جريمة غامضة هزت بريطانيا خلال الآونة الأخيرة وما باتت تعرف بجريمة شاحنة الموتى، هذه الشاحنة عثرت عليها الشرطة في لندن بمنطقة صناعية ووجد داخل الحاوية 39 جثة مجهولة الهوية وان تلك الشاحنة قادمة من بلغاريا، بدورها الشرطة البريطانية وضعت اقصى جهودها لحل لغز شاحنة الموتى وفتحت تحقيقا فوريا وأكدت انه تم اعتقال سائق شاحنة يدعى موريس روبنسون ومثل أمام محكمة بريطانية عبر دائرة تلفزيونية مُغلقة لاتهامات بالقتل وتهريب البشر، وألقى اكتشاف الجثث في حاوية تبريد بشاحنة في منطقة صناعية شرقي لندن الضوء على الاتجار بالبشر على مستوى العالم بإرسال فقراء آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط إلى الغرب في رحلات محفوفة بالمخاطر.

كانت الشرطة البريطانية قد أعلنت مسبقا أن أغلب ضحايا شاحنة المهاجرين الذين ماتوا في بريطانيا من جنسية صينية، ولكن أكدت معلومات جديدة أن أغلب الضحايا هم فيتناميون،

وما ما عمق من هول المأساة أن الضحايا كانوا داخل وحدة تبريد تصل درجاتها إلى 25 درجة تحت الصفر، وكانت محكمة الإغلاق، أي لا تسمح بدخول الحرارة.

وتعيد هذه الحادثة إلى الأذهان أكبر حادث متعلق بالهجرة غير الشرعية في بريطانيا وقع عام 2000، عندما عثر مسؤولو الجمارك على جثث 58 صينيا مكدسة داخل شاحنة لنقل الطماطم في ميناء دوفر جنوب البلاد، في رحلة أيضا انطلقت من ميناء زيبروغ البلجيكي إلى ميناء بورفليت، وقد نبهت الشرطة البريطانية الحكومة منذ سنوات إلى أن المهربين يستخدمون بورفليت لأنه أقل ازدحاما من الموانئ الأخرى.

أسر فيتنامية تبكي موتاها

في بيت بسيط خيم عليه الأسى، تحاول عائلة لي فان ها، استيعاب المحنة التي تعرضت لها بعد لقي ابنها حتفه في شاحنة الموت المشؤومة، التي قضى فيها 39 شخصا، بمنطقة إيسيكس البريطانية.

كانت جدته في حالة صدمة وهي تضع يديها على وجهها. وزوجته، ها، تستمرت في مكانها لا تنبس ببنت شفة، وترفض تناول أي شيء من الأكل أمامها.

أما والده منه توان، فقد احتضن حفيده بحرقة، والدموع تنهمر من عينيه، قبل مأساة الشاحنة المشؤومة، كان لي فان ها يعيش كأي شاب من عائلة فقيرة بمنطقة زراعية بفيتنام، سلك طريقا سلكه الآلاف غيره، من الباحثين عن عمل يوفر له دخلا أفضل. فغادر بلاده قاصدا أوروبا منذ ثلاثة أشهر، قبيل أن يولد ابنه الثاني.

فقد اقترضت العائلة لبناء بيتها. والرحلة إلى أوروبا كلفت 25 ألف دولار، دفعها إلى المهربين، وهو مبلغ ضخم كان على والده لي منه توان رهن قطعتين من الأرض لتوفيره، والأمل كله كان معقودا على، لي فان ها، وحصوله على عمل في أوروبا، يسدد منه الديون. والآن تبدد ذلك الأمل، وضاع كل شيء.

يقول الوالد عن ابنه: "لقد تركنا بديون ضخمة. لا أعرف متى نتمكن من تسديدها. أنا رجل مسن، وصحتي ليست على ما يرام، وعلي فوق ذلك أن أرعى أولاده الصغار"، يعرف لي منه توان أن ابنه مات. وكان قد تلقى رسالة على موقع فيسبوك تقول إن ابنه على وشك المغادرة باتجاه انجلترا.

