باتت ظاهرة الهجرة الى اوروبا اشهر من نار على علم لاسيما من لدن الدول تعاني من حروب وعدم استقرار امني واقتصادي منها دول الشرق والاوسط وبعض الدول الافريقية، إذ لا تزال هذه الظاهرة المتفاقمة تستقطب اعدادا قياسية من طالبي اللجوء والمهاجرين على الرغم من المخاطر والصعوبات التي تواجههم فيه رحلتهم الى ارض الاحلام كما يعتقدون التي اصحبت نهايتها الموت الوشيك.

وعلى الرغم من جميع الأسباب التي تدعو إلى مغادرة الوطن، وفي مقدمتها الحلم في حياة أفضل والرغبة في التحرر من الأوضاع التي لا تطاق، إلا إن شريحة الأطفال هي المتضرر الأول من الهجرة، لأنهم لا يدركون الأسباب التي أجبرت أسرهم على الهجرة، ولا يؤخذ رأيهم إن كانوا يرغبون بمغادرة منازلهم ووطنهم والذهاب إلى موطن أخر لا يعرفون عنه شيء وربما لا يتأقلمون مع مجتمعه بسهولة.

فهم أكثر من سيشعر بألم الغربة، إذ سيفتقدون عالمهم الاجتماعي الأليف والجو الدافئ الذي كانوا محاطين به من كل الجهات (الوالدين, الأجداد, الأعمام, الأخوال، العمات والخالات) فيعتبر هؤلاء بالنسبة للطفل هم مصدر الحب والأمان ويحظى بينهم برعاية واهتمام قد لا يحصل عليه بعد إن هاجر مع أسرته، وتؤدي الهجرة إلى زعزعة الثقة بالنفس، في بادئ الأمر لا يمكن ملاحظة ذلك ولكن يمكن ملاحظته بعد مرور سنوات عديدة.

فتؤثر الهجرة على الوضع النفسي والاجتماعي للفرد، ويتعرضون للصدمة النفسية والتوتر والاكتئاب بسبب المخاطر التي تواجههم، لان الهجرة تكون غير مدروسة وغير مخطط لها مسبقاً، فيفقدون طفولتهم، وتجبرهم الظروف وقسوة الحياة على لعب دور الكبار من اجل الاستمرار في العيش، فهم بحاجة إلى علاج للتقليل من الاضطرابات النفسية والعودة لحياتهم الطبيعية، كالرسم مثلاً لان هذا النوع من العلاج يمكن أن يحل محل العلاج التقليدي المتعارف عليه، في حالة ما إذا كان المريض من النوع، الذي لا يتحدث كثيرا، أو لا يجيد لغة الطبيب المعالج كما في حالة الأطفال اللاجئين بحسب المختصين.

وتستمر مأساة ومعاناة المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى الأراضي الأوروبية، بين الطفل السوري الغريق وميلاد "شمس" في المجر، حيث تصدرت الصفحات الأولى من الصحف صورة صادمة لطفل سوري طريح على شاطئ تركي بعدما غرق قارب كان يحمله مع آخرين تجاه الشواطئ، وأيضاً تناقلت الصحف وبجانبها صورة للطفلة "شمس" التي ولدت لأرملة سورية داخل محطة قطارات في المجر، وقامت وامرأة متطوعة بمؤسسة "Migration Aid" بساعدة المرأة السورية على وضع مولودها قولها إن "الطفلة ولدت هنا لأن الإسعاف رفضت نقل الأم إلى المستشفى".

وقد أوجزت صورة طفل منكفئ على وجهه على ساحل البحر فقد حياته بسبب الهجرة مأساة المهاجرين الفارين من الحروب الى الموت، وقد اثارت غضبا دوليا حول الثمن الانساني لأزمة اللاجئين المعتملة، وقد رصدت (شبكة النبأ المعلوماتية) بعض الأخبار والدراسات نستعرض أبرزها في التقرير أدناه.

صورة طفل تثير صدمة حول العالم

في سياق متصل أثارت صورة جثة طفل سوري توفي غرقا بعدما جرفته المياه إلى شاطئ أكبر المنتجعات السياحية في تركيا صدمة حول العالم، حيث تناقلتها بكثافة مواقع التواصل الاجتماعي وتصدرت الصفحات الأولى لأهم الصحف الأوروبية الصادرة، تصدرت صورة جثة طفل سوري، قضى غرقا وجرفته المياه إلى شواطئ أكبر المنتجعات السياحية التركية الصفحات الأولى للصحف الأوروبية، بعد أن أثارت موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي واعتبرها مغردون شهادة على موت ضمير العالم. بحسب فرانس برس.

