الأقلية المسلمة في بورما لاتزال تعاني من الظلم الاضطهاد الذي يمارس ضدها من قبل الجماعات البوذية المتطرفة التي سعت وفي ظل الصمت الدولي والعربي والإسلامي الى توسيع أعمالها العدائية وجرائمها الوحشية ضد المسلمين في هذه البلاد التي شهدت وبحسب بعض المراقبين، أشد وأبشع جرائم الإبادة وانتهاكات حقوق الإنسان، حيث تشير تقارير الامم المتحدة الى ان الأقلية المسلمة في بورما تعد أكثر الأقليات اضطهادًا ومعاناة وتعرضًا للظلم في العالم كما أنها أفقر الجاليات وأقلها تعليمًا، يضاف الى ذلك حملات التضييق والقرارات المتشددة التي تتخذها حكومة ميانمار ضد الأقلية المسلمة والتي تشمل الاعتقالات التعسفية والابتزاز المالي وانتزاع الوثائق الرسمية ومصادرة الممتلكات وغيرها من القرارات والقوانين الأخرى، التي انتقدتها العديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية.

ويرى بعض المراقبين ان الصمت العربي والإسلامي كان له دور كبير في تفاقم واستفحال هذا الخطر، خصوصا وان الجماعات البوذية قد أدركت ان قضية المسلمين في بورما هي قضية ثانوية بالنسبة للدول والحكومات العربية، التي سخرت كل طاقاتها ونفوذها المالي والعسكري في حروب طائفية او لدعم جهات وجماعات وتنظيمات إرهابية، هو ما أثر سلبا على سمعة الإسلام والمسلمين في العديد من دول العالم.

حملة ضد المسلمين

وفي هذا الشأن يشن الكاهن البوذي ويراثو حملة شرسة ضد المسلمين قبل الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر التي حرم مئات الآلاف من المسلمين من حق التصويت فيها حتى ان حزب المعارضة اونغ سان سو تشي تخلى عن تقديم مرشحين مسلمين لها. واكد اشهر كاهن في بورما في معقله في ماندلاي ثاني مدن البلاد انه يمضي ليلته على جهاز الكمبيوتر ليبث على شبكات التواصل الاجتماعي صور الفظائع التي يرتكبها الاسلاميون المتطرفون في العالم.

وقال الكاهن الذي يقدم نفسه على انه يقف في وجه تهديد اسلمة بورما التي يشكل البوذيون غالبية سكانها "لا يمكننا ان نثق بالمسلمين. انهم لا يستخدمون السياسة من اجل الخير العام بل يريدون الاستيلاء على البلاد بمكر". وقد جعله نشاطه الاعلامي الكبير احد اعمدة اثارة الكراهية ضد المسلمين في بورما التي ادت الى صدامات سقط فيها قتلى في 2012. تاريخيا، تم استيعاب المسلمين الذين يشكلون 5 بالمئة من سكان البلاد في الوظائف العامة في هذه المستعمرة البريطانية السابقة. لكن منذ انفتاح بورما على العالم فتحت ابواب الشر القادم من التعصب الديني واصبح المسلمون يعانون من التهميش اكثر فاكثر.

وكان الكاهن ويراثو اشهر كاهن في التيار المتطرف ماباثا (لجنة حماية الجنسية والديانة) امضى عدة سنوات في السجن خلال الحكم العسكري للبلاد بسبب دعواته الى الكراهية. وقد صدر عفو عنه بعد حل المجموعة العسكرية الحاكمة في 2011. وهو يتمتع اليوم بنفوذ كبير ويؤكد انه يشعر بالارتياح "للانتصار" الذي يتمثل بالقانون الاخير الذي يفرض قيودا على الزواج بين اتباع مختلف الديانات والحرمان من التصويت الذي يطال مئات الآلاف من المسلمين من اقلية الروهينغا.

