ملف اللاجئين السوريين في العديد من دول العالم ومنها الولايات المتحدة الامريكية، اصبح وبحسب بعض المراقبين اكثر تعقيدا بعد الهجمات الارهابية التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس واوقعت الكثير من الضحايا، حيث حفزت هذه الهجمات التي كانت سببا في تفاقم معاناة اللاجئين، بعض الجهات والشخصيات المعارضة في الولايات المتحدة التي تعيش اليوم حرب انتخابية شرسة، تأكيد مطالبها بمنع تدفق اللاجئين وإعادة الموجودين منهم إلى ديارهم، وقال اعضاء في الحزب الجمهوري من بينهم مرشحون رئاسيون عن الحزب، إن هجمات باريس يجب أن تجبر الرئيس باراك أوباما على إلغاء خطط لإعادة توطين اللاجئين الذين يتدفقون من سوريا نحو الولايات المتحدة.

وقد أعلنت ولايات امريكية عدة، رفضها استقبال لاجئين سوريين، خشية حصول اعتداءات ارهابية فيما حذر الرئيس باراك اوباما من مغبة الخلط بين "اللاجئين و"الارهاب". وكانت الولايات المتحدة اعلنت مطلع ايلول سبتمبر الماضي انها ستستقبل عشرة آلاف لاجئ سوري بحلول تشرين الاول اكتوبر من العام 2016، في مقابل 1800 لاجئ فقط منذ العام 2011.

وفي استغلال واضح لأحداث باريس وكما تنقل بعض المصادر ركز مرشحو الرئاسة الجمهوريون على ما حدث، وقال بعضهم إن هجمات باريس تظهر حماقة سياسة البيت الأبيض. ففكرة الرئيس أوباما وهيلاري كلينتون أنه ينبغي علينا استقبال عشرات الآلاف من اللاجئين المسلمين السوريين في أمريكا ليست سوى ضربٍ من الجنون، مطالبين بمنع مثل هكذا اجراءات في سبيل الحفاظ على الامن، وذلك في محاولة منهم لكسب مزيد من أصوات الاقتراع، لاعبين على نغمة التهديد وضرورة التوحد في وجه الخطر.

تلك الدعوات اثارت قلق العديد من المنظمات الحقوقية والانسانية التي اكدت على ان الفترة الاخيرة قد شهدت تصاعد العداء ضد اللاجئين والمسلمين بشكل عام، وتزايد الدعوات لعدم استقبالهم في الولايات المتحدة، وقد انتقدت الامم المتحدة السياسيين الذين يريدون وقف استقبال اللاجئين السوريين بعد اعتداءات باريس مؤكدة ان هذا "الخطاب" ينم عن عدم احترام وانه لا مكان للتمييز في هذا المجال.

ورأى مسؤولون اوروبيون واميركيون يمينيون انه يجب عدم السماح للاجئين السوريين بالدخول الى الاراضي الاوروبية والاميركية خوفا من استغلال مقاتلين من تنظيم داعش لحق اللجوء وشن هجمات. وقال المتحدث باسم الامم المتحدة ستيفان دوجاريك ان هذه الدعوات هي "خطاب متعال (...) وتصاعد في لغة يتحدث فيها الناس عن تمييز، وعن عدم احترام، على ما اعتقد، للاجئين والمهاجرين الذين يمضون في بعض الاحيان عقودا في مخيمات وفروا من عنف مروع". واضاف "الامر الاكيد هو انه لا يمكن ان يكون هناك تمييز على اساس الدين او الاتنية او اي عنصر آخر عندما يتعلق الامر بايواء لاجئين".

قرارات واهانات

في هذا الشأن فكما كان متوقعا، أقر مجلس النواب الأمريكي الذي يسيطر عليه الجمهوريون إجراء يعلق استقبال اللاجئين السوريين والعراقيين وذلك رغم دعوات الرئيس باراك أوباما إلى الهدوء وتهديده بفرض فيتو رئاسي على القرار. وأقر النص بمساندة الغالبية الجمهورية مدعومة بعدد من الديموقراطيين، وحصل على 289 صوتا مقابل 137 على أن يطرح الآن على مجلس الشيوخ، وذلك بعدما أكد البيت الأبيض أن الرئيس سيستخدم الفيتو على النص، وهو يعكس موجة رفض اللاجئين السوريين التي عمت البلاد إثر اعتداءات باريس.

