حرية التعبير عبر الإنترنت، لا تزال محط اهتمام عالمي خصوصا بعد ان سعت بعض الحكومات والدول والمؤسسات الى تشديد الرقابة وتضيق الخناق، من خلال اعتماد قوانين وإجراءات وتطبيقات وبرامج خاصة تتيح لها السيطرة والتجسس على الفضاء الإليكتروني، يضاف إلى ذلك عمليات القرصنة والاستهداف المستمرة التي أصبحت مصدر قلق للجميع من يستخدم الشبكة العنكبوتية من خلال أجهزة الحاسوب والهواتف الذكية، وقد كشفت بعض الدراسات ان أن نحو 97% من التطبيقات لديها إمكانية الوصول إلى بيانات المستخدمين بما فيها جهات الاتصال وسجل المكالمات والبريد الإلكتروني، و86 % تلك التطبيقات تفتقر في مجملها للتحصين الأمني اللازم لحماية البيانات، كما أشارت هذه الدراسات أيضاً إلى أن 75 %من التطبيقات التي تم اختبارها فشلت في تشفير البيانات بالشكل الصحيح.

ويقول مؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج، في كتابه سيفير بانكس: المشفرون البرمجيون.. الحرية ومستقبل الإنترنت عام 2012، والذي أفرد صفحاته لمناقشة قضية تأثير الاتصالات الإلكترونية على مستقبل الحريات الفردية والجماعية، وأسرار تحكم الشركات الضخمة والحكومات بالعالم: لقد انتقل الإنترنت إلى مرحلة حرجة أصبحت فيها الحريات على الشبكة العنكبوتية على المحك، حيث تحول إلى ديكتاتور جديد يستعبد المستخدمين، بدلا من تحريرهم ، وتحولت مواقع إلكترونية مثل جوجل وفيس بوك، إلى أكبر آلة مراقبة ترصد أفعالنا اليومية وعلاقتنا واهتماماتنا وتوجهاتنا الجنسية وعقائدنا الدينية.. إلى الحد الذي تعرف فيه عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا...

ويتوصل الكتاب إلى أن سياسات الإنترنت قد وصلت إلى مفترق طرق بسبب عدم التزام جميع الأطراف بالتشريعات المتعلقة بالفضاء الإلكتروني كقوانين "أي سي تي أي" اتفاقية مكافحة التجارة المزورة و"أس أو بي أي" قانون إيقاف القرصنة الإلكترونية الذي أعده الكونغرس الأميركي لمنح السلطات الأمنية القدرة على متابعة الاقتفاءات الإلكترونية وحماية حقوق النشر. ويرى الكتاب أن مستقبل الإنترنت يتموضع بين اتجاهين، الأول يحكمه شعار "الخصوصية للضعفاء والشفافية للأقوياء" والثاني يسمح للحكومات والشركات العملاقة بالتعرف على نشاطات مستخدمي الإنترنت كما لم يحدث أبدا من قبل بينما تقوم هي بإخفاء نشاطاتها.

ماليزيا

وفي هذا الشأن قال وزير الاتصالات الماليزي إن بلاده ستطلب من ثلاث شركات للتواصل الاجتماعي والإنترنت التحكم في المحتوى من أجل السلامة العامة. وهذا الطلب هو أحدث محاولة من حكومة ماليزيا لإخماد المعارضة بعد أن أصبح رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق جزءا من جدل الديون الكبيرة لصندوق التنمية الماليزي (1ام.دي.بي).

وكتب وزير الاتصالات صالح سعيد كيرواك في مدونته إن مفوضية الاتصالات والوسائط الإعلامية المتعددة الماليزية ستجتمع مع فيسبوك وجوجل وتويتر "قريبا لطلب تعاونها في كبح المد المتزايد للمعلومات الخاطئة والشائعات." واضاف "بيئة الإنترنت ليس فضاء بلا قانون ويمكن اتخاذ اجراء ضد أي شخص يثبت انتهاكه للقانون بما في ذلك الفضاء الالكتروني" دون التطرق لمزيد من التفاصيل.

