التي تقوم بها المجموعات الاسلامية المتطرفة، وذلك بعد دعوة المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب الى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة. وحرص المتحدث باسم وزارة الخارجية جون كيربي على عدم تسمية ترامب لكنه اشار الى تسجيل فيديو استخدمه اسلاميون صوماليون مستندين الى تصريحات لترامب الذي تضمن الفيديو لقطات له.

وقال كيربي ان "استخدام مجموعة متطرفة لتعليقات ادلى بها احد المرشحين يثبت تماما وجهة نظري". واستخدمت حركة الشباب الاسلامية المتطرفة، مقاطع من خطاب كان يلقيه ترامب في كانون الاول/ديسمبر الماضي بعد مقتل 14 شخصا في هجوم في كاليفورنيا. واقترح ترامب في هذا الخطاب منع المسلمين بشكل كامل من دخول الولايات المتحدة الى ان تصبح السلطات الاميركية "قادرة على تحديد المشكلة وفهمها". ودعت حركة الشباب الصومالية في التسجيل الذي يهدف الى جذب مقاتلين جدد، المسلمين الاميركيين الى "الهرب من المناخ المعادي للغرب والتوجه الى ارض الاسلام".بحسب فرانس برس.

وشدد كيربي على انه لا يريد التدخل في الجدل في الحملة الانتخابية لكنه قال ان وزير الخارجية جون كيري حذر من الخطاب الضار اصلا. وقال كيربي للصحافيين "لن اتحدث عن خطاب محدد لمرشحين محددين". واضاف "لكن وزير الخارجية كان واضحا بقوله انه "لا يوجد -- ولا يجوز ان يكون هناك -- امتحان ديني هنا في الولايات المتحدة وكل تعليق مخالف لهذا الامر يمكن ان يعتبره المتطرفون بانه يصب في مصلحتهم وبسببه يجب ان ينضم اليهم الناس". وتابع "بالتأكيد هذا بلد حرية والناس يستطيعون قول ما يشاؤون فيه لكن يجب ان يتنبهوا الى الطريقة التي ينظر فيها الى هذه التعليقات".

مراقبة المسلمين

في السياق ذاته اعلنت شرطة نيويورك عن سلسلة اصلاحات تضع حدا لدعويين مدعومتين من منظمات للدفاع عن الحقوق المدنية اتهمتاها بفرض مراقبة غير مبررة على المسلمين في سياق مكافحة الارهاب. وتدخل هذه الاصلاحات في سياق اتفاق تم التفاوض بشانه لاكثر من عام مع المدعين الذين اثنوا عليها معتبرين ان هذا التحرك من قبل اكبر قوات شرطة في البلاد يوجه رسالة قوية في ظل تنامي مشاعر العداء للمسلمين.

واتهم المدعون شرطة نيويورك باستهداف المسلمين بناء على ديانتهم مؤكدين انها تفرض مراقبة على نشاطات سياسية ودينية مشروعة بدون الحصول على اذن لذلك منذ اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2001. ولا يزال يتحتم ان تحصل شروط التسوية على موافقة قاض فدرالي. وكانت شكوى قدمت عام 2013 تتهم شرطة نيويورك بوصم مسلمي المدينة من خلال فرض "مراقبة طاغية" على المساجد والمدارس وغيرها من المؤسسات او الهيئات المسلمة.

كما اتهمت شرطة نيويورك بنشر عناصر باللباس المدني ومخبرين "لاختراق" المساجد والتنصت على احاديث المصلين ورجال الدين، قبل ان يتم تسجيل هذه المعلومات في قاعدات بيانات وذلك في انتهاك للحقوق الدستورية. ولم تعترف مدينة نيويورك باي ممارسات مخالفة للقانون في سياق هذا الاتفاق الذي لا يحظر اي ممارسات تحديدا غير انه ينص على ان يتلقى شرطيو نيويورك "تعليمات اضافية". وسيتم بناء على الاتفاق تفصيل التعليمات المعروفة بتعليمات "هاندشو" التي تطبق في التحقيقات في قضايا ارهابية ولم تتم مراجعتها منذ العام 2003.

وسيتم خصوصا توضيح الشروط لفتح تحقيق اولي، كما ان مدة هذه التحقيقات التي كانت حتى الان غير محدودة زمنيا، لن تتخطى اعتبارا من الان 18 شهرا. امام التحقيقات الكاملة فستحدد مدتها بثلاث سنوات مع امكانية تمديدها لخمس سنوات بالنسبة للتحقيقات في قضايا الارهاب. كما يعين رئيس البلدية بالتشاور مع قائد الشرطة محاميا مستقلا سيشارك في لجنة استشارية تابعة للشرطة وسيتم ابلاغه بفتح تحقيقات ارهابية واغلاقها بهدف ضمان "الشفافية".

ووصف الاتحاد الاميركي للحقوق المدنية الذي ساند احدى الدعويين الاتفاق بانه "حاسم" وقالت هينة شمسي مديرة مسائل الامن القومي في المنظمة انه ينص على "قيود ضرورية جدا للتصدي للمراقبة التمييزية وغير المبررة للمسلمين". واعتبرت انه "في زمن من الهستيريا المتفشية والافكار المسبقة ضد المسلمين في جميع انحاء البلاد، فان هذا الاتفاق مع اكبر قوة شرطة في البلاد يوجه رسالة قوية". وقالت ان المحامي المستقل الذي سيتم تعيينه لخمس سنوات على اقل تقدير سيتثبت من "اتخاذ جميع تدابير الحيطة واحترامها" مشيرة الى ان مراقبة الشرطة للمسلمين اوجدت اجواء من الخوف والريبة. بحسب فرانس برس.