ويعتقد أن أغلب الذين قضوا في الشاحنة من منطقة واحدة في فيتنام، يتجمع الجيران أمام البيت لمواساة العائلة ومساعدتها في هذه الظروف العصيبة، والترحم على روح الفقيد.

ترفع عائلة في بيتها صورة كبيرة لابنتها، بوي ثي نونغ، البالغة من العمر 19. ويتضرع أهلها وأقاربها ألا تكون من بين الذين قضوا في الشاحنة المشؤومة، تقول اختها بوي ثي لون إنها تواصلت معها عبر فيسبوك يوم 21 أكتوبر/ تشرين الأول، وأخبرتها بأنها كانت في مخزن، وتضيف أنها لم تحصل على معلومات مؤكدة. كل ما تعرفه من مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك فهناك أمل، على حد تعبيرها.

كانت هناك ثلاث شاحنات متجهة إلى انجلترا وقتها، فكل ما "نتمناه أن تكون على متن شاحنة أخرى"، تقول الأخت بوي ثي نونغ هي أذكى أخواتها الأربع، ولها العديد من الأصدقاء ساعدوها في جمع المال لهذه الرحلة. فعائلتها لم تضطر إلى رهن البيت أو بيع أي أملاك.

وهم ينتظرون الآن أخبارا سارة تأتيهم عنها، أو في أسوأ الحالات من يساعدهم على جلب جثتها إلى فيتنام، وهذه المنازل التي بينت حديثا في هذا الحي دليل على الأموال التي يمكن أن تجمعها عندما تعمل في الخارج. ويبدو أن بريطانيا هي الوجهة المفضلة. بعضهم قضى وقتاً في روسيا أو رومانيا ولكنهم يقولون إنه من الصعب جدا أن تحصل على عمل مجز، ويتحدثون عن مطاردة الشرطة لهم باستمرار في فرنسا بسبب وضعهم القانوني. ولكن في بريطانيا هناك جالية فيتنامية كبيرة، وهناك فرص عمل في المطاعم والزراعة وطلاء الأظافر.

ويتعامل هؤلاء المهاجرون مع مهربين ينتمون إلى شبكة دولية تأخذ منهم مبالغ ضخمة مقال عبور الحدود. يترواح المبلغ الذي يدفعه كل واحد من 10 آلاف إلى 30 ألف جنيه استرليني، وفق نوعية الخدمة، وأغلبهم يغادرون فيتنام عبر الصين. ولكن عندما يصلون إلى بحر المانش تصبح الشاحنات هي السبيل الأكثر وثوقا، مهما كان التكاليف المالية.

وبعد مأساة إيسيكس أمر رئيس الورزاء الفيتنامي، غويان شوان بوك، بتحقيق في شبكات التهريب. ولكن تهريب البشر ليست ظاهرة جديدة، وقد اصبحت النساء والأطفال معظم ضحاياها، ومهما كانت الإجراءات التي ستتخذها الحكومة الفيتنامية فإن المبالغ الضخمة التي يجنيها المهربون ستجعل هذه الظاهرة تتوسع وتتعزز في البلاد.

سائق الشاحنة يمثل أمام محكمة بريطانية

ومثل السائق موريس روبنسون أمام محكمة تشيلمسفورد عبر دائرة تلفزيونية مغلقة. وكان السائق (25 عاما) يرتدي سترة رمادية وتحدث فقط مدليا باسمه وعنوانه، وقالت الشرطة إن روبنسون يواجه 39 تهمة بالقتل إضافة لتهم أخرى تشمل التآمر لتهريب بشر والتآمر على مساعدة الهجرة غير الشرعية وغسل الأموال.

وقال محامي الادعاء أوجينيرونا مرسي إيجايوي للمحكمة ”يتعلق الأمر بشبكة دولية تُسّهل حركة أعداد كبيرة من المهاجرين إلى بريطانيا“، ولم يتقدم روبنسون بطلب الإفراج عنه بكفالة. وأمرت المحكمة باستمرار حبسه حتى 25 نوفمبر تشرين الثاني عندما يستكمل نظر القضية أمام المحكمة الجنائية المركزية اولد بيلي في لندن.