ويتعرض نجيب (62 عاما) لضغوط منذ ظهور تقارير بان نحو 700 مليون دولار نقلت إلى حساباته الشخصية. ولم يتسن التأكد من تلك التقارير. ونفى رئيس الوزراء ارتكاب أي خطأ وقالت هيئة مكافحة الكسب غير المشروع التي تحقق في تحويل الأموال إلى حساباته إن الأموال كانت "تبرعات" وليست من صندوق تنمية ماليزيا (1ام.دي.بي). وتحقق السلطات في مزاعم بالتربح وسوء الادارة المالية بصندوق (1ام.دي.بي) الذي تجاوزت ديونه 11 مليار دولار. ويرأس نجيب المجلس الاستشاري للصندوق. بحسب رويترز.

وأقال رئيس الوزراء نائبه ووزراء اخرين بعد ان سألوه علنا بشأن أمور الصندق. وأوقفت الحكومة اصدار صحيفتين وموقعا على الإنترنت كانوا يكتبون عن الصندوق. وقال الناشط المنادي بالديمقراطية منديب سينغ كاربال إن الحكومة تحاول السيطرة على حرية التعبير من خلال تضييق الخناق على وسائل التواصل الاجتماعي حيث يعبر الكثير من الماليزيين عن ارائهم السياسية خاصة الشباب. وقال متحدث باسم جوجل في كوالالمبور إن الشركة دائما "كانت في حوار مع" مفوضية الاتصالات والوسائط الإعلامية المتعددة الماليزية لكنه رفض التعليق على طلب الحكومة بالتحكم في المحتوى. ولم يتسن الحصول على تعليق من فيسبوك وتويتر.

روسيا

في السياق ذاته انتقد إدوارد سنودن، مسرب معلومات الاستخبارات الأمريكية الملاحق من قبل الولايات المتحدة، القيود المفروضة على الإنترنت وحقوق الإنسان في روسيا حيث يقيم في الوقت الراهن، بموجب حق لجوء سياسي مؤقت صدر منذ عامين. وجاءت تلك الانتقادات على لسان سنودن أثناء مكالمة بالفيديو بُثت عبر الإنترنت أثناء تسلمه جائزة حرية التعبير من النرويج.

واتهم المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية، روسيا بمحاولة التحكم في الإنترنت، وما يمكن للمستخدمين مشاهدته عبر الشبكة الدولية للمعلومات وكذلك في حياتهم الشخصية. وأكد على أنه لم يختر الذهاب إلى روسيا، لكنه يعيش هناك بشكل طبيعي رغم أنه كان يفضل أن يبقى في بلاده. ووصف سنودن ما تمارسه روسيا من سيطرة على الإنترنت، وما رآى أنه انتهاكات لحقوق الإنسان وقمع للحريات بأنه "خطأ جسيم".

وأضاف أن تلك الممارسات "خطأ في روسيا، وستكون خطأ في أي مكان في العالم."، مشددا أن السيطرة على الإنترنت وقمع الحريات وغيرها من الممارسات ما هي إلا جزء من مشكلة أكبر في روسيا. وشدد الأمريكي الهارب من ملاحقة الأجهزة الأمنية الأمريكية، البالغ من العمر 32 عاما، على أن ما اكتشفه من أساليب للتحكم في الإنترنت وانتهاكات لحقوق الإنسان في روسيا يُعد "مخيبا للآمال، ومحبطا".

وقال سنودن: "اعترضت بشدة على تلك الممارسات في الماضي وسأواصل معارضتها في المستقبل، لأننا نرى الحكومة الروسية تتحكم في الإنترنت أكثر فأكثر وكذلك فيما يراه الناس، حتى أنها تتحكم في جزء من حياتهم الشخصية والطريقة التي يعبرون بها عن حبهم لبعضهم البعض، وهو ما أعده خطأ جسيما." وتابع "روسيا لم تكن أبدا اختياري، فقد تقدمت بطلبات لجوء سياسي لـ 21 دولة، ولم أتلق أي رد، وكانت روسيا في ذيل قائمة البلاد التي تقدمت إليها بطلبات لجوء."

وصرح مسرب بيانات المخابرات الأمريكية، في أكثر من مناسبة، بأن جوليان أسانغ، مؤسس موقع ويكليكس، هو صاحب فكرة مغادرته جزر هاواي إلى روسيا. ولجأ أسانغ إلى سفارة الإكوادور في لندن، خوفا من إلقاء السلطات البريطانية القبض عليه وترحيله إلى السويد للمثول أمام المحكمة ومواجهة تهم اعتداء جنسي. وأضاف سنودن "أسانغ كان حسن النية، على ما أعتقد، لأنه كان يركز بصفة أساسية على سلامتي واهتم أكثر بتوفير الحماية لي عندما نصح بسفري إلى روسيا." بحسب بي بي سي.