وفي الواقع الغت بورما في آذار/مارس الهويات الموقتة الممنوحة لمئات الآلاف من المسلمين الروهينغا مما يحرمهم من حق التصويت. ومع ان الكهنة البالغ عددهم نحو 500 الف لا يتمتعون بحق التصويت في الانتخابات، يشكل ويراثو وانصاره قوة سياسية تنشط في الكواليس ولا تجرؤ المعارضة اونغ سان سو تشي ولا الحكومة الاصلاحية الحاكمة منذ 2011 على ازعاجها.

ولم يجازف حزب سو تشي الرابطة الوطنية للديموقراطية ولا الحزب الحاكم حزب الاتحاد والتضامن والتنمية بتقديم مرشحين مسلمين الى الانتخابات التشريعية التي ستجرى في تشرين الثاني/نوفمبر.

وقال عضو مسلم في الرابطة الوطنية للديموقراطية طالبا عدم كشف هويته ان جائزة نوبل للسلام التي واجهت انتقادات في الخارج بسبب صمتها بشأن مصير المسلمين الروهينغا "تخاف على ما يبدو" من الكهنة. واضاف هذا المعارض ان "كثيرا من المسلمين قالوا انهم لن يدلوا باصواتهم". ويرى المسلمون الذين يشكلون خمسة بالمئة من السكان ولن يكون لهم تأثير كبير على الاقتراع المقبل الذي يعتبر اختبارا ديموقراطيا للبلاد بعد عقود من الحكم العسكري الاستبدادي، والمحللون ان صمت المعارضة البورمية ناجم عن اعتبارات انتخابية.

وكانت اونغ سان سو تشي قالت ان الحزب ابقى على المرشحين الذين "يتمتعون باكبر فرص للفوز في هذه الدائرة او تلك". وعبرت السيدة التي يصفها القوميون البوذيون بانها مؤيدة للمسلمين على الرغم من صمتها، عن قلقها من "استخدام الديانة" من قبل اعدائها السياسيين. وقال الخبير السياسي خين زاو وين ان "الجنوح الى اليمين مقلق جدا (...) انه ينذر بالسوء لمسلمي هذا البلد". حسب فرانس برس.

ويحذر الكاهن ويراثو الرابطة الوطنية للديموقراطية الذي يعد الحزب الاوفر حظا للفوز في الاقتراع المقبل من اي محاولة للتراجع عن النصوص المعادية للمسلمين التي اقرها البرلمان مؤخرا وعلى رأسها القانون المتعلق بالزواج بين الاديان. وقال مهددا ان "اي حكومة تعدل هذه القوانين سيتم اسقاطها". وعبر عن ارتياحه لعدم وجود مرشحين مسلمين في الانتخابات مؤكدا "لا نريد اجانب في البرلمان". ودفع النائب المسلم شوي مونغ الذي انتخب تحت راية الحزب الحاكم ثمن هذه الحملة. فقد شطب الرجل الذي ينتمي الى الروهينغا من لوائح الحزب الحاكم للانتخابات التشريعية بعدما قررت اللجنة الانتخابية فجأة ان والديه ليسا مواطنيين بورميين. وقال هذا النائب الذي كان والده ضابطا كبيرا في الشرطة بغضب "كم مرة علينا ان نقدم اثباتات؟".

قوانين تعسفية

الى جانب ذلك صدق رئيس ميانمار على مشروع قانون هو الاخير من أربعة مشاريع قوانين مثيرة للجدل شجبتها المنظمات الحقوقية باعتبارها تهدف إلى التمييز ضد الاقلية المسلمة بالبلاد لكنها تحظى بتأييد البوذيين المتطرفين. وتشهد ميانمار زيادة في خطاب الكراهية المعادي للمسلمين منذ أن سلم الجيش السلطة عام 2011. وقال مسؤول كبير في مكتب الرئيس ثين سين إن الرئيس وقع على مشروع قانون الزواج الأحادي بعد أن أقره البرلمان في 21 أغسطس آب. وأعيد القانون لفترة وجيزة إلى البرلمان للمراجعة قبل التوقيع عليه.