من جهتها اعلنت مدينة نيويورك ان هذا الاتفاق لن يضعف قدرتها على التحقيق وتدارك الانشطة الارهابية. وقال رئيس البلدية بيل دي برازيو ان "مسلمي نيويورك شركاء مهمون في مكافحة الارهاب وهذا الاتفاق بالتفاوض هو خطوة اضافية مهمة على طريق بناء علاقاتنا مع مجموعة المسلمين". من جهته اعلن قائد الشرطة بيل براتون انها "الخطوة الاخيرة في جهودنا المتواصلة لبناء الثقة والحفاظ عليها مع مجموعة مسلمي المدينة وجميع النيويوركيين". كما سيترتب على مدينة نيويورك تسديد نفقات محامي المدعين البالغة حوالى 1,6 مليون دولار.

عداء مستمر

على صعيد متصل أصدرت كلية ويتون الإنجيلية قرب مدينة شيكاجو الأمريكية بيانا أعلنت فيه أن لاريشا هوكنز أستاذة العلوم السياسية بالكلية ستترك الكلية بعد أن واجهت مشكلات عقب قولها إن المسلمين والمسيحيين يعبدون نفس الإله. وكان من المفترض أن تمثل لاريشا هوكنز أمام لجنة تأديبية لتحديد ما إذا كانت ستغادر أو سيُسمح لها بالبقاء في كلية ويتون. وجاء في بيان مشترك عن ويتون وهوكنز أنهما "توصلا إلى تسوية" وأن الطرفين "سيفترقان" بعد التوصل إلى اتفاق لم يتم الكشف عن بنوده.

وبدأ الجدال عندما كتبت هوكنز في صحفتها على فيسبوك أنها سترتدي الحجاب خلال الشهر الذي يسبق حلول عيد الميلاد تضامنا مع المسلمين. وأضافت "نحن نعبد الإله ذاته." وتلقت هوكنز انتقادات على ما كتبته وسط جدل أوسع حيال دور المسلمين في الولايات المتحدة وأسلوب التعامل معهم في أعقاب عملية قتل جماعية في نوفمبر تشرين الثاني في سان برناردينو بولاية كاليفورنيا قالت السلطات الأمريكية إنها مستوحاة من عقيدة تنظيم داعش. بحسب رويترز.

ونتيجة لهذه الكتابات أعطت كلية ويتون الاستاذة هوكنز إجازة إدارية وأوصى مدير الكلية بطردها. وكانت الكلية أوضحت في وقت سابق أن هوكنز أحيلت إلى لجنة تأديبية ليس لأنها أرادت وضع الحجاب بل لأن "تصريحاتها اللاهوتية تبدو متعارضة مع المعتقدات المذهبية لويتون." وقالت هوكنز في البيان "أنا أقدر وأحترم بشدة الفنون الليبرالية المسيحية والطرق التي تبث فيها ويتون ذلك عبر رسالتها وبرامجها وعبر مستوى موظفيها وطلابها." وقال رئيس الكلية فيليب رايكن إن الكلية "تقدر بصدق إسهامات د.هوكنز في هذه المؤسسة على مدى السنوات التسع الماضية." وعبر كثيرون من أعضاء الكلية عن تأييدهم لهوكنز.

من جهة اخرى اعترف أمريكي أمام محكمة في فلوريدا في جنوب شرق الولايات المتحدة بأنه هدد بمهاجمة مسجدين بقنابل حارقة وبقتل المصلين فيهما إثر الاعتداءات الجهادية التي أدمت باريس في تشرين الثاني/نوفمبر، كما أعلنت وزارة العدل. وقالت الوزارة في بيان إن آلن مارتن شنيتزلر (43 عاما) اعترف أمام المحكمة بأنه مذنب بتهمة "إعاقة حرية ممارسة المعتقدات الدينية"، وهي جريمة في الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن المتهم يواجه عقوبة تصل إلى السجن لمدة 20 عاما.

وأوضح البيان أن المتهم قال إن الاعتداءات الجهادية التي أوقعت 130 قتيلا ومئات الجرحى في باريس في 13 تشرين الثاني/نوفمبر كانت الدافع وراء اتصاله بالمسجدين الواقعين في مقاطعة بينيلاس في فلوريدا وإرساله رسائل تهديد إليهما. وفي إحدى رسائله التهديدية قال المتهم إنه سيتوجه إلى المسجد برفقة مجموعة من الأشخاص "لإلقاء قنابل حارقة عليكم وقتل كل من هو موجود هناك (برصاصة) في الرأس".

ولم تجد الشرطة عناء في تعقب مصدر هذه التهديدات، ذلك أن شنيتزلر استخدم هاتفه ولم يخف هويته لا بل أنه عرف عن نفسه باسمه الحقيقي عند توجيهه التهديدات. وقال الادعاء العام في البيان إن "الحق في ممارسة المرء لديانته، بلا تهديد أو ترهيب، هو أحد المبادئ الجوهرية التي قامت عليها أمتنا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0