ملف الحقوق والحريات في تركيا كان ولايزال محط اهتمام واسع، بسبب الاجراءات القمعية والقوانين المتشددة التي تنتهجها السلطات التركية بحق المعارضين والمنتقدين لسياساتها وخططها الداخلية والخارجية، وقد وجهت العديد من الدول والمنظمات الأجنبية انتقادات كبيرة لتركيا في عهد اردوغان، الذي يسعى الى الاستئثار بالحكم من خلال التدخل في عمل جميع المؤسسات الحكومي، حيث شن وبحسب بعض المصادر حملة شرسة على الحريات وتوجيه التهم للصحفيين و ضرب المعارضين واستعمال القضاء لترهيبهم، فلم يعد اليوم بمقدور أحد توجيه النقد لأردوغان بل حتى للحكومة، وأصبح كل من يوجه النقد ولو بسيطا معرض للوقوف أمام المحاكم والزج به في السجون.

وقد انتقد الاتحاد الأوروبي في تقريره السنوي وضع حرية التعبير في تركيا التي ترغب في الانضمام إلى الاتحاد، معتبرا أن البلد يشهد تراجعا في "احترام دولة القانون والحقوق الأساسية". وقالت المفوضية الأوروبية في بيان إن هذا التقرير "أكد التوجه العام السلبي بالنسبة لاحترام دولة القانون والحقوق الأساسية" فيما يجري الاتحاد الأوروبي مفاوضات مع أنقرة لتحسين التعاون بين الطرفين في أزمة الهجرة.

وتابعت "بعد عدة سنوات من التقدم على طريق حرية التعبير، سجل تراجع خطير في السنتين الماضيتين". واعتبرت المفوضية أن الحكومة الجديدة التي تشكلت بعد الانتخابات المبكرة في 1 تشرين الثاني/نوفمبر يجب أن تعالج هذه الأولويات الملحة". ومنذ انتخاب اردوغان رئيسا، ازدادت الملاحقات في تركيا بتهمة "اهانة" الرئيس التي طالت العديد من شرائح المجتمع من فنانين وصحافيين وافرادا عاديين. ويواجه العشرات من الاعلامين والصحفيين ملاحقة قضائية بسبب طرحهم لبعض الفضائح وقضايا الفساد ومنها، فضيحة الفساد التي تفجرت في ديسمبر عام 2013 مع اعتقال رجال أعمال مقربين من أردوغان وأبناء عدد من الوزراء في حكومته. وشن أردوغان حملة كبيرة على الصحف وبعش الشخصيات المعارضة لتصفية حساباته السياسية.

في هذا الشأن وصف الاتحاد الأوروبي اتهام وسجن صحافيين معارضين في تركيا بأنه "وضع مقلق"، وقال إنه يتابع هذه القضية "عن كثب". وقالت المتحدثة باسم الشؤون الخارجية للاتحاد مايا كوسيانجيتش "إن حرية التعبير هي أحد المبادىء الأساسية للاتحاد الأوروبي. لقد أثرنا المسألة عدة مرات مع السلطات التركية" ولا سيما عند نشر التقرير السنوي حول تقدم تركيا نحو الانضمام إلى الاتحاد.

من جهتها، نددت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومقرها في فيينا بالملاحقات "المرفوضة" بحق الصحافيين التركيين. وقالت دونيا مياتوفيتش ممثلة المنظمة لحرية الصحافة في بيان إن "إمكان (فرض) عقوبة قضائية قاسية ينطوي على رسالة مقلقة للمجتمع مفادها أن أي خلاف مع النظام سيعاقب عليه بشدة". ودعت السلطات التركية إلى "إسقاط التهم والإفراج عن الصحافيين". بحسب فرانس برس.

والرئيس التركي الذي ينفي بشكل قاطع تقديم الدعم العسكري للحركات الجهادية التي تقاتل نظام الرئيس بشار الأسد، رفع بنفسه دعوى قضائية ضد دوندار (54 عاما) وتوعد علنا في مقابلة مع قناة تلفزيونية محلية أنه "لن يخرج هكذا بسهولة". وقالت المتحدثة باسم الاتحاد إن "تركيا بوصفها بلدا مرشحا عليها أن تضمن مواءمة تشريعاتها الحالية مع المعايير الأوروبية".

ودعا الصحافيان المعتقلان قادة الاتحاد الاوروبي الى عدم التضحية بالدفاع عن حرية الصحافة في مقابل اتفاق حول ازمة المهاجرين مع تركيا. وقال جان دوندار واردم غول في بيان "نأمل بألا يكون سعيكم للتوصل الى حل على حساب التزامكم بحقوق الانسان وحرية الصحافة والتعبير وهي القيم الاساسية في العالم الغربي".

ووجهت هذه الرسالة التي كتبت في سجن سيليفري قرب اسطنبول، بالالمانية الى المستشارة انغيلا ميركل، والفرنسية للرئيس فرنسوا هولاند، والانكليزية لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون. واضاف صحافيا جمهورييت "لا يمكن الحفاظ على قيمنا المشتركة إلا من خلال التضامن وموقف مشترك". وتابع الصحافيان ان "رئيس الوزراء التركي (احمد داود اوغلو)، والنظام الذي يمثله ينتهجان سياسة وممارسات معروفة تتجاهل تماما حرية الصحافة وحقوق الإنسان". واضافا "لقد اتهمنا واعتقلنا بسبب ممارسة هذه الحريات والدفاع عن حق الشعب في الحصول على المعلومة".

نداء عالمي

من جانب اخر رفضت محكمة استئناف اسطنبول استئناف رئيس تحرير صحيفة جمهورييت جان دوندار ومدير مكتبها في انقرة اردم غول قرار سجنهما في حين بدأت "مراسلون بلا حدود" حملة عالمية للافراج عنهما. وذكرت وكالة انباء "دوغان" ان المحكمة رفضت طلب محامي الصحافيين اللذين وجهت اليهما تهم "الارهاب" و"التجسس" و"كشف اسرار دولة" ووضعا في الحجز الموقت حتى محاكمتهما، بعد ان كشفا عن قيام تركيا بتسليم اسلحة لمتمردين اسلاميين سوريين.

وضاعفت قضية سجن الصحافيين اللذين يعتبران من الوجوه الاعلامية البارزة في تركيا المخاوف من قمع نظام الرئيس رجب طيب اردوغان لحرية التعبير. واعلنت "مراسلون بلا حدود" عن عريضة دولية للافراج عنهما وقع عليها الكاتب الاميركي نعوم تشومسكي والاقتصادي الفرنسي توماس ريكتي والعازف التركي فضل ساي. وتتهم العريضة اردوغان "بالوقوف وراء حملة منظمة ضد وسائل الاعلام التركية منذ سنوات واضطهاد الصحافيين بطريقة تزداد وحشية". واضافت العريضة ان "الاعتقالات والتهديد والترهيب التي يمارسها نظام اردوغان لا تتماشى مع الديموقراطية".

وقال الامين العام للمنظمة كريستوف دولوار ان السلطات التركية تضطهد الصحافيين اكثر مما تتعرض لجهاديي تنظيم داعش. وقال خلال مؤتمر صحافي في اسطنبول "السلطات التركية تستهدف العدو الخطأ". وفي ايار/مايو نشرت جمهورييت صورا وفيديو عن اعتراض الدرك في كانون الثاني/يناير 2014 على الحدود السورية شاحنات تابعة للاستخبارات التركية تنقل اسلحة لمقاتلين اسلاميين في سوريا. ونفت الحكومة التركية على الدوام هذا الدعم مؤكدة ان هذه القافلة كانت تنقل "مساعدات" للسكان الناطقين بالتركية في سوريا. بحسب فرانس برس.

واثار اعتقال الصحافيين احتجاجات شديدة في صفوف المعارضة التركية والعواصم الاجنبية التي انتقدت المساس بحرية الصحافة. وفي اطار القضية نفسها، وجهت التهم الى العشرات من رجال الدرك الذين شاركوا في اعتراض القافلة واودعوا السجن. وامرت محكمة في اسطنبول بسجن جنرالين وعقيد سابق في الشرطة في اطار هذه القضية كذلك وفق وكالة انباء دوغان.

وانتقدت المعارضة بشراسة هذا الإجراء. وقال أوتكو جاكيروزر -وهو برلماني من حزب الشعب الجمهوري حزب المعارضة الرئيسي - ورئيس تحرير سابق لصحيفة جمهوريت "الصحافة تقدم للمحاكمة بهذه الاعتقالات ويجري ترهيب الصحافة التركية." كما تجمع نحو ألفي شخص في إسطنبول وكان بعضهم يردد عبارة "القاتل اردوغان" متهمين حزب العدالة والتنمية الحاكم - الذي أسسه الرئيس التركي - بالتعاون مع تنظيم داعش. وحمل بعض المتظاهرين نسخة من صحيفة جمهوريت التي كان عنوانها "يوم أسود للصحافة".

وقالت فيجن يوكسيكداج الزعيمة المشاركة في حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في الاحتجاج "كل المؤسسات الصحفية المعارضة التي تلتزم بأخلاقيات الصحافة وتحاول ان تؤدي عملها الصحفي تخضع للتهديد وتتعرض للهجوم". واضافت "هذه العملية السوداء التي استهدفت التغطية على جرائم ما كانت تحمله تلك الشاحنات والجرائم التي لا تزال ترتكب لن تنجح." وقالت السفارة الأمريكية على تويتر "نشعر بقلق بالغ لاعتقال جان دوندار وإردم جول وما يبدو انه وسيلة إعلام أخرى تتعرض لضغوط". و نأمل ان تدعم المحاكم والسلطات التركية المبدأ الأساسي لحرية الإعلام المنصوص عليها في الدستور التركي."

قمع ومداهمات

الى جانب ذلك قمعت الشرطة التركية تظاهرة للطلاب المعارضين للحكومة في اسطنبول، مستخدمة الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، فقد احتج نحو 200 طالب امام مدخل جامعة اسطنبول، التي تعد اقدم جامعات البلاد، على مجلس التعليم العالي الذي انشأه الحكم العسكري في 1981 ويشرف على تنظيم الجامعات وغالبا ما يوصف بأنه اداة رقابة.

ويطالب عدد كبير من الطلاب بالغائه. وكتب على احدى اللافتات التي رفعها الطلاب "لن يتم ترهيب الشباب، اردوغان ومجلس التعليم العالي سينهاران". ورفعت لافتة اخرى كتب عليها "يجب محاكمة الحكومة المجرمة". وبعد الطلقات التحذيرية، طوق عناصر الشرطة الذين كانوا يرتدون بزات مكافحة الشغب الطلاب واعتقلوا عددا كبيرا منهم، واستخدمت الشرطة ايضا خراطيم المياه لتفريق تجمع شارك فيه عدد اقل من الطلاب ضد مجلس التعليم العالي في انطاليا (جنوب) حيث اوقف تسعة اشخاص على ذمة التحقيق، كما ذكرت الصحافة التركية.

على صعيد متصل قالت مجلة تركية تميل لليسار إن الشرطة داهمت مقرها وألقت القبض على اثنين من محرريها بسبب غلافها الذي يلمح الى أن نتائج الانتخابات ستعمق الانقسامات وتسبب صراعا بالبلاد. وحمل غلاف أحدث نسخة من مجلة نقطة عنوان "بداية الحرب الأهلية" بعد أن شهدت الانتخابات استعادة حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية في انتصار كبير للرئيس رجب طيب اردوغان.

واتهمت جماعات حقوقية ومعارضون اردوغان والحكومة بمحاولة إسكات وسائل الإعلام المعارضة. وصادرت السلطات صحيفتين معارضتين وأوقفت بث قناتين تلفزيونيتين في الأيام السابقة للانتخابات فيما وصفوها بأنها حملة على ألد أعداء اردوغان. وقالت مجلة نقطة إن مكتب الادعاء في اسطنبول منع توزيع أحدث طبعاتها وأمر بمداهمتها بعد نشر الغلاف على الانترنت. بحسب رويترز.

ودوهمت المجلة قبل نحو شهرين لنشرها صورة تتهكم على اردوغان وتصوره على أنه يلتقط صورة لنفسه (سيلفي) مع نعش جندي في إشارة لتصريحاته عن أن عائلات الجنود الذين قتلهم مسلحو حزب العمال الكردستاني يجب أن يكونوا سعداء "لاستشهادهم". وفي اكتوبر تشرين الأول قررت محكمة في أنقرة حجب موقع المجلة الالكتروني لإساءتها لسمعة حزب العدالة والتنمية الذي أسسه اردوغان. وكانت المجلة أغلقت لثماني سنوات تحت ضغط من الجيش ولم تعد للعمل من جديد الا في مايو ايار هذا العام.

رفض تركي

من جانبها وكما هو متعتاد رفضت الحكومة التركية الانتقادات الدولية الموجهة اليها بشأن انتهاك حرية التعبير خلال حملة الانتخابات التشريعية التي فاز فيها حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان. وقال نائب رئيس الوزراء يلشين اكدوغان في حديث مع محطة "ان تي في" التلفزيونية "ليس هناك ضغوط على وسائل الاعلام. لم يرغم احد على السكوت في هذا البلد، هذا غير موجود".

واعربت الولايات المتحدة عن اسفها لحالات "التخويف" و"الضغوط" التي مورست على وسائل الاعلام خلال الحملة. وسجل مراقبو منظمة الامن والتعاون في اوروبا عدة حالات تدخل فيها النظام التركي في "الاستقلالية التحريرية لوسائل الاعلام". واوقفت الشرطة التركية مسؤولين عن مجلة وصفت في عددها الاخير انتصار حزب اردوغان بانه "بداية الحرب الاهلية في تركيا".

وبرر اكدوغان احكام القضاء على ما وصفه بانه "انحراف" عن القانون وقال "لا يمكن ان تكون وسائل الاعلام محمية بدرع، لا يمكنكم التلفظ بالشتائم". بحسب فرانس برس.

وفي وقت سابق ارسلت نحو خمسين وسيلة اعلامية دولية رسالة مفتوحة الى الرئيس التركي للاعراب عن قلقها ازاء المساس بحرية التعبير في تركيا. وتطرقت الرسالة الى سلسلة احداث ولا سيما هجومين على مقر صحيفة حرييت ومداهمة الشرطة لمقار مجموعة كوزا ايبيك الاعلامية وتوقيف عدد من الصحافيين او توجيه اتهامات لهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1