وينص مشروع القانون على توقيع عقوبات على الاشخاص الذين يتزوجون بأكثر من امرأة أو يعيشون مع شريك بدون زواج. وتنفي الحكومة ان القانون يستهدف المسلمين الذين تشير التقديرات بأنهم يمثلون نحو خمسة في المئة من السكان وبعضهم يمارس تعدد الزوجات. ووقع الرئيس ايضا في وقت سابق على قانونين اخرين يضعان قيودا على التحول الديني والزواج بين اشخاص من ديانات مختلفة.

وهذه الاجراءات جزء من اربعة "قوانين لحماية العرق والدين" تدعمها لجنة حماية الجنسية والدين. وقال مسؤول من منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الانسان إن القوانين تمثل خطورة بالنسبة لميانمار. وقال فيل روبرتسون نائب مدير المنظمة لشؤون اسيا "انها (القوانين) تحدد امكانية التمييز على اساس ديني وتمثل امكانية حدوث توتر طائفي خطير."

من جانب اخر انتقدت جماعات حقوقية قانونا جديدا يجبر بعض النساء في ميانمار على انجاب الأطفال بفارق ثلاثة أعوام بين كل طفل قائلة إنه سيستغل لاستهداف الأقلية المسلمة في البلاد. وأعلنت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة أن رئيس ميانمار ثين سين وقع على قانون الرعاية الصحية وتنظيم النسل. وتدعم القانون جماعة لجنة حماية الجنسية والدين البوذية القومية المتطرفة المعروفة أيضا باسم ما با ثا. حسب رويترز.

وأججت المجموعة المشاعر المعادية للمسلمين بالقول إن المسلمين لديهم معدلات إنجاب مرتفعة وسيفوقون الأغلبية البوذية في البلاد عددا في نهاية المطاف. وقالت خين لاي مؤسسة مجموعة ترايناجل ويمن سابورت ومقرها يانجون والتي تقدم التدريب المهني والسياسي للنساء وتعارض القانون "هذا القانون يستهدف دينا واحدا ومجموعة واحدة في منطقة واحدة." وتنفي الحكومة التمييز ضد المسلمين وتقول إن القانون الجديد يهدف إلى تحسين صحة الأم وحماية الطفل. ولم يتضح بعد كيف سيتم تنفيذ القانون.

على صعيد متصل أصدرت ميانمار البيانات النهائية لأول إحصاء سكاني شامل منذ 30 عاما مستثنية منه أقلية الروهينجا المسلمة فضلا عن معلومات حساسة عن العرق والمعتقدات الدينية لشعبها البالغ عدده 51.5 مليون نسمة. ويعيش معظم أفراد أقلية الروهينجا المسلمة وعددهم 1.1 مليون شخص في ظروف شبيهة بالفصل العنصري في ولاية راخين الغربية وهم لا يحملون أي جنسية أو وثائق تثبت انتماءهم لأي دولة. ونزح نحو 140 ألفا منهم جراء اشتباكات عنيفة مع الأغلبية البوذية في راخين عام 2012 كما ترفض ميانمار منحهم الجنسية ويشكون من التمييز الذي تمارسه الدولة ضدهم منذ فترة طويلة.

وكانت حكومة ميانمار قد تعهدت لرعاة دوليين بأنها ستسمح لهم بالتعريف عن أنفسهم كروهينجا في الإحصاء السكاني الذي جرى بين مارس آذار وأبريل نيسان 2014 لكنها تراجعت قبل يوم من بدء العملية وقالت إنها ستمنع ذكر هذه الصفة في البيانات. وقال فيجاي نامبيار المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ميانمار "في ولاية راخين الشمالية استبعدت شريحة كبيرة من السكان خارج العملية (الإحصائية) وسط توترات اجتماعية مستمرة ومطالبة الكثير من السكان المحليين بالتعريف عن أنفسهم بهويتهم كروهينجا وهو مطلب لم تستجب له السلطات."

