تواصل الحكومة الصينية وعلى الرغم من الانتقادات الدولية حملتها القمعية ضد مسلمي الإيغور, وازدادت التقارير كما نقلت بعض المصادر، حول الاغتيالات والهجمات والاضطرابات في إقليم شينجيانغ الصيني، حيث تشكو أقلية الأويغور المسلمين منذ فترة طويلة من التمييز الديني والثقافي والاجتماعي. أما السلطات الصينية فتحمل المسؤولية عن العنف بصورة شمولية لـ "إرهابيين" غير محددين، ولكن مع ذلك تبقى الملابسات الحقيقية لهذا العنف مخفية في الظلام. وتصعد بكين مساعيها لمواجهة انتقادات متزايدة في الغرب ومن جماعات حقوقية جراء برنامجها المثير للجدل للقضاء على التطرف في شينجيانغ التي تقطنها غالبية مسلمة.

ويقول منتقدون إن الصين تدير معسكرات اعتقال للويغور وغيرهم من المسلمين الذين يعيشون في شينجيانغ غير أن الحكومة تصفها بأنها مراكز تدريب وإعادة تأهيل وتقول إنها تحتاج بحق لمواجهة الفكر المتطرف والعنف. وقالت وزارة الخارجية الصينية إنها ستدعو دبلوماسيين أوروبيين للزيارة قريبا. وقال مسؤول أمريكي إن الزيارات ”التي يجري الترتيب والإعداد لها بشكل جيد جدا“ إلى شينجيانغ من جانب الحكومة الصينية مضللة وتقدم مؤشرات كاذبة عن المنطقة المضطربة. وصرح المسؤول بذلك بعد أن أعلنت الصين نيتها توجيه الدعوة لمبعوثين أوربيين لزيارة المنطقة. وذكرت مصادر دبلوماسية أن الدعوة غير الرسمية حتى الآن وُجهت بشكل خاص للسفراء.

وردا على سؤال لمسؤول أمريكي عما إذا كان تم توجيه دعوة للسفير الأمريكي لدى الصين تيري برانستاد لزيارة شينجيانغ، قال إنه ليست هناك زيارات أو اجتماعات للإعلان عنها. وأضاف طالبا عدم نشر اسمه ”الزيارات التي يتم الترتيب والإعداد لها بشكل كبير وتشرف عليها الحكومة في شينجيانغ تعطي مؤشرات كاذبة ومضللة بالنسبة لانتهاكات حقوق الإنسان المستمرة في المنطقة“.

لم تكتف الصين بهذه الإجراءات المستمرة منذ أكثر من 65 عاما, بل صعدت من حملتها القمعية ضد مسلمي الإيغور في الداخل والخارج , أما خارجيا فقد بدأت السلطات الصينية مؤخرا بمصادرة جوازات السفر الخاصة بالإيغور من أجل منعهم من السفر والحيلولة دون اتصالهم بالعالم الخارجي , كما يتعرض حوالي ثلاثة ملايين شخص من الإيغور المهجرين في جمهوريات آسيا الوسطي وتركيا ودول أخرى إلى المضايقات والتهديدات من قبل السلطات الصينية بشكل مستمر, ناهيك عن إطلاق شائعات من حين لآخر بأنه "سوف يتم إعادة المهجرين قسرا إلى البلاد" مما يضعهم دائماً تحت دائرة الخوف والارهاب .

وأما داخليا فحدث ولا حرج عن صور الاضطهاد وأنواع العنف المادي والمعنوي المستخدم ضد مسلمي الإيغور , فقد عمدت الصين إلى مصادرة منازل وأملاك الإيغور الذين هربوا من الظلم والقهر, كما تم هدم العديد من المساجد بدعوى "عدم وجود من يرتادها" للصلاة فيها , وألقي القبض على العديد من الأثرياء الإيغور وزُجَّ بهم في السجون بزعم "الفساد وإرسال أموال لدعم النشاطات الدينية المرتبطة بالخارج", ناهيك عن سياسة إذلال العلماء والمثقفين والناشطين وإيداعهم في السجون تحت مزاعم واتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة .

انتهاكات متواصلة

وفي هذا الشأن نددت وزارة الخارجية الأمريكية بانتهاكات حقوق الإنسان في الصين، وقالت إن الانتهاكات التي ارتكبتها بحق الأقليات المسلمة لديها لم يحدث لها مثيل ”منذ الثلاثينيات“. وسلط وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في حديث للصحفيين الضوء على الانتهاكات في إيران وجنوب السودان ونيكاراجوا والصين في تقارير ممارسات حقوق الإنسان في دول العالم التي تصدرها الوزارة سنويا.

وقال مايكل كوزاك مدير مكتب حقوق الإنسان والديمقراطية بالوزارة في نفس المؤتمر الصحفي ”بالنسبة لي، أنتم لم تروا أمورا مثل هذه منذ الثلاثينيات“ في إشارة إلى الانتهاكات بحق الأقلية المسلمة في إقليم شينجيانغ. وأضاف ”اعتقال أناس، تشير بعض التقديرات إلى أنهم بالملايين، والزج بهم في معسكرات وتعذيبهم وانتهاك حقوقهم ومحاولة محو ثقافتهم ودينهم بشكل أساسي وغير ذلك من حمضهم النووي. إنه أمر مروع للغاية“. وقال ”إنه أحد أخطر الانتهاكات لحقوق الإنسان في عالمنا اليوم“.

ولم يذكر كوزاك تفاصيل بشأن تعليقه بخصوص الثلاثينيات، إلا أنه كان يشير على ما يبدو إلى سياسات الاضطهاد التي انتهجتها ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي في عهد ستالين. وقال إن الصين نفت في البداية وجود المعسكرات أصلا، مضيفا أن تفسيرها الآن بأنها تدريب عمالي طوعي ”يتنافى مع الحقائق“. ولم ترد السفارة الصينية في واشنطن على طلب للتعليق على التقرير، الذي يأتي في وقت تجرى فيه مفاوضات تجارية تحظى بمتابعة شديدة بين الولايات المتحدة والصين بهدف تسوية نزاع بشأن التعريفات الجمركية.

قال التقرير إن الصين كثفت بشدة حملة الاعتقال الجماعي لأبناء جماعات الأقلية المسلمة في شينجيانغ. وأضاف أن أنباء أفادت بأن السلطات هناك اعتقلت بشكل تعسفي من 800 ألف إلى ما قد يتجاوز المليونين من أبناء الويغور والكازاخ وغيرهم من الجماعات المسلمة في معسكرات بهدف محو هويتهم الدينية والعرقية. وقال بومبيو إن الحكومة الإيرانية قتلت أكثر من 20 شخصا واعتقلت الآلاف دون إجراءات قانونية بسبب احتجاجهم للمطالبة بحقوقهم ”مواصلة نمطا من الوحشية تعامل به النظام مع الشعب الإيراني على مدى العقود الأربعة الماضية“.

وذكر أنه في جنوب السودان، استخدمت قوات الجيش العنف الجنسي ضد المدنيين بسبب ولاءاتهم السياسية والعرق الذي ينتمون إليه، بينما قوبلت الاحتجاجات السلمية في نيكاراجوا بنيران القناصة وواجه معارضو الحكومة ”سياسة النفي أو السجن أو القتل“. وعدل التقرير الوصف المعتاد لمرتفعات الجولان من التي ”تحتلها إسرائيل“ إلى التي ”تسيطر عليها إسرائيل“.

ولم يشر أيضا قسم منفصل من التقرير خاص بالضفة الغربية وقطاع غزة، وهما منطقتان سيطرت عليهما إسرائيل إلى جانب هضبة الجولان في حرب عام 1967، إلى أنهما أراض ”محتلة“ أو تحت ”الاحتلال“. وفي ميانمار، قال التقرير إن حرية الصحافة تراجعت وإن الصحفيين ذكروا أن الرقابة الذاتية أصبحت أكثر وضوحا بسبب محاكمة وإدانة صحفيين في رويترز هما، وا لون وكياو سوي أو، اللذان حُكم عليهما بالسجن سبع سنوات بعد إدانتهما في سبتمبر أيلول بانتهاك قانون يتعلق بالأسرار الرسمية يعود إلى عهد الاستعمار. بحسب رويترز.

وكان الصحفيان يعملان في تحقيق لرويترز بشأن مقتل عشرة رجال وصبية مسلمين على يد قوات الأمن ومدنيين بوذيين في ولاية راخين في ميانمار. وردا على التقرير الأمريكي، انتقدت منظمة العفو الدولية إدارة الرئيس دونالد ترامب بسبب تعاملها مع حكومات، منها السعودية