ونشرت وكالة دوغان للأنباء صورة جثة طفل صغير يرتدي قميصا أحمر وملقى على وجهه على الشاطئ قرب بودروم، إحدى المنتجعات التركية الرئيسية، وانتشر هاشتاغ "الإنسانية على الشاطئ" على موقع تويتر وأصبح بين القضايا الرئيسية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير، وتختزل هذه الصورة معاناة وآلام السوريين الفارين من الصراع في بلادهم.

وقد قضى 12 مهاجرا سوريا على الأقل قبالة سواحل تركيا بعد غرق زورقين متجهين من مدينة بودروم الساحلية جنوب غرب البلاد إلى جزيرة كوس اليونانية، بحسب خفر السواحل التركي والإعلام، بينما تم إنقاذ 15 شخصا آخرين. كما تمكن عدد آخر من النجاة بعد الوصول إلى الشاطئ وهم يرتدون سترات نجاة، وقالت وكالة دوغان إن معظم اللاجئين من بلدة كوباني (عين العرب)السورية الكردية فروا إلى تركيا العام الماضي هربا من عنف تنظيم "الدولة الإسلامية".

وصرح مسؤول في جهاز خفر السواحل التركي رافضا الكشف عن هويته أن صراخ المهاجرين المنكوبين أنذر جهاز خفر السواحل التركي الذي تدخل بسرعة، ومنذ أشهر يتزايد عدد المهاجرين، وأغلبهم من السوريين والأفغان والأفارقة، الذين يحاولون عبور بحر إيجه في ظروف شاقة للوصول إلى الجزر اليونانية باعتبارها مدخلا إلى الاتحاد الأوروبي.

ويدفع الساعون إلى الهجرة للانتقال من بودروم إلى كوس أكثر من ألف دولار للفرد، لعبور الممر البحري الأقصر بين تركيا وأوروبا، وتؤكد السلطات التركية إنقاذ أكثر من 42 ألف مهاجر قبالة سواحلها منذ مطلع العام 2015، وتستقبل تركيا وحدها حوالى مليوني سوري نزحوا بسبب الحرب في بلادهم منذ أكثر من أربع سنوات.

المهاجرون الأطفال

في حين فر اسماعيل بنجورا اليتيم ابن الستة عشر عاما من سيراليون في يوليو تموز الماضي عندما أهلك فيروس الايبولا ثمانية من أفراد عائلته، وبعد شهور وبينما هو في طريقه من ليبيا إلى إيطاليا انقلب المركب الذي كان يقله، ونجا من الموت بالتعلق بحبل ألقته سفينة إنقاذ بينما غرق العشرات من حوله في البحر، واليوم يعيش بنجورا في ملجأ في هذه البلدة الصقلية الواقعة على قمة تل، وأصبح فردا من جيش متنام من المهاجرين الأطفال اليتامى الذين تلقي بهم الأمواج على شواطيء أوروبا لتضيف عنصرا مأساويا جديدا لأزمةالهجرة إلى القارة الاوروبية. بحسب رويترز.

وقال بنجورا صاحب الصوت الخفيض في صباح أحد الأيام في الاسابيع الأخيرة وهو يجلس في الفناء الأمامي للملجأ "أنا سعيد لأني ما زلت على قيد الحياة"، وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن عدد المهاجرين الوافدين إلى إيطاليا بحرا هذا العام سيتجاوز الرقم القياسي الذي سجل العام الماضي وهو 170 ألفا، وفي الأسبوع الماضي وحده وصل 10 آلاف مهاجر، وقال ناجون إن 400 آخرين غرقوا قبل الوصول إلى الشواطيء الايطالية.

وشهد عدد القصر الذين يسافرون وحدهم دون عائل أو ولي أمر في هذه الهجرة الجماعية زيادة كبيرة وارتفع عدد القصر الوافدين إلى ايطاليا لثلاثة أمثاله في عام 2014 مقارنة بالعام السابق، ويمثل ذلك مشكلة على وجه الخصوص للدول الأمامية مثل ايطاليا واسبانيا واليونان، ويمنع القانون الايطالي ترحيل القصر إلى بلدانهم الأصلية ويفرض على الحكومة توفير الرعاية الصحية والتعليم لهم.

وتتعرض الدول المضيفة لضغوط بالفعل، ففي ايطاليا يعيش الآن 13 ألفا من المراهقين أغلبهم من الصبية الهاربين من الصراعات والفقر والاضطهاد في مراكز لايواء المهاجرين بجوار الملاجيء المقامة لايواء البالغين والتي امتلأت عن آخرها بنحو 80 ألفا من المهاجرين، ومن المتوقع أن ترتفع الأعداد بسبب الطفرة السكانية العالمية، ويقول صندوق السكان التابع للامم المتحدة إن عدد الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة والعشرين يزيد الآن على ما كان عليه في أي وقت خلال تاريخ البشرية أغلبهم يعيشون في دول فقيرة.