وفي مطلق الأحوال أعلن البيت الأبيض أن الرئيس سيستخدم الفيتو على النص، مع العلم أنه لا يمكن تخطي الفيتو الرئاسي إلا بعملية تصويت جديدة بغالبية الثلثين، أي 290 صوتا في مجلس النواب في حال مشاركة جميع الأعضاء. ويعكس التصويت على النص موجة رفض اللاجئين السوريين التي عمت البلاد إثر اعتداءات باريس في خضم حملة الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأمريكية.

ويستشهد المحافظون بقول مدير الآف بي آي جيمس كومي نفسه أن الأمريكيين لا يملكون سوى معلومات ضئيلة عن المواطنين السورين، فيما قال وزير الأمن الداخلي جاي جونسون في تشرين الأول/أكتوبر أنه "ليس هناك أي آلية معدومة المخاطر". ويدعو المحافظون الأكثر تشددا إلى اختيار اللاجئين بين المسيحيين فقط. بحسب فرانس برس.

وتدافع الإدارة الأمريكية عن الآلية المطبقة لاختيار اللاجئين، والتي تصفها بأنها أكثر صرامة مما يطبق على أي نوع آخر من المسافرين إلى الولايات المتحدة. وشددت آن ريتشارد مسؤولة اللاجئين في وزارة الخارجية على أنه لم يتم قبول حتى الآن سوى حوالي ألفي لاجئ سوري منذ اندلاع النزاع عام 2011.

الى جانب ذلك شبّه المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية "بن كارسون" اللاجئين الهاربين من سوريا وعنف عناصر تنظيم داعش بـ"الكلاب المسعورة " وجاء تصريح كارسون وهو جراح أعصاب متقاعد ويعتبر من المرشحين الأوفر حظا في انتخابات 2016، خلال توقفه في ولاية آلاباما (جنوب). وقال كارسون "علينا التمييز بين الأمن والإنسانية"، في معرض حديثه عن استقبال لاجئين سوريين في الولايات المتحدة.

وأضاف "إذا كان هناك كلب مسعور في الحي فعلى الأرجح لن ترى فيه خيرا كما انك ستبعد أولادك عن طريقه، لكن ذلك لا يعني أنك تكره الكلاب". ودعا كارسون إلى "اعتماد آليات تدقيق لتمييز الكلاب المسعورة". ويأتي تعليق كارسون في اليوم نفسه الذي صوت فيه مجلس النواب الأمريكي على قرار بتعليق استقبال لاجئين سوريين وعراقيين في الولايات المتحدة إلى أن يتم تطبيق آليات تدقيق أكثر صرامة.

من جانبه جدد الرئيس الاميركي باراك اوباما دعوته الى مساعدة اللاجئين، وذلك خلال زيارة مركز لاستقبال الاطفال المهاجرين في ماليزيا، وخلال زيارته الى مؤسسة كرامة الاطفال في كوالالمبور، تحدث الرئيس الاميركي مع اطفال تتراوح اعمارهم بين السابعة والتاسعة من العمر، ينتمي معظمهم الى اقلية الروهينغيا المضطهدة في بورما، عن رسومهم ومستقبلهم.

وقال اوباما ان هؤلاء الاطفال "هم بالضبط مثل اطفالنا، يستحقون الحب والحماية والاستقرار والتعليم". واضاف "انهم يستحقون الحماية ودعم العالم". وسأل اوباما طفلة بعدما صافحها "هل تتعلمين الانكليزية؟" ثم قال لها "انت مجتهدة جدا". وفي وقت لاحق، اكد اوباما ان الاطفال مثل هذه الطفلة "لا يمثلون فقط وجه لاجئي بورما، بل هم وجه الاطفال السوريين والعراقيين". وقال "عندما كنت اتحدث معهم، كانوا يرسمون ويفعلون تمارين حسابية. ولا شيء يميزهم عن اطفال الولايات المتحدة".

دعوى قضائية

على صعيد متصل أقام اتحاد الحريات المدنية الأمريكي دعوى قضائية على حاكم ولاية إنديانا الأمريكية مايك بينس بسبب رفضه السماح بإعادة توطين اللاجئين الفارين من الحرب الأهلية السورية في الولاية وقال الاتحاد إن موقفه يمثل انتهاكا لسلطة اتحادية وللدستور الأمريكي. وبنس واحد من أكثر من 25 من حكام الولايات الأمريكية معظمهم من الجمهوريين الذين دعوا علانية الرئيس باراك أوباما إلى وقف إعادة توطين اللاجئين السوريين بعد الهجمات التي شهدتها باريس في 13 نوفمبر تشرين الثاني وأسفرت عن سقوط 130 قتيلا.