ميانمار نحو الصراع

من جانب اخر قالت محققة بالأمم المتحدة في تقرير إن ميانمار تنزلق نحو الصراع نظرا لتراجع الحكومة عن تعهداتها بحماية حقوق الإنسان فضلا عن انتشار "الخوف وانعدام الثقة والعداء". ولم تشهد يانج هي لي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في ميانمار "أي تحسن" في أحوال النازحين الروهينجا المسلمين منذ زيارتها السابقة للتحقيق في مزاعم إساءة معاملتهم من قبل الأغلبية البوذية في ولاية راخين.

ولاحظت "جوا متزايدا من الخوف وانعدام الثقة والعداء" خلال زيارتها الأخيرة في يناير كانون الثاني لماضي عندما نعتها راهب بوذي بارز بالعاهرة. وشهدت لي أوضاعا "مروعة" في مخيم لاحتجاز النازحين المسلمين حيث أبلغها رئيس وزراء ولاية راخين أن ذلك من أجل أمنهم. وذكر تقرير لي لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "قال كثير من الناس للمقررة الخاصة إنهم يختارون بين البقاء والموت أو الرحيل في قوارب."

وأدت انتهاكات حقوق الإنسان في راخين إلى عمليات تهريب للبشر من المنطقة إلى تايلاند أو ماليزيا. وقالت لي إن الأقلية المسلمة وغالبيتها بدون جنسية ستكون الخاسر الأكبر من قانون جديد يقيد عضوية الأحزاب السياسية على المواطنين. علاوة على ذلك كانت المحكمة الدستورية في ميانمار جردت جميع حاملي بطاقات التسجيل المؤقتة من حقوق التصويت في الاستفتاء المقبل على الدستور. حسب فرانس برس.

وقالت لي إن هذه خطوة إلى الوراء في طريق الإصلاح ودعت إلى تمكين "جميع سكان ميانمار" من التصويت في الانتخابات والاستفتاء. وكتبت لي "يجب على الحكومة التركيز على تمكين السكان بمن فيهم الشباب والنساء للتأكد من أن جيلا جديدا يمكنه أن يعمل معا لإقامة دولة مزدهرة ومستقرة تغير الانزلاق الحالي نحو القومية المتطرفة والكراهية الدينية والصراع." ويحدث أيضا تصعيد للعنف مثير للقلق قرب الحدود الصينية مما أدى إلى اعلان حالة الطوارئ التي قالت لي إنها يجب أن تطبق مع مراعاة "المحاسبة الصارمة وضمانات حقوق الإنسان".

الى جانب ذلك انتقدت ميانمار مسؤولة بالأمم المتحدة لاستخدامها لفظ "الروهينجا" في التحدث عن الأقلية المسلمة المضطهدة التي تشير إليها الحكومة بلفظة "البنغال" مما يعني ضمنا أنهم مهاجرون غير شرعيين من بنجلادش المجاورة. وانتقدت وزارة الخارجية في ميانمار تصريحات لي في بيان صحفي نشرته صحيفة جلوبال نيو لايت المدعومة من الدولة. وقالت الوزارة "استخدام الأمم المتحدة لمثل هذا اللفظ يثير استياء قويا لدى شعب ميانمار وهو ما يجعل جهود الحكومة أصعب في مواجهة القضية."

ويذكر ان الرئيس الامريكي باراك اوباما دعا ميانمار الى انهاء التمييز ضد الروهينجا وحث الحكومة في أشد عباراته عن الاضطهاد الذي تتعرض له الاقلية المسلمة على اعطائهم حقوقا متساوية. وقال اوباما "إدراك بأن كل الناس متساوون امام القانون." وقال "اعتقد ان التمييز ضد الروهينجا او اي أقلية دينية اخرى لا يعبر عن الدولة التي تريد بورما ان تكونها على المدى البعيد" مستخدما الاسم القديم لميانمار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0