وقال موريزيو البحري الأستاذ بجامعة نوتر دام في ساوث بيند بولاية انديانا ومؤلف كتاب سينشر قريبا بعنوان "جرائم السلام: هجرات البحر المتوسط وأكثر حدود العالم فتكا" إن البحر المتوسط سيظل معبرا مزدحما ومنطقة لهلاك العابرين، وفي مواجهة هذا الاحتمال تحاول ايطاليا تطبيق نظام طويل الأجل لايواء موجات القصر الوافدين مستقبلا ودمجهم في المجتمع.

وتسعى ايطاليا للاستفادة من أموال الاتحاد الاوروبي في فتح ملاجيء جديدة تخضع لمراقبة الجماعات ذات الاهتمامات الانسانية التي تسعى لدمج هؤلاء الصغار في المجتمع، وثمة مقاومة، فبعض الساسة اليمينيين لا سيما في شمال ايطاليا حيث الرواج الاقتصادي يعارضون فتح ملاجيء في مناطقهم، وهذا الأسبوع قال إقليما لومباردي وفينيتو الشماليان اللذان يحكمهما حزب الرابطة الشمالية المعارض للهجرة إنهما لن يقبلا أي مهاجرين جدد.

ملاجيء ايطالية، وتعد الزيادة في أعداد المهاجرين عبر البحر المتوسط هذا العام نتيجة رئيسية لعدم الاستقرار السياسي في الصومال واريتريا وكذلك ما حدث مؤخرا في ليبيا من انهيار للنظام بالإضافة إلى الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، وفي العام الماضي دفعت مخاوف مالية ايطاليا لوقف مهمة دائمة للبحث والانقاذ تحت مسمى ماري نوستروم، غير أن حرس الحدود وسلاح البحرية في جنوب ايطاليا ما زالا ينقذان المهاجرين يوميا خشية غرقهم وسط الأمواج العاتية.

وتفصل ايطاليا القصر الواصلين دون عائل عن البالغين في الملاجيء. غير أن الكثير من ملاجيء الصغار تفتقر للمتخصصين بمن فيهم المترجمون والمدرسون. ولم توفر هذه الملاجيء للوافد أكثر من فراش للنوم ووجبة وبعض الملابس الرخيصة، وقال ماريو موركوني المسؤول عن الهجرة في وزارة الداخلية أمام لجنة برلمانية الشهر الماضي "الطريقة التي استوعبنا بها أكثر من 14 ألف قاصر في العام الماضي تجعلني أشعر بالخزي لكوني ايطاليا."

وتحاول ايطاليا تغيير دفة الأمور، ففي مارس آذار استكملت الدولة مناقصة بقيمة 13 مليون يورو لانشاء عشرة مراكز إيواء جديدة كملجأ أولي للمهاجرين حيث يقيم عدد لا يتجاوز 50 قاصرا في الملجأ ويحصلون على الرعاية الصحية الأساسية ويحضرون فصولا لتعلم اللغة لمدة تصل إلى 90 يوما.

ويجري الإعداد لمناقصة لإقامة عشرة مراكز أخرى، وبعد الإقامة في الملجأ الأولي ينقل القصر إلى تجمع يقيم فيه 12 طفلا حيث يتم قيدهم في مدرسة ويشاركون في أنشطة مختلفة من بينها كرة القدم. وتعين المحاكم الايطالية أوصياء على الأطفال الذين يشترط القانون أن يظلوا في هذه التجمعات حتى بلوغ سن الثامنة عشرة، وقال دانييل كوتونيو الاخصائي النفسي الذي يدير الملجأ الذي يعيش فيه بنجورا "نحن الآن نبني مستقبل بلدنا لأن أمامنا مزيجا من الناس الذين يعيشون هنا ويريدون العيش هنا ويريدون المساهمة."

وقال دومينيكو مانتسيوني وكيل وزارة الداخلية لشؤون الهجرة إن من المنتظر إقامة تجمعات تضم نحو ألف من القصر قريبا رغم أنه قال إن الأمر سيتطلب إقامة المزيد، وأضاف قائلا لرويترز "لا يمكن إخفاء أننا نواجه مهمة أكبر من أن تكون بسيطة لأن عدد الوافدين يفرض ضغوطا على مؤسسات تنوء بالفعل بهذا العبء".