وتعلل حكام الولايات بالمخاوف من أن بعض اللاجئين ربما يكونوا على صلة بتنظيم داعش. وقال اتحاد الحريات المدنية في الدعوى إن القرارات المتعلقة بالهجرة وإعادة توطين اللاجئين هي من صلب اختصاص الحكومة الاتحادية ولا يمكن أن يحددها مسؤولو الولايات. وذكر كين فولك المدير القانوني لإنديانا في الاتحاد في بيان "محاولات تخطي تلك السلطة يمثل انتهاكا لكل من قوانين الحماية والحقوق المدنية المتساوية وتعديا على سلطة تقتصر حصرا على الحكومة الاتحادية."

من جانب اخر اعلن المخرج الاميركي مايكل مور انه يريد استقبال لاجئين سوريين في منزله في ميشيغن احتجاجا على رفض الحاكم استقبال لاجئين في هذه الولاية الواقعة في شمال شرق الولايات المتحدة. وفي رسالة مفتوحة نشرت على صفحته على فيسبوك هاجم مور المعروف لمواقفه السياسية اليسارية، حاكم ولاية ميشيغن ريك سنايدر متهما اياه باتخاذ مواقف "مناهضة لاميركا".

وكتب المخرج "ان موقفكم ليس فقط معيبا انه كما تعلمون مناهض للدستور (وحده الرئيس له الحق في اتخاذ قرار في هذه المسائل)". واضاف "لقد خيبت املي ايها الحاكم من خلال سلوك غير مسيحي يفتقر الى الرحمة ولانك انضميت الى 25 حاكما اخر على الاقل (جميعهم من الجمهوريين باستثناء واحد) قرروا منع اللاجئين السوريين من المجيء الى ولاياتهم". واعلن انه ينوي "تحدي" قرار الحاكم والاتصال بوزارة الخارجية لتقديم منزله في شمال ميشيغن لاستقبال لاجئين سوريين.

الأمل والخوف

في السياق ذاته يعيش اللاجيء السوري محمد عبد ربه مع زوجته وابنتيه في شقة ضيقة من حجرتين في سكرامنتو تتناثر فيها أمتعتهم القليلة لكنهم يشعرون أخيرا بأنهم تحرروا من الخوف. وبعد ستة أسابيع فحسب من وصول الأسرة إلى الولايات المتحدة التحقت البنتان بالمدرسة ولم تعد أي منهما تصرخ خلال الليل. ولم تعد الأم دانيا تشعر بالخوف من الخروج من البيت للمرة الأولى منذ سنوات.

وقال عبد ربه (36 عاما) "شهدنا أمورا من الصعب وصفها. فجأة وأنت تسير في الشارع يسقط شخص ميتا أمامك." ومن الممكن أن تتوه قصة هذه الأسرة بسهولة في طيات رد الفعل السياسي الأمريكي المناهض للاجئين السوريين الذي نتج عن تقارير ذكرت أن واحدا من المسلحين المشاركين في هجمات باريس ربما دخل أوروبا مختبئا وسط طوفان المهاجرين.

ويقول خبراء في الهجرة إن التجربة التي مرت بها أسرة عبد ربه - من رعب وأهوال في سوريا ثم الارتياح العميق والإحساس بالأمن في الولايات المتحدة - ترمز لكل ما يلاقيه اللاجئون. والأسرة ضمن مجموعة صغيرة من حوالي 1700 لاجيء سوري سمح لهم بدخول الولايات المتحدة من بينهم 179 في كاليفورنيا و189 في تكساس و179 في ميشيجان و111 في بنسلفانيا.

وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما تعهد باستقبال عشرة آلاف لاجيء سوري في العام المقبل في أعقاب تدفق مئات الآلاف من اللاجئين من سوريا على أوروبا هربا من الحرب الأهلية. لكن خطة أوباما تواجه مقاومة شرسة من الجمهوريين في الكونجرس وفي حملة الانتخابات الرئاسية وتخشى وكالات الإغاثة من تداعيات هذه المخاوف ومن احتمال أن تجعل بعض المناطق في الولايات المتحدة أقل ترحيبا باللاجئين الواصلين إلى البلاد.

