تواجه بريطانيا كغيرها من الدول الاخرى جملة من المشكلات والازمات المتفاقمة التي تخص قضية المهاجرين غير الشرعين التي اصبحت من اهم المشكلات في الاتحاد الاوربي كما يقول بعض المراقبين، الذين اكدوا على ان أعداد المهاجرين في بريطانيا قد ارتفعت بنسبة كبيرة خلافا لما وعد به رئيس الوزراء ديفيد كاميرون قبل 4 سنوات. ووفقا للإحصاءات الرسمية التي نشرتها وزارة الداخلية البريطانية ونقلتها بعض المصادر، فإن عدد المهاجرين الذين دخلوا بريطانيا خلال عام وصل إلى 323 ألف مهاجر، مما يزيد الضغوط على رئيس الوزراء ديفيد كاميرون قبل التصويت على عضوية بريطانيا بالاتحاد الأوروبي المقرر في يونيو.

وقال المكتب الوطني للإحصاء إن العدد يزيد 31 ألفا عنه خلال الاثني عشر شهرا السابقة. وتعهد كاميرون في 2010 بخفض عدد المهاجرين الذين يصلون سنويا إلى أقل من 100 ألف مهاجر. وأضاف المكتب أن إجمالي عدد المهاجرين من مواطني الاتحاد الأوروبي بلغ 172 ألفا في الاثني عشر شهرا حتى سبتمبر ارتفاعا من 158 ألفا في العام السابق. وناقش كاميرون اتفاقا للحد من مدفوعات الرعاية الاجتماعية لمهاجري الاتحاد الأوروبي، يقول إنه يعالج القلق العام من مستويات الهجرة.

هذه المشكلة دفعت بعض الحكومات بما فيها الحكومة البريطانية الى اعتماد اجراءات وقوانين مشددة اسهمت بتفاقم معاناة المهاجرين، كما انها اسهمت ايضا بحدوث ازمات وخلافات كبيرة بين دول الاتحاد الاوربي، وترى بريطانيا أن قوانين الاتحاد الأوروبي هي السبب في تدفق المهاجرين إليها, هؤلاء الذين أثروا على مستوى المعيشة والنسيج الاجتماعي، وهم يشكلون عبئاً مادياً على الخدمات العامة كالتعليم والصحة لتبلغ قيمته (3,67) مليار جنيه إسترليني سنوياً. وقد طالبت بريطانيا بوضع آليه للتحكم في حركة المهاجرين الوافدين إليها من بلدان أوروبا، وبحسب بعض المراقبين فان هذه النقطة تعد واحدة من اهم النقاط في ورقة التفاوض البريطانية الخاصة ببقائها في عضوية الاتحاد الاوربي الذي قدم الكثير من التنازلات لإقناع البريطانيين بعدم مغادرة الاتحاد الأوروبي.

وفيما يخص اخر تطورات هذه القضية فقد، قال وزير الاقتصاد الفرنسي إيمانويل ماكرون إذا تركت بريطانيا الاتحاد الأوروبي في استفتاء مقرر في يونيو حزيران ستسمح فرنسا بانتقال المهاجرين إليها عن طريق إنهاء الرقابة على الحدود وستستقبل بحفاوة المصرفيين الفارين من لندن. وقال ماكرون لصحيفة فاينانشال تايمز"في اليوم الذي تنفصم فيه هذه العلاقة لن يبقى المهاجرون في كاليه. وأضاف ماكرون أن عوائق قد تظهر أمام حركة التجارة البينية كذلك كما سينتهي العمل باتفاق يسمح لبريطانيا بإجراء مراقبة للحدود تمكنها من إبقاء المهاجرين غير المرغوب فيهم على الجانب الفرنسي من القنال الانجليزي. ويصل المهاجرون منذ سنوات إلى منطقة كاليه حيث يأملون اجتياز بحر المانش للوصول إلى بريطانيا. وقد زادت أزمة الهجرة الأخيرة من عددهم حتى وإن بقيت فرنسا مع ذلك بعيدة عن التدفق الكثيف للمهاجرين.

لندن تحذر

في السياق ذاته حذرت الحكومة البريطانية من ان خروج البلاد من الاتحاد الاوروبي قد يعني وصول الاف المهاجرين الى الشواطئ البريطانية. وقال المتحدث باسم رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ان "الخروج من الاتحاد الاوروبي" قد يقوض الاتفاق الثنائي بين فرنسا وبريطانيا والذي يسمح لبريطانيا بتنفيذ عمليات ضبط حدودية على الاراضي الفرنسية ووقف العديد من المهاجرين. وصرح المتحدث للصحافيين "اذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، فلا ضمانة لبقاء هذه الضوابط".

