توجد عشرون إلى ثلاثين عائلة، تسكن في أرض الله بهدوء وأمان، أرض العراق والعراقيين، هذه العائلات التي قد تتجاوز الثلاثين عائلة، لأنها غالبا ما تنشطر إلى أكثر من أسرة في البيت الواحد، بسبب الإهمال الحكومي الصارخ لأزمة السكن، هذه العائلات الآمنة في أرضها وبلدها، تواجه اليوم سلسلة من القرارات الرسمية وربما القضائية تهددها بالطرد من بيوتها التي شيدتها (طابوقة طابوقة)، بأموالها الخاصة من عرق جبينها وجهود أبنائها.

مضى على سكن هذه العائلات قرابة ثلاثين سنة، فتشكّلت أُلفة قوية بين أفرادها والمنطقة التي يسكنونها، لكن هناك بعض المسؤولين الحكوميين من لا تعنيه مشكلة السكن، ولا يعبأ بمعاناة ثلاثين عائلة، أكثر أو أقل، تعاني من رهاب الطرد من بيوتها وأرضها، والغريب أن توقيت الطرد جاء في شهر الأمان والسلام!!، ترى لماذا تختار الجهات الرسمية هذا التوقيت بالذات، وهل فكرت بموجة الحرّ التي تفتك بدول وأراض كثيرة من بينها العراق؟

هذه العائلات، لم تترك بابا إلا وطرقته كي يجد لها حلا، والمصيبة أن ما يحدث من تهديد واستفزاز واستصدار قرارات قضائية بطرد العائلات يجري في مدينة مقدسة، لها سفر تاريخي ثوري عظيم تعرفه الإنسانية كلها، إنها مدينة كربلاء المقدسة التي يأوي إليها الفقير والمريض والمحتار والمطرود، بعض قادة ومسؤولي هذه المدينة الثائرة يتخذون قرارات (رمضانية/ نسبة للزمان) بطرد عائلات من بيوتها، مضى على سكنها ثلاثين سنة، هل هذا يدخل في باب المعقول، ولماذا يتم اختيار ذلك في مثل هذا الشهر الكريم شهر الله، شهر الخير والأمان، والمصيبة أن عيد الفطر المبارك لم يبق على حلوله سوى أيام معدودات، فكيف يعيش العيد مَنْ يُطرد من أرضه وسكنه بقرار حكومي أو قضائي؟

الدولة التي لا تحمي مواطنيها، ولا تمنحهم الأمان، وتطاردهم في عقر ديارهم، هذه ليست دولة، والحكومة التي تطارد شعبها بالقرارات المجحفة هذه ليست حكومة، والقضاء الذي يصدر قرارات تلزم العائلات بترك بيوت سكنتها منذ ثلاثين سنة أو أكثر، هذا ليس بقضاء منصف يعطي للجانب الإنساني حصته من الحكم، نعم من حق القضاء أن يعدل بين الناس، ولكن من حق الناس أن يكون القضاء راعيا لهم ناظرا إلى الجانب الإنساني في إصدار القرار القضائي، وهل هناك إنسانية أكبر من تأمين السكن لعائلات ستُطرَد من بيوتها؟

الحكومة في واد والناس المحكومون في واد آخر، ونحن نعيش في شهر رمضان الكريم، أليس معالي رئيس الوزراء مسؤولا عن العائلات التي تسعى جهات حكومية وقضائية لطردها من بيوتها، ثم ألا تعود ملكية الأرض التي تسكنها العائلات للدولة والحكومية العراقية، ألا يستطيع معالي رئيس الوزراء أن يصدر قرارا بتمليك هذه البيوت للذين ساكنوها منذ ثلاثين عاما؟ أم أن الأمر لا يعنيه، أو خارج صلاحياته؟!