واعتقل السائق بعد فترة وجيزة من اكتشاف الجثث في الساعات الأولى من صباح يوم 23 أكتوبر تشرين الأول على بعد بضعة أميال من ميناء بورفليت. وكانت الشاحنة قد سافرت من ميناء زيبروج البلجيكي.

وكتب بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني في سجل التعازي يقول ”الأمة بأسرها وكذلك العالم صُدم بهذه المأساة وفظاعة المصير الذي لقيه أشخاص أبرياء كانوا يأملون في حياة أفضل في هذا البلد“، وأضاف ”ننعي من فقدوا حياتهم. ونعزي أسرهم المقيمة في مناطق بعيدة“.

غالبية ضحايا الشاحنة ليسوا من الصين

ذكر قس من منطقة زراعية في فيتنام لرويترز أن غالبية الضحايا التسع والثلاثين الذين وجدت جثثهم في شاحنة بالقرب من لندن الأسبوع الماضي فيتناميون على الأرجح حيث يعتقد أنهم جاءوا من المنطقة التي يعيش بها.

واُكتشفت الجثث بعدما تلقت خدمات الطوارئ بلاغا بوجودها في منطقة صناعية في جرايز على بعد نحو 32 كيلومترا شرقي وسط لندن، وقال ضابط كبير في الشرطة البريطانية إن الشرطة تطلب العون من الفيتناميين في بريطانيا والخارج للتعرف على الأشخاص التسعة والثلاثين الذين عثر على جثثهم في مبرد شاحنة.

وقال كبير مفتشي المباحث مارتن باسمور إن ضباطه عثروا على ”أوراق هوية قليلة جدا جدا“ بين الجثث وإنه يأمل في تحديد هوياتهم من خلال بصمات الأصابع وسجلات الأسنان وتحليل الحمض النووي (دي.إن.أيه) وكذلك الصور من الأصدقاء والأقارب.

وتابع ”لا نعرف على وجه التحديد جنسية هؤلاء الأفراد لكني سأركز في الوقت الراهن على... الفيتناميين“، وذكرت الشرطة في البدء أنها تعتقد أن الضحايا صينيون لكن بكين قالت إن هذا لم يتأكد بعد. وأعلنت السفارتان الصينية والفيتنامية أن مسؤوليهما يعملون عن قرب مع الشرطة البريطانية.

وقال القس الكاثوليكي أنتوني دانج هو نام في بلدة ين تان النائية في إقليم ني آن بشمال وسط فتينام على بعد 300 كيلومتر جنو، بي هانوي إنه يتواصل مع عائلات الضحايا، وأضاف ”الحزن يخيم على المنطقة كلها، ما زلت أجمع بيانات لجميع أسر الضحايا، وسنقيم قداسا على أرواحهم الليلة“، وقال إن العائلات التي اتصل بها أبلغته بأن أفرادا من أبنائها سافروا إلى بريطانيا في هذا الوقت وأنها فشلت في الاتصال بهم.

وأمر رئيس وزراء فيتنام نجوين شوان فوك مسؤولي الحكومة بالمساعدة في تحديد هويات الضحايا والتحقيق في قضايا المواطنين الفيتناميين الذين تم إرسالهم إلى الخارج بالمخالفة للقانون.

ثلاجة الموت: ماذا نعرف عنها؟

عثرت الشرطة على جثث 39 شحصاً يرجح أنهم مواطنون صينيون، في شاحنة مبردة في مقاطعة أسكس البريطانية نهار الأربعاء. وألقي القبض على سائق الشاحنة البالغ من العمر 25 عاما ويتم التحقيق معه.

قالت الشرطة البريطانية إنها تلقت إنذارا بالعثور على جثث في الشاحنة المبردة في تمام الساعة الواحدة وأربعين دقيقة من فجر الأربعاء 23 اكتوبر/ تشرين الأول 2019 في منطقة صناعية على بعد 15 كيلو متراً جنوبي العاصمة لندن.

وقالت الشرطة إن فرق الاسعاف هي التي عثرت على الجثث وكلهم رجال ما عدا واحد منهم يبدو أنه صبي، وقالت الشرطة إن تحديد هويات الضحايا قد يستغرق وقتا طويلا. وكانت الشرطة قد أشارت في وقت سابق إلى أن الشاحنة قد تكون قادمة من بلغاريا، لكنها أكدت لاحقا أنها دخلت بريطانيا قادمة من بلجيكا.