صناعة المستقبل، ويقع الملجأ الذي يعيش فيه بنجورا و55 طفلا افريقيا غيره على مشارف مدينة كالتاجيروني التي يقل سكانها عن 40 ألفا وتشتهر بصناعة الخزف. والملجأ عبارة عن فيلا من طابقين مبنية من الحجر وبها فناء فسيح، ويقول أغلب الصبية هناك إنهم لم يخططوا للسفر إلى ايطاليا ولكل منهم سبب مأساوي دعاهم للبحث عن مستقبل بعيدا عن الوطن في سن ينشغل فيها أقرانهم في الغرب بألعاب الفيديو ودروس قيادة السيارات.

وقال أبو بكر ديبا (17 عاما) إنه رحل عن جامبيا عندما توفي أبوه وخسرت أسرته أرضها، أما مصطفى كانته (18 عاما) فقال إنه غادر جامبيا عندما مات أبوه وضربه أحد الأعيان بأنبوب معدني وهدده بالقتل، وروى كل من الصبية والشبان إنه تعرض للضرب والسجن. وقال بنجورا إنه ما زال يعاني من الصداع منذ أن تعرض للضرب بمقبض مسدس في ليبيا.

وقال بنجورا إنه اختطف لمدة أسبوعين عندما وصل إلى ليبيا وحاول خاطفه الحصول على فدية، ثم دخل السجن قبل أن يجد نفسه على مركب مبحر إلى ايطاليا، ويقول بنجورا الآن إنه يصوم ويصلي وينتظر الفرج، ويضيف "لم أكن أعرف شيئا عن ايطاليا قبل مجيئي، والآن أريد أن أقضي حياتي هنا، أنا هنا طلبا للمساعدة، ومهما فعل الايطاليون سأظل صبورا حتى يمكنهم مساعدتي.

لماذا يلعب الأطفال المهاجرون دور الكبار؟

من جانب اخر يتحول شارع كثيف الأشجار في روما إلى خلية من النشاط في وقت الغداء كل يوم حيث يصطف المهاجرون الإريتريون للحصول على طبق من الطعام خارج مركز باوباب الثقافي الذي يديره مجتمع الشتات المحلي، ومن اللافت للنظر كل تلك الوجوه الفتية، فقد فر الكثيرون من إريتريا لتجنب تجنيدهم في الخدمة العسكرية إلى أجل غير مسمى، ولكن لا يعترف أي منهم أنه تحت عمر 18 عاماً خشية أن تضعهم السلطات في مركز للأطفال المهاجرين غير المصحوبين، مما يحبط آمالهم في الوصول إلى شمال أوروبا. بحسب إيرين.

وتنص اتفاقية دبلن للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أنه عندما يتم أخذ بصمات المهاجرين في إيطاليا، فإن عليهم البقاء فيها أثناء النظر في طلبات لجوئهم وإلا سيتعرضون لخطر إعادتهم إليها، ولكن بلدان شمال أوروبا قد توفر إمكانات أفضل للعمل وفرص لجوء أفضل أو حتى فرصة لمّ شملهم مع أفراد أسرهم.

انظر: لعب يانصيب اللجوء في الاتحاد الأوروبي، ويقول أحد الشبان خارج المركز، والذي يدعي أن عمره 18 عاماً ولكنه يبدو أصغر من ذلك بكثير، أنه يأمل في الوصول إلى المملكة المتحدة لمواصلة تعليمه على الرغم من عدم وجود أقارب له هناك، قد استغرقت رحلته حتى الآن عاماً كاملاً، حيث بدأت عندما عبر الحدود من إريتريا الى إثيوبيا، قبل مواصلة السفر إلى السودان، وقد سافر محشوراً داخل سيارة لاند كروزر مع 25 آخرين لعبور الصحراء، وقد نفد الماء منهم قبل الوصول إلى معسكر يديره المهربون في ليبيا، وتحدث بخجل، رافضاً الكشف عن اسمه: "لقد كان هناك الكثير من الناس. كان هناك مرضى وأشخاص يعانون من الجرب وآخرون يعانون من مشاكل نفسية، وأولئك الذين بكوا طوال اليوم".

مشكلة متنامية، من الصعب معرفة العدد الحقيقي للأطفال الذين يصلون إلى إيطاليا دون أحد الوالدين أو وصي عليهم لأن الكثيرين منهم يتجنبون طلب المساعدة ويكذبون بخصوص عمرهم، ولكن الأرقام الرسمية مقلقة بما فيه الكفاية، ففي الفترة ما بين بداية هذا العام و20 يوليو، تم تسجيل 7,439 طفلاً غير مصحوب بأهله من أصل 80,706 مهاجراً وصلوا إلى السواحل الإيطالية، وفقاً لمنظمة إنقاذ الطفولة، وفي عام 2014، وصل 13,030 فرداً من القصر غير المصحوبين بأهلهم إلى إيطاليا، وهو ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد الذين وصلوا قبل عام.