وقالت ديبرا ديبونت التي ترأس وكالة أوبننج دورز للاجئين "علينا أن نتحلى باليقظة لكننا بحاجة أيضا للتعقل وألا نترك الخوف يسيطر علينا." وساعدت وكالة أوبننج دورز في العام الماضي في توطين 400 لاجيء من الشرق الأوسط كان من بينهم خمس أسر سورية في سكرامنتو. وفي يناير كانون الثاني الماضي انتقل كمال محروس بأسرته إلى هيوستون من دمشق بعد أن أمضى عاما في مصر وخضع لفحص أمني أجراه مكتب التحقيقات الاتحادي. ويقول محروس إن كون المرء مسلما لا يعني أنه عضو في داعش أو جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة. ويضيف "نحن سوريون. لسنا داعش ولا جبهة النصرة ولا نظام الأسد. نحن أناس عاديون".

وهربت أسرة عبد ربه من بيتها في الحي القديم بمدينة حمص المحاصرة في غرب سوريا وسط أحداث عنف مدمرة قبل أكثر من ثلاث سنوات لتبدأ ما وصفها عبد ربة "بسنوات العذاب" في الأردن قبل أن تنقل وكالة إغاثة الأسرة إلى سكرامنتو. وتحتوي شقة الأسرة على أريكة كبيرة وأريكة صغيرة ومنضدة صغيرة للطعام وثلاثة أسرة إثنان منهما متلاصقان في غرفة للبنتين سالي (7 سنوات) ولين (5 سنوات). وفوق البراد (الثلاجة) علبة حبوب.

وفي المطبخ يجهز عبد ربه الشيشة لتدخين التبغ مع ضيوفه في شرفة صغيرة. وبدأت سالي تتعلم الانجليزية وتقول إنها تريد أن تصبح طبيبة عندما تكبر. ويقول والداها إنها ظلت طوال أربع سنوات تستيقظ وهي تصرخ كل ليلة وتبلل فراشها من الخوف. وبعد أسبوعين من الإقامة في الولايات المتحدة توقفت مشاهد الرعب الليلي.

وقالت دانيا التي ظلت تدرس الادب الانجليزي إلى أن اشتد الخطر في شوارع حمص فلم تعد تقدر على المخاطرة بالذهاب للجامعة إن سالي "تتذكر كل شيء". وأضافت "تقول: أتتذكرين يا ماما عندما طرقوا الباب؟ أتتذكرين عندما أطلقوا الرصاص؟" وتعمل الجالية السورية الصغيرة في سكرامنتو على دمج أسرة عبد ربه في حياة المدينة. وقد استقبلت المدينة عاصمة ولاية كاليفورنيا والتي يبلغ عدد سكانها نحو مليوني نسمة أكثر من ألف لاجيء أغلبهم من أفغانستان والعراق خلال العام الأخير.

وقال طبيب سوري المولد يساعد في توطين الأسر المهاجرة إن الأسر التي تنحدر من أصول سورية وكانت تعيش في سكرامنتو عندما بدأت أزمة اللاجئين - ويبلغ عددها 15 أسرة - تعمل مع الجاليات الوافدة من الشرق الأوسط والجاليات المسلمة لإيجاد شقق للاقامة والتبرع بأثاث وملابس للأسر اللاجئة.

وقال الطبيب الذي طلب الإشارة إليه فقط بالاسمين الأول والاوسط محمد جابر لقلقه على أقاربه في سوريا إنه حالما تصل الأسر فإنها تواجه تحديات تتجاوز تعلم اللغة الانجليزية والبحث عن عمل. وأضاف "ثمة أشياء كثيرة نفترض أنها مسلم بها والناس لا تستطيع أن تتخيل كيف تفعلها. حتى شيء بسيط مثل حجز موعد عند الطبيب." وفي الوقت الذي يساعد فيه الطبيب على إعادة توطين الآخرين فإنه يشعر بالقلق على شقيقه الذي مازال في سوريا مع طفليه ويحاول الخروج من البلاد. بحسب رويترز.

ويواجه عبد ربه مهمة شاقة لاكتساب المهارات اللازمة في الولايات المتحدة. وتتمثل الأولوية القصوى في نظره في تعلم اللغة الانجليزية والبحث عن عمل. وعبد ربه مخترع حاصل على ثلاث براءات لابتكاره آلآت لتغليف الحلوى. لكن وجوده في أمريكا منحه شعورا بالتفاؤل بمستقبل أسرته للمرة الأولى منذ سنوات. وقال عبد ربه "عندما جئت إلى هنا ومن اليوم الأول لم أعد أشعر بأنني لاجيء. شعرت بأني مواطن أمريكي."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7