وقد فتحت السلطات البلجيكية تحقيقا رسميا في الحادث، ويركز التحقيق بشكل أساسي على الجهات التي رتبت ادخال الشاحنة إلى بريطانيا أو أي طرف له علاقة بالحادث، تعتقد الشرطة بأن المقطورة المبردة قدمت من ميناء زيبورغ البلجيكي على متن عبارة مساء الثلاثاء ووصلت إلى الضواحي الجنوبية للندن بعيد منتصف الليل بنصف ساعة.

ويسعى الجانب البلجيكي إلى معرفة المدة التي مكثتها المقطورة المبردة في بلجيكا قبل شحنها إلى بريطانيا، أما رأس الشاحنة (رأس القاطرة) فيعتقد أنها قدمت من إيرلندا الشمالية ووصلت إلى موقع المقطورة المبردة الساعة الواحدة وخمس دقائق بغية نقل المقطورة، وكانت الشرطة قد أعلنت سابقا إن الشاحنة قد تكون قادمة من بلغاريا. وقالت وزارة الخارجية البلغارية "إن الشاحنة مسجلة في مدينة فارنا البلغارية وتملكها شركة صاحبها مواطن ايرلندي"، وقال مسؤولون بلغار إن الشاحنة دخلت بلغاريا آخر مرة عام 2017، ولا تعرف الجهة التي قدمت منها المقطورة المبردة حتى الآن، وأوضح مسؤول في قطاع النقل البري في بريطانيا أن الحرارة داخل المقطورة المبردة قد تنخفض إلى 25 درجة تحت الصفر.

السائق البالغ من العمر 25 عاما هو مو روبنسون ومن مدينة آرما في جمهورية ايرلندا الشمالية، ومعتقل في إطار التحقيق في الحادث. وقد داهمت الشرطة منزلين في ايرلندا الشمالية لهما علاقة بالمتشبه به.

لا يمكن الجزم بذلك في الوقت الراهن. وقالت الشرطة إن التحقيق سيكون مضنيا ومعقدا ومطولا. وقالت هيئة مكافحة الجريمة في بريطانيا إنها تسعى إلى معرفة ما إذا كان هناك دور لعصابات الجريمة المنظمة في هذا الحادث.

ويقول محرر الشؤون الداخلية في بي بي سي إن مهربي البشر إلى بريطانيا نقلوا معظم أنشطتهم إلى طرق بديلة منذ إغلاق مخيم اللاجئين في كاليه بفرنسا قبل ثلاث سنوات وتشديد الإجراءات الأمنية في ميناء دوفر البريطاني والنفق الانجليزي.

وقالت هيئة مكافحة الجريمة في بريطانيا إن مهربي البشر يستخدمون كل المرافئ البريطانية ويلجأون إلى أساليب خطرة لتهريب البشر ولا زالت الوسيلة الأكثر شيوعا هي شاحنات نقل البضاعة، كما يتزايد استعمال حاويات نقل البضائع وحتى الحاويات المبردة. ويواجه المهاجرون مخاطر متزايدة خلال محاولتهم الوصول إلى بريطانيا ويصل المبلغ الذي يدفعه كل شخص إلى نحو 13 ألف دولار للوصول إلى بريطانيا بينما تبلغ كلفة نقل شاحنة بواسطة العبارة من ميناء زيبورغ البلجيكي إلى لندن أقل من 500 دولار أمريكي.

منذ أن أنتهت بلغاريا من بناء السياج على الحدود بينها وبين تركيا عام 2016 يسعى معظم المهاجرين غير الشرعيين إلى الوصول إلى أوروبا الغربية عبر الاختباء في شاحنات نقل البضائع. وتقوم كل عصابة من المهربين بتسليم المهاجرين إلى عصابة أخرى خلال مراحل الرحلة، ويتم وضع المهاجرين في بيوت "آمنة" في بلغاريا وغالبا قرب الحدود مع صربيا أو رومانيا حيث يتم إخفاؤهم في شاحنات نقل البضائع المتوجهة الى أوروبا الغربية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0