وفي حين يشكّل الإريتريون أكبر مجموعة من الأطفال المسافرين وحدهم، يأتي الأطفال الآخرون من مجموعة من الدول، بما في ذلك أفغانستان وغامبيا. وقالت إيوا مونكور، المتحدثة باسم وكالة حماية الحدود الأوروبية (فرونتكس) أن القصر المصريين يسافرون بشكل متكرر أيضاً إلى إيطاليا وحدهم، وتابعت حديثها قائلة: "يعرف المصريون أنه بسبب وجود اتفاق ثنائي [للإعادة إلى البلد الأصلي] بين مصر وإيطاليا، تتم إعادة الجميع إلا الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً إلى مصر"، ونتيجة لذلك، فإن العديد من الأسر ترسل أكبر أبنائها على أمل أنهم سيكسبون ما يكفي لدعم أقاربهم في الوطن.

وتعتبر السلطات الإيطالية مسؤولة عن رعاية الأطفال المهاجرين غير المصحوبين ويتم أخذ غالبيتهم بشكل مباشر من الموانئ حيث تصل قواربهم إلى المراكز الحكومية المخصصة لذلك، ويقول أحمد الروسان، الوسيط الثقافي لدى منظمة أطباء بلا حدود الخيرية الطبية أن هناك نقصاً في الرعاية المتاحة في هذه المراكز، بما في ذلك نقص في المترجمين الشفويين.

فجوة في الصحة النفسية، وأضاف قائلاً: "ينبغي عليهم القيام بأكثر من ذلك بكل تأكيد. نحن نعمل الآن في مجال الصحة النفسية، وهناك فجوة كبيرة جداً، لا توجد هناك أيضاً أي وساطة أو دعم ثقافي، إنهم [الأطفال] لا يملكون القدرة على التواصل أو طلب احتياجاتهم ليتم تلبيتها"، وعلى الرغم من أن دروس اللغة متوفرة في المراكز، فإن الأعباء الإدارية المتراكمة تعني غالباً أن على الأطفال الانتظار لأشهر قبل أن يتمكنوا من بدء التعليم بدوام كامل.

رأى الكثير من الأطفال أصدقاءهم أو أشخاصاً آخرين في مجموعتهم يموتون أثناء الرحلة في الصحراء أو في البحر، ولم يكن لديهم الخبرة في التعامل مع ذلك الوضع، وأضاف الروسان أن الأطفال واجهوا في كثير من الأحيان صدمة نفسية خلال رحلتهم إلى إيطاليا وهم يصلون مشوشين، وأضاف قائلاً: "لقد التقينا بالعديد من الفتيات الصغيرات اللاتي تعرضن للعنف الجنسي في الطريق إلى ليبيا، ورأى الكثير من الأطفال أصدقاءهم أو أشخاصاً آخرين في مجموعتهم يموتون أثناء الرحلة في الصحراء أو في البحر، ولم يكن لديهم الخبرة في التعامل مع ذلك الوضع".

"الكثير منهم لا يعرف أين تقع روما على الخريطة؛ [إنهم] لا يعرفون أين هم الآن"، وهناك عدد كبير من الأطفال الذين يغادرون المراكز التي تديرها الحكومة في أقرب فرصة تتاح لهم، ولم تستطيع وزارة الداخلية الإيطالية تقديم معلومات عن عدد الأطفال غير المصحوبين الذين أصبحوا في عداد المفقودين حتى الآن هذا العام، ولكن 3,707 طفلاً اختفوا من الملاجئ الحكومية خلال عام 2014.

الهاربون في خطر، وينجح الكثيرون في مواصلة السفر إلى دول مثل ألمانيا والسويد، ولكن بعضهم يقع فريسة العمل القسري أو الاستغلال الجنسي، وقالت جيما باركين، المتحدثة باسم منظمة إنقاذ الطفولة، أن الفتيات النيجيريات عرضة بشكل خاص للاتجار بهن للعمل في الدعارة، وقد أخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إنهن يتحدثن عن شخص في قريتهن يعرف وسيلة تساعدنهن على الذهاب إلى المدرسة، أو توفر لهن العمل في أوروبا، ولكن عندما يصلن هنا، لا تبدو الأمور كذلك ويصبحن معرضات لخطر أن ينتهي بهن الأمر في العمل في الجنس".