واضاف "وفي حال اختفت هذه الضوابط، لن يوقف شيء الاف الناس من عبور القنال ليلا والوصول الى كنت (جنوب شرق انكلترا) وطلب اللجوء". وابرمت معاهدة لو توكيه في 2003 في اعقاب سلسلة من اعمال الشغب في مخيم ساناغات للمهاجرين قرب كاليه حيث يتجمع الراغبون بالعبور الى بريطانيا. وتسمح المعاهدة بفرض الضوابط البريطانية والفرنسية المشتركة في موانئ القنال في فرنسا ما يخفف الضغوط على قوة الحدود البريطانية التي يتسبب بها الاف المهاجرين من ساناغات الذين يحاولون يوميا الوصول على متن قطارات نفق القنال. ويعتقد العديدون في شمال فرنسا ان وقف العمل بالمعاهدة في فرنسا سينهي مخيمات اللاجئين المثيرة للجدل ويخفف العبء عن الشرطة الفرنسية.

اقتحام ميناء كاليه

في السياق ذاته اقتحم قرابة 200 مهاجر ميناء كاليه شمال فرنسا عقب مظاهرة مساندة للمهاجرين الذين يقيمون في ظروف قاسية في منطقة عشوائية قرب كاليه. وذكر مصدر فرنسي حكومي أن حوالي 50 شخصا من بين المقتحمين تمكنوا من صعود عبارة بريطانية كانت راسية في الميناء، وأن بعضهم غادر العبارة طواعية. وقال دينيس جودين، نائب حاكم منطقة كاليه، "تجمع نحو ألفي شخص في مظاهرة في كاليه.. وفي النهاية دخل نحو 200 منهم الميناء وصعد 50 تقريبا إلى سطح العبارة (سبيريت أوف بريتين)." وتعمل هذه العبارة بين طرفي القنال الإنكليزي. وقال جودين إن بعض اللاجئين قرروا مغادرة العبارة طواعية بينما ستتكفل الشرطة بإبعاد الباقين، وستستخدم القوة إذا لزم الأمر.

وقالت متحدثة باسم الشركة المسيرة للعبارة إن ميناء كاليه أغلق. وقالت إن المهاجرين لم يتمكنوا من دخول العبارة بعدما أغلق طاقمها الأبواب لمنعهم. وتجمع آلاف اللاجئين الفارين من الحرب والفقر في أفريقيا والشرق الأوسط العام الماضي في منطقة مترامية الأطراف قرب كاليه يطلق عليها اسم "الغابة"، والتي تستخدم كنقطة توقف إلى أن يحاول المهربون نقلهم إلى بريطانيا أملا في الحصول على حياة أفضل.

وافتتحت فرنسا ملجأ للمهاجرين مكون من حاويات سفن في كاليه على ساحلها المطل على القنال الإنجليزي في شمال البلاد في مسعى لتحقيق قدر من الانتظام لما يعرف باسم مخيم "الغابة" على الكثبان الرملية قرب المدينة الساحلية. ويستضيف المخيم البائس وغير الصحي أربعة آلاف مهاجر من البلدان الفقيرة التي مزقها القتال خارج الاتحاد الأوروبي يتطلع معظمهم إلى الوصول إلى بريطانيا عبر القنال حيث يتوافر المزيد من الوظائف وحيث تجذب اللغة الإنجليزية المألوفة أعدادا كبيرة.

وجرت إزالة الخيام والعشش في الجزء الشمالي الشرقي من المخيم لإفساح مساحة للملجأ المصمم لاستضافة ما يصل إلى 1500 شخص في 125 حاوية من حاويات السفن طليت باللون الأبيض. والصناديق المعدنية مزودة بأسرة متعددة الطوابق ومدفئات ونوافذ لكنها تفتقر إلى المياه أو تسهيلات للصرف الصحي. وستكون المراحيض والحمامات لمن يسكنون هذه الحاويات متاحة في منشأة حالية مخصصة للنساء والأطفال. بحسب رويترز.