ولفت: "أما أنا، فلم أكن أعير سلامتي الشخصية اهتماما ولم أسع إلى طلب الحماية. ولم أتوقع أبدا أن أكون حرا طليقا كما أنا اليوم، بل كنت على يقين من أنني سأودع السجن." وانتقد خبير الكمبيوتر "الدول المتقدمة" بتجاهل اهتمام الشعوب بمراقبة المخابرات من خلال فرض قوانين أكثر صرامة "عفا عليها الزمن"، والتي أوضح أنها لا تكون مفيدة. وقال "تلك الدول تقول إنه هذه الممارسات ستبقيها آمنة"، لكن في هجوم "الجهاديين" على مقر مجلة شارلي إبدو الساخرة في فرنسا، في يناير/ كانون الثاني الماضي، قال مسؤولو الاستخبارات إنهم يعرفون الجناة، "لكنهم لم يتمكنوا من إحباط الهجوم." وكانت الولايات المتحدة قد أصدرت مذكرة اعتقال في حق سنودن في 2013 عقب تسريبه لوثائق تكشف بعض الحقائق عن حجم برامج المراقبة التي تشغلها الولايات المتحدة.

ألمانيا

على صعيد متصل انتهى السجال الدائر في ألمانيا حول انتهاك أهم مؤسسة قضائية في البلاد لحرية الصحافة، والذي تسبب بإقالة النائب العام في البلاد هارلد رانغ من منصبه باتخاذ القائم بأعماله غيرهارد التفاتر قرارا بإغلاق تحقيق يأخذ مساره الروتيني مع موقع نيتسبوليتيك دوت أورغ الإخباري كان قد فتحه رانغ ضد الصحيفة الإلكترونية التي اتهمها بـ الخيانة لقيامها بتسريب وثائق حول رفع درجة ومستوى مراقبة الدولة للاتصالات عبر الإنترنت. ورفض التفاتر وكما نقلت صحيفة الاتحاد، اعتبار الأسرار التي سربها الموقع تهدد الأمن القومي، كما ورد في حيثيات القرار الملغى. وكان وزير العدل هايكو مايس قال إن ثقته برانغ اهتزت كثيراً فقرر إقالته من منصبه بالاتفاق مع المستشارية.

وتكشف الوثائق المسرية أن دائرة مكافحة التجسس الفيديرالية طلبت من الحكومة تخصيصات مالية إضافية لتمويل برامج عمل القسم المستحدث الذي تتركز مهمته على مراقبة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعية. وأثار الموقع المتخصص في الدفاع عن حقوق العاملين في القطاع الرقمي بنشره مطلع العام وثائق تشير إلى خطط جهاز الاستخبارات الداخلية لمراقبة الإنترنت. وكشف الموقع أن رانغ فتح تحقيقاً أولياً بتهمة كشف أسرار دولة بحق اثنين من صحافييها، الأمر الذي لم يحصل في ألمانيا منذ مطلع الستينات.

المسألة اكتسبت بعداً أكبر لأن رانغ هو نفسه كان تخلى عن كل الملاحقات في إطار قضية التجسس على الهاتف المحمول للمستشارة ميركل من قبل وكالة الأمن القومي الأميركية. ورفض رانغ تدخل الوزير في عمله، وقال: إن التأثير على مجريات التحقيق خشية أن تكون نتائجه غير مناسبة على السياسيين هو بمثابة اعتداء على استقلال القضاء، مضيفاً أن حرية الصحافة لا تعفي صحافيي الإنترنت من واجب التقيد بالقانون واحترامه.

وتدخلت وزارة الداخلية في السجال الدائر، معتبرة أن ما حصل من جانب الصحافيان يمكن أن يعد خيانة عظمى، فيما أعربت رابطة الحكام عن دعمها وتأييدها للنائب العام. ويواصل الصحافيان المتهمان بالخيانة، وهما رئيس تحرير المدونة ماركوس بيكدال والمحرر اندريه مايستر تأكيدهما على صدقيه المعلومات التي كشفوها والتي في جوهرها تمثل مقاطع من وثائق رسمية مرسلة إلى لجنة برلمانية، وأخرى تعليمات رسمية في غاية السرية. النائب العام مع ذلك ظل مصراً على اتهامه للحكومة بأنها أرادت إبعاد الخبير الذي عينه لفحص أصالة الوثائق المنشورة بعد تلقيها معلومات بأن تقريره النهائي سيتضمن أدلة تؤكد ارتكاب الصحافيين لجريمة كبيرة. وقال: إن التأثير على مجرى التحقيق لأنه وصل إلى أدلة وقرائن لا تخدم سياسات السلطة من شأنه أن يقوض استقلالية القضاء.

وأشارت محطة بي بي سي إلى أن واقعة Netzpolitik.org أثارت حركة احتجاجات شعبية تدعم حرية الصحافة، ما أرغم الحكومة على الخروج ببيان رسمي يؤكد أن الدولة الألمانية تحمي حرية الكلمة والصحافة. ودخلت المستشارة أنغيلا ميركل على خط السجالات مشددة على أن أحداً في الحكومة لا يحاول كم أفواه الصحافيين أو ممارسة الضغوط على وسائل الإعلام. ويختص موقع Netzpolitik.org بالقضايا السياسية، وحماية البيانات، وحرية تبادل المعلومات، والحقوق الرقمية. وبدأت النيابة العامة التحقيق مع الصحافيين استجابة لطلب من جهاز مكافحة التجسس والذي يعرف في ألمانيا باسم دائرة الدفاع عن الدستور اثر نشر الموقع تحقيقين استقصائيين في 25 شباط (فبراير) و15 نيسان (أبريل). وردت رابطة الصحافيين الألمان (DJV) على إجراءات النائب العام الفيديرالي بوصفها بأنها هجوم سافر على حرية الصحافة، وجزمت بأنها لن تتراجع أمام هذا الابتزاز الذي يمثل محاولة للتأثير على الصحافيين ومصادر معلوماتهم بغية التوقف عن نشر مزيد من المعلومات عن أكبر فضيحة للرقابة والتنصت في التاريخ.

ومن جانبها وجهت ممثلة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي لحرية الصحافة دنيا مياتوفتش رسالة إلى وزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير تحذره من خطر إدانة الصحافيين بالخيانة العظمى لأنه ستكون له تأثيرات مدمرة على الصحافة الاستقصائية في ألمانيا. ويعتبر قانون العقوبات الألماني نقل أسرار الدولة إلى بلد اجنبي خيانة عظمى. ووفقاً للنائب العام المقال فإن الصحافيين مايستر وبيكدال لم يكشفا فقط أسراراً تشكل خطراً على المصالح الاجتماعية للبلاد، بل ارتكبا جريمة الخيانة العظمى، والعقوبة في حال الإدانة تتراوح بين السجن سنة والسجن مدى الحياة.

تايلاند

من جانب آخر برأت محكمة في جزيرة بوكيت التايلاندية صحفييْن من تهم التشهير بالقوات البحرية التايلاندية وانتهاك قانون جرائم الإنترنت. وكان المحرر الأسترالي ألان موريسون والمراسلة التايلاندية شوتيما سيداساثيان يواجهان احتمالا بالسجن بسبب فقرة بمقال نشر عام 2013 عن الاتجار بالبشر. ويعمل الاثنان في موقع أخبار تايلاند "Phuketwan".

وتضمن المقال فقرة، أوردتها وكالة رويترز، لأحد المهربين الذي لم يذكر اسمه، عن أن القوات البحرية التايلاندية جنت أموالا من خلال غض الطرف عن عمليات التهريب. وكانت وكالة رويترز وموقع أخبار تايلاند أول من حقق في تقارير حول علاقة تايلاند بالاتجار في مواطنين من الروهينغا من ميانمار وبنغلاديش. وقالت شوتيما للصحفيين خارج المحكمة إن الحكم يمثل "خطوة مهمة لحرية التعبير والصحافة في تايلاند". وأضافت: "أشعر بالسعادة لما أوضحته المحكمة من أن المعلومات التي قدمناها كانت مفيدة للمجتمع، ولم تكن تشهيرا". بحسب بي بي سي.

وأثارت محاكمة الصحفييْن إدانات واسعة لمنظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة. ووصفت منظمة العفو الدولية حكم البراءة بأنه "خطوة جديرة بالترحيب نحو حرية التعبير". وأسفرت حملة أمنية شنتها السلطات التايلاندية، في وقت سابق، عن اعتقال العشرات المشتبه فيهم. وكان من بين المعتقلين مسؤولون محليون وضابط كبير في الجيش.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0