ويعرض تجار البشر دفع تكلفة السفر لبعض الفتيات، ولكنها ليست سوى عملية احتيال لجعلهن مثقلات بالدين حتى يتمكنوا من إجبارهن لاحقاً على ممارسة الدعارة، وتحاول منظمة إنقاذ الطفولة تحديد تلك الفتيات وضمان التعامل مع محنتهن كأولوية، لكن باركين أفادت إنه لا توجد سوى نافذة زمنية قصيرة للقيام بذلك، وأوضحت قائلة: "سيحاول فريقنا من خبراء حماية الطفل بناء علاقة ثقة معهن، لا نحاول الحصول على كافة التفاصيل المتعلقة بالتجار على الفور، لأننا نريد أن يثقن بنا أكثر من المهربين"، والهدف من ذلك هو تعليم الفتيات حول حقوقهن القانونية وثنيهن عن الخروج من المراكز بعد أن يتم الاتصال بهن من قبل التجار.

وفي حين تتزايد المخاوف بشأن مصير الفتيات اللاتي يصلن إلى إيطاليا بالقوارب، يشكل الفتيان الغالبية العظمى من الأطفال غير المصحوبين الذين يسافرون إلى أوروبا، وقد شكلت طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي التي قدمها الأطفال العام الماضي أكثر من 25 بالمائة من الطلبات، سواء كانوا يسافرون بمفردهم أو مع أشخاص بالغين وشكّل الذكور 86 بالمائة من هؤلاء الأطفال.

وتقول باركين أن فشل المجتمع الدولي في التوصل إلى حلول لأزمات اللاجئين التي طال أمدها قد دفع أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم التسع سنوات للسفر إلى إيطاليا وحدهم، وتابعت قائلة: "لقد قضى الأطفال سنوات في مخيمات اللاجئين، وفقدوا الأمل في إعادة توطينهم، لذا يقوم المزيد من الأطفال بشق طريقهم إلى أوروبا لأنهم لا يرون طرقاً قانونية لهم."

وبينما كان يستريح في الظل خارج المركز الثقافي، بعد أيام من وصوله إلى إيطاليا وبعد أكثر من عام على مغادرته لإريتريا، حذّر أحد الشباب الآخرين من المشي على خطاه، وأضاف قائلاً: "إن عدم مغادرة إريتريا أمر صعب، ولكن في نفس الوقت أود التحدث عن صعوبة الرحلة، لم أكن أعرف عندما غادرت أن الرحلة ستكون صعبة لهذه الدرجة".

أطفال يختفون من مستشفى

من جانبها قالت الشرطة النمساوية إن ثلاثة أطفال سوريين وأسرهم، كان قد تم إنقاذهم من شاحنة تقل 26 مهاجرا، اختفوا من مستشفى كانوا يعالجون فيه، ونقل الأطفال إلى المستشفى في بلدة براوناو آم إن يوم الجمعة وكانوا يعانون من الجفاف الحاد، وجاء اكتشافهم بعد يوم من العثور على 71 جثة، يعتقد أنها لمهاجرين، في شاحنة في النمسا.

ونقلت وكالة فرانس برس عن الناطق باسم المستشفى قوله "توصلنا للتو أن الاطفال غادروا المستشفى يوم السبت مع ذويهم ثم اختفوا. نعتقد انهم توجهوا الى المانيا"، ودعت عدة دول أوروبية لمحادثات عاجلة بشأن أزمة المهاجرين، وتقول الشرطة النمساوية إنها أوقفت الشاحنة الصغيرة في براوناو، الواقعة على الحدود مع ألمانيا، وألقت القبض على سائقها الروماني.

وتوجد تقارير عن الأطفال، وهم بنتان وصبي تتراوح أعمارهم بين عام واحد وخمسة أعوام، كانوا في الشاحنة المزدحمة بمهاجرين من سوريا وأفغانستان وبنغلاديش، وتقول الشرطة إنهم كانوا في حالة حرجة وفي شبه فقدان للوعي عندما عثر عليهم، وتقول بيثاني بيل مراسلة بي بي سي في براوناو إنهم واسرهم اختفوا من المستشفى.

وتعتقد السلطات إنهم قد يكونوا حاولوا عبور الحدود إلى ألمانيا بدلا من ترحيلهم إلى المجر، وفي تطور منفصل، قالت الشرطة المجرية الأحد إنها القت القبض على رجل خامس فيما يتعلق بوفاة 71 شخصا عثر عليهم في شاحنة مهجورة في النمسا الخميس الماضي، والرجل هو رابع بلغاري يحتجز بشأن العثور على الشاحنة بالقرب من الحدود مع المجر، والرجل الخامس أفغاني، وتعتقد السلطات أن الخمسة اعضاء في عصابة لتهريب الأفراد.