وتقول السلطات الفرنسية إن الحاويات حل جيد لأن الكثبان لا تصلح للأساسات التقليدية لكن هذا المستوى من الاستمرار قد يكون لعبة سياسية. وقال مسؤول كبير في حكومة با دو كاليه الإقليمية للصحفيين إن العائلات والأفراد التي تعتبر معرضة للخطر بشكل خاص ستعطى الأولوية في الوصول إلى الملجأ. وجرى تعزيز الأمن حول مسارات القطارات المؤدية إلى نفق القنال وحول ميناء كاليه في الأشهر القليلة الماضية لمنع المهاجرين من القفز إلى القطارات والمركبات المتوجهة إلى بريطانيا أو من محاولة السير عبر النفق. وأدى هذا إلى اشتباكات متكررة بين المهاجرين والشرطة. وسيتعين على المهاجرين أن يسجلوا أنفسهم للعيش داخل المخيم مع تقييد الوصول إليه من خلال تقنية بصمة اليد. وقال بعض المهاجرين الذين يتطلعون إلى الانتقال سريعا إلى بريطانيا إن شكوكا تساورهم بشأن هذا الترتيب.

ويحاول المقيمون في المخيم الوصول إلى بريطانيا العضو في الاتحاد الاوروبي لكنها ليست عضوا في اتفاقية شينجن التي تتيح التنقل الحر عبر حدود الدول الاوروبية الاعضاء. وهم يعتقدون أنهم سيجدون فيها حياة أفضل مقارنة بدول الاتحاد الاوروبي الأخرى. وتتواصل المحاولات المحفوفة بالمخاطر للركوب فوق أسطح السيارات والقطارات أو السير عبر نفق القنال الانجليزي إلى بريطانيا رغم تشديد إجراءات الأمن ورغم أن 16 شخصا لقوا حتفهم في هذه المحاولات.

وفي بريطانيا تمثل الهجرة قضية رئيسية في استفتاء على البقاء في الاتحاد الاوروبي أو الانسحاب منه من المقرر إجراؤه قبل نهاية عام 2017. وامتنعت الحكومتان الفرنسية والبريطانية عن اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يشجع المزيد من المهاجرين على التوجه إلى كاليه. ومع ذلك تعرضت الأوضاع في المخيم للانتقاد في البلدين باعتبارها غير انسانية. وقال مقال افتتاحي في صحيفة لوموند "هذا الوضع لا يليق ببلد مثل فرنسا. وهو لا يليق بالقدر نفسه ببلد مثل المملكة المتحدة ولا بتكتل مثل الاتحاد الاوروبي."

منازل اللاجئين

من جانب اخر قررت شركة مقاولات بريطانية إعادة طلاء الأبواب الأمامية للمنازل التي يستخدمها طالبو اللجوء، بعد مزاعم بأن هذه المنازل استهدفت لأن جميع أبوابها تقريبا كانت باللون الأحمر. وقال طالبو اللجوء في ميدلسبره لصحيفة "التايمز" إن منازلهم قذفت بالبيض والحجارة لأن لون الأبواب جعل من السهل التعرف عليها. وقال وزير الهجرة إنه يشعر "بقلق بالغ" بشأن هذه القضية. وقالت شركة "جي فور إس" للخدمات الأمنية إنه ليس هناك سياسة معينة لإيواء طالبي اللجوء وراء أبواب حمراء، مشيرة إلى أن شركة المقاولات المسؤولة عن ذلك ستعيد طلاء هذه الأبواب.

"علامة مميزة" وزارت صحيفة "التايمز" 168 منزلا في ميدلسبره مملوكة لشركة "جوماست"، وهي شركة مقاولات تعمل من الباطن لحساب شركة "جي فور إس"، ووجدت أن أبواب 155 منزلا مطلية باللون الأحمر. وقالت سوزان فليتشر، عضوة المجلس المحلي السابق، لبي بي سي إنها أثارت القضية مع شركة "جي فور إس" عام 2012، لكن قيل لها إن الشركة لن تطلب من "جوماست" إعادة طلاء الأبواب. وقدمت فليتشر أدلة إلى لجنة الشؤون الداخلية التابعة لمجلس العموم، ولجنة الحسابات العامة والمكتب الوطني لمراجعة الحسابات. وقالت: "منذ أكثر من أربع سنوات عندما كنت أعمل مع مجموعة من طالبي اللجوء، كانوا قلقين من أن هذه علامة مميزة، وكانوا يشعرون بالقلق من احتمال تعرضهم لهجمات."

وقالت "جي فور إس" إن "جوماست" ليس لديها سياسة معينة لإيواء طالبي اللجوء وراء الأبواب الحمراء، لكنها قبلت أن تطلى معظم الأبواب، سواء بالنسبة للإسكان الخاص أو لطالبي اللجوء، باللون الأحمر. وقال وزير الهجرة جيمس بروكنشاير إنه طلب من وزارة الداخلية أن تجري مراجعة عاجلة لمساكن طالبي اللجوء في الجزء الشمالي الشرقي. وأضاف: "أتوقع أعلى المعايير من المتعاقدين لدينا. إذا وجدنا أي دليل على وجود تمييز ضد طالبي اللجوء فسيتم التعامل مع ذلك على الفور ولن يتم التسامح مع أي سلوك من هذا القبيل." بحسب بي بي سي.

وأصدرت شركة "جي فور إس" بيانا قالت فيه: "على الرغم من أننا لم نتلق أي شكاوى أو طلبات بشأن هذه المسألة من طالبي اللجوء في المساكن التابعة لنا، فقد وافقت جوماست في ضوء المخاوف التي أثيرت على معالجة المشكلة عن طريق إعادة طلاء الأبواب الأمامية في المنطقة حتى لا يكون هناك لون غالب." وأضافت: "تفتش وزارة الداخلية مقار إقامة اللاجئين لدينا بشكل متكرر، ووجد أنها تلبي المعايير المطلوبة."

حق اللجوء

من جهة اخرى منحت بريطانيا حق اللجوء لسوداني تصدر عناوين الصحف العالمية في أغسطس آب عندما سار 50 كيلومترا في نفق القنال من فرنسا إلى انجلترا مما سلط الضوء على معاناة الكثير من المهاجرين الساعين إلى حياة أفضل في أوروبا. وألقي القبض على السوداني عبد الرحمن هارون عند الطرف الانجليزي من النفق واتهم بموجب قانون غير واضح يعود للقرن التاسع عشر بإعاقة طريق للسكك الحديدية.

وفي جلسة اجرائية قصيرة في محكمة بمنطقة كانتربري ظهر هارون عبر دائرة تلفزيونية مغلقة من السجن وتحدث لتأكيد اسمه كما قال ممثل الإدعاء فيليب بينيتس إن بريطانيا منحت هارون حق اللجوء. وطلب بينيتس مهلة 14 يوما لبحث تأثير هذا على القضية ملمحا إلى أن الاتهام الموجة لهارون قد يسقط. ووافقت القاضية أديل وليامز على الطلب وأجلت النظر في القضية حتى يعلن الإدعاء قراره. كما قضت بخروج هارون من السجن بكفالة بعدما أوضح بينيتس أن الإدعاء لا يمانع في إطلاق سراحه.

وقدمت جماعة محلية صغيرة معنية بحقوق المهاجرين الدعم لهارون عندما كان في السجن كما وفرت له عنوانا لم يكشف عنه أمام المحكمة. وقالت القاضية لهارون عبر مترجم إن إطلاق سراحه مشروط بأن يعيش في هذا العنوان ويبيت فيه كل ليلة وكذلك أن يسلم نفسه لمركز محلي للشرطة كل يوم أربعاء خلال موعد محدد. وهارون هو أول مهاجر مسجل يصل إلى بريطانيا سيرا عبر نفق القنال في رحلة مضنية مدتها 12 ساعة تحت جنح الظلام ووسط قطارات تقطع النفق بسرعة تصل إلى 160 كيلومترا في الساعة. بحسب رويترز.

ويعيش آلاف المهاجرين في ظروف مهينة منذ شهور قرب كاليه وهي نقطة الدخول إلى النفق على الجانب الفرنسي أملا في الوصول إلى بريطانيا. لكن معظمهم يحاولون ركوب قطارات أو شاحنات. واتهم نشطاء مدافعون عن حقوق اللاجئين ومحامون في قضايا الهجرة السلطات البريطانية بمحاولة جعل هارون عبرة حتى لا يحذو آخرون حذوه. ولم تعلق الشرطة والادعاء وسلطات الهجرة علنا على القضية. ولا يعرف الكثير عن هارون الذي كان يبلغ من العمر 40 عاما عند اعتقاله. وعلمت المحكمة في وقت سابق أن هارون يتحدث لهجة الزغاوة مما يشير إلى أنه ربما يكون من إقليم دارفور السوداني الذي يعاني صراعا مستمرا منذ أكثر من عشر سنوات بين الحكومة والمتمردين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0