لقد استمعت لبعض أولياء أمور هذه العائلات وهم جميعا ممن خدموا الدولة كموظفين وبعضهم متقاعدين، ولاحظتُ الخوف والرعب الذي يهيمن عليهم مخافة الطرد من بيوتهم في هذا الشهر المبارك، أطفال ونساء ورجال مرضى وشيوخ، بعد ثلاثين عاما يتم تهديدهم بالطرد إلى الشوارع؟، والأقسى والأمرّ أن من يسعى لطردهم ويهددهم جهات حكومية، وبالتحديد هي الجهة المسؤولة عن إسكان الناس في بيوت محترمة بدل طردهم، إنها الدائرة المعنية بإيجاد حلول لأزمة السكن هي نفسها التي تسعى بكل ثقلها لاسترجاع الأرض من عائلات سكنتها قبل ثلاثين سنة، وبدلا من أن تمنحها لساكنيها، تهددهم بالطرد بقرارات قضائية بحسب أحد أولياء الأمور!، وفوق هذا وذاك تأتي - التهديدات المتوالية بالطرد بالقوة- في شهر كريم له مكانته في نفوس الجميع، وهذا ما يثير أكثر من علامة استفهام.

من وجهة نظري، لا يجوز طرد هذه العائلات من بيوتها التي نشأ وترعرع فيها أغلب أفرادها وهم من أعمار مختلفة، ونحن نعرف طبيعة العلاقة بين الإنسان والمكان، كما إننا لا نرى أي مبرر لتهديد ساكني هذه البيوت بالطرد، لأن الإجراء الصحيح واضح ومعروف، أما أن تبقى العائلات الشاغلة لهذه الأرض والبيوت فيها، دون أن يمسهم سوء أو ضرر أو تهديد، أو أن تُخصَّص لهم بيوت صالحة للسكن وفي أماكن تتوافر فيها جميع الخدمات (الماء، الكهرباء، المجاري، المستوصف الصحي، المدارس، خطوط النقل)، ولا يصح أن يُلقى بهم في الصحراء.

أقترح على الجهات الحكومية المعنية، رئاسة الوزراء، وزارة البلديات، محافظة كربلاء (المحافظ ومجلس المحافظة)، مديرية البلديات، وكل الجهات الرسمية المختصة، بما في ذلك القضاء، أن يبتعدوا عن القرارات المؤذية للناس، على الأقل في شهر رمضان لمكانته العظيمة في نفوس الناس، كما إنني أدعوهم لإيجاد حلول مناسبة وصحيحة لحل مشكلة السكن، وهناك بع الحلول لا تحتمل التباطؤ بل هي فورية مثل مشكلة هذه العائلات الثلاثين أو أكثر وقد تكون أقل، ولا يصح الإدّعاء بأن هذه الأرض عائدة إلى هذه الوزارة أو تلك، واتخاذ هذه المسألة حجة وتبريرا لطرد العائلات الآمنة، فالأرض كلها عراقية، وكلها تعود للدولة والحكومة العراقية، والمواطنون الذين يسكنونها عراقيون أيضا، فأين المشكلة؟

أنا سأخبركم أين المشكلة، إنها تكمن تحديدا في عدم شعور بعض القادة العراقيين بمسؤولياتهم، فهل يعجز معالي رئيس الوزراء عن حلّ مشكلة كهذه إذا أراد أن يتصدى لها بمسؤولية حازمة؟، وهل يفشل الوزير أو المحافظ أو المسؤول المعني بمعالجة قضية هذه العائلات فيما لو قرر معالجتها بمسؤولية وضمير حي؟، إننا نضع هذه المشكلة أمام مرأى جميع المسؤولين، لإيجاد الحل المسؤول والمناسب، مع الكفّ عن اتخاذ قرارات حكومية أو قضائية (رمضانية) تهدد الناس بالطرد من بيوت سكنوها قبل أكثر من ثلاثة عقود، فمثل هذه القرارات لا تليق بحكومة عادلة ولا بشهر نؤمن ونردّد بأنه شهر الله.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1