وفي حادث منفصل، غرق قارب يقل مهاجرين قبالة الساحل الليبي، مما أدى إلى مقتل سبعة أشخاص، حسبما قال مسؤول محلي، وقال محمد المصراتي المتحدث باسم الهلال الأحمر في طرابلس "وصلتنا تقارير بالعثور على جثث سبعة مهاجرين غير شرعيين غرقوا قبالة سواحل الخمس، ولكن لم تصلنا تقارير عن عدد المهاجرين الذين كانوا على المركب".

علاج الأطفال اللاجئين

في السياق ذاته يعاني الأطفال السوريون اللاجئون من آثار الحرب وقسوة الحياة، ما قد يعرضهم لاضطرابات نفسية تتفاقم مع مرور الوقت، إذا لم تعالج، الفنان التشكيلي حسن حسين ديفيجي يساعد هؤلاء اللاجئين الصغار من خلال مشروع للعلاج بالرسم، في حي "دويتس" على ضفة نهر الراين اليمنى في مدينة كولونيا يوجد مرسم متواضع للفنان التشكيلي حسن حسين ديفيجي على الجدران لوحات كثيرة تظهر فيها حكايات مختلفة تنم عن فنان ممتلئ بالحس ودؤوب في تسخير فنه للقضايا ذات البعد الإنساني. بحسب دويتشه فيله.

هنا يستضيف الفنان الأطفال السوريين المشاركين في مشروع للعلاج النفسي بالفن، حسن حسين ديفيجي، 42 عاما، فنان كردي الأصل ومعالج بالفن، اضطر منذ حوالي 20 سنة إلى مغادرة تركيا بسبب نشاطه السياسي، ليستقر فيما بعد كلاجئ في ألمانيا، ويقول الفنان التشكيلي لدويتشه فيله عربية: "كأي لاجئ واجهتني في البداية صعوبات كثيرة، لكني صممت على تحقيق ذاتي وأهدافي ونجحت بالفعل في ذلك"، ويضيف: "أنا أؤمن أن السعادة تكمن في مساعدة الآخرين على تحقيق أهدافهم وهذا ما أصبو إليه من خلال مشروعي".

وبطريقته الخاصة يصف الفنان التشكيلي مشواره في ألمانيا قائلا: "في الماضي كنت لاجئاً، لكني اليوم أصبحت لوناً من ألوان هذا المجتمع، وآمل أن يستطيع هؤلاء الأطفال تحقيق أحلامهم أيضا وأن يصبحوا ألواناً جميلة تزين وتغني المجتمع الألماني، الذي يعيشون فيه حاليا".

حكايتي بالألوان.. علاج بالفن التشكيلي، المشروع الذي أطلق عليه ديفيجي اسم "حكايتي بالألوان"، انطلق منذ شهر أيلول/ سبتمبر 2014، ضمن اتفاقية تعاون بين الصليب الأحمر الألماني والفنان ديفيجي، في البداية كان الفنان يزور الأطفال وعائلاتهم بنفسه في مراكز إيواء اللاجئين ويعرض عليهم خدماته، التي يقدمها بشكل تطوعي، كما يقول، ويأمل ديفيجي أن يحظى مشروعه بالدعم المادي مستقبلا وأن يُأخذ بعين الاعتبار، وهو يقول إن هذا النوع من العلاج مفيد لأطفال اللاجئين، الذين يعانون من اضطرابات نفسية بسبب أحداث الحرب.

ويؤكد الفنان الكردي على ضرورة اللجوء إلى هذا النوع من العلاج قائلا: "هذا النوع من العلاج يمكن أن يحل محل العلاج التقليدي المتعارف عليه، في حالة ما إذا كان المريض من النوع، الذي لا يتحدث كثيرا، أو لا يجيد لغة الطبيب المعالج كما في حالة الأطفال اللاجئين".

وحول طريقته في العلاج بالرسم، يوضح الفنان التشكيلي: "يعتمد العلاج بالرسم على ثلاث مراحل، في المرحلة الأولى وهي مرحلة التفريغ تمنح للشخص إمكانية إخراج ما في داخله من خلال الرسم، وبعد ذلك تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة التحليل، والتي تعد المرحلة الأهم في العلاج، فمن خلالها يتعرف المعالج على المريض بطريقة غير مباشرة، إذ يستطيع من خلال قراءة الرسم التعرف على الضغوطات والمشاكل النفسية، التي يعاني منها الشخص، هذه المعلومات تساعد المعالج لاحقا في المرحلة الأخيرة للعلاج، والتي تتم عن طريق الرسم أيضاً".

آثار الحرب في رسومات الأطفال، في قاعة الرسم يتحلق الأطفال حول الفنان ديفيجي، ليعرضوا عليه ما خطته أناملهم من رسومات مستوحاة من مخيلاتهم البريئة عن الحرب والدمار ومعاناة اللجوء، أفجين 13 سنة، قدمت مع عائلتها إلى ألمانيا، هي إحدى الأطفال المشاركين في المشروع.

أفجين، التي تعيش في ألمانيا منذ سنة فقط، تتكلم اللغة الألمانية بطلاقة وحصلت على المرتبة الأولى على مستوى مدرستها، جل رسومات أفجين هي عبارة عن مشاهد حرب، فقد رسمت لوحة فيها مروحية تسقط القنابل على المنازل، ولوحة أخرى قسمتها إلى قسمين، قسم فيه مشهد حرب بسوريا والقسم الآخر مشهد للطبيعة الخضراء في ألمانيا، وعند سؤالها عن مشاركتها في برنامج الرسم أجابت مبتسمة: "آتي إلى هنا باستمرار وأنا سعيدة بما نقوم به"، ثم تضيف وهي تضع يدها على صدرها قائلة "أصبحت أشعر بتحسن داخلي".

الطفلة ياسمين لا يتعدى عمرها التسع سنوات، وقد بدت على محياها سعادة وهي تقول بأنها تحلم أن تصبح طبيبة في المستقبل لتعالج الجرحى، وبالرغم من صغر سنها، إلا أن ياسمين تتذكر رحلة أهلها الصعبة للوصول إلى ألمانيا، وهذا ما ينعكس بشكل واضح على بعض رسوماتها.

وارن، يبدو للوهلة الأولى طفلاً ممتلئاً بالنشاط والحيوية، كما أنه موفق في دراسته، إلا أنه يعاني منذ ولادته من داء تكور الكريات الحمراء الوراثي، وارن لم يكتف فقط بنقل معاناته عن طريق الرسم، بل يستخدم الكتابة أيضا للتعبيرعن ماعايشه خلال الحرب والسجن في طريقهم إلى ألمانيا، أما عبد الحميد، 14 عاما، فجسد رحلة المعاناة من سوريا باتجاه ألمانيا وبالتحديد مدينة كولونيا، عبد الحميد اختار اللون الأحمر لبلده سوريا واللون الأسود لطريقه إلى ألمانيا وصولا إلى مبنى يقول عبد الحميد إنه كاتدرائية كولونيا.

فعالية المشروع، وللتعرف على مدى فعالية هذا النوع من العلاج من الناحية العلمية تقول بغيقيته مشيلس، الطبيبة النفسية والمختصة في العلاج بالفن لدويتشه فيله عربية: "العلاج بالرسم هو نوع من أنواع العلاج بالفن وقد يكون له نتائج فعالة في حالات الاضطرابات النفسية والاكتئاب"، وتضيف "من خلال عملية إسقاط الصورعلى الورقة يستطيع الشخص تفريغ الطاقة السلبية بداخله والتعبيرعن ما يشعر به في اللاوعي دون الحاجة إلى استعمال اللغة".

مشيلس تؤكد أيضا أن عملية التفريغ هذه قد تؤدي إلى تغيرات في السلوك، كما أنه في حالات كثيرة قد لا يستغرق العلاج وقتا طويلا للحصول على النتائج، من جانب آخر عبر الآباء عن انطباعاتهم حول مشاركة أبناءهم في مشروع الرسم، علي، والد أفجين ووارن، يقول إن هذا المشروع ساعد أبناءه كثيرا، فمن خلاله استطاعوا تفريغ ما بداخلهم وانشغلوا عن همومهم ومعاناتهم.

ويشاطره الرأي حسن، والد ياسمين، قائلا: "أبنائي متحمسون دائما للحضور إلى المرسم، فقد تحسنت نفسيتهم كثيراعن ذي قبل، كما أن علاماتهم جيدة ولا يعانون من مشاكل في مدارسهم" ويردف حسن القول: "أعتقد أن معاملة الفنان حسن للأطفال كان لها أيضا أثر كبيرعلى نفسيتهم، فهو يعاملهم كأبنائه".

ولدى سؤاله عن مدى تطورواستجابة الأطفال للعلاج من خلال رسوماتهم، يقول الفنان ديفيجي إنه "منذ بداية المشروع حتى الآن لا تزال مشاهد الحرب والدمار تتكرر في رسومات الأطفال، حتى لو كانوا لا يشعرون ظاهريا بأي مشاكل نفسية"، وهو يرى أن هذا التحول والتطور يحتاج لوقت أطول كي يظهر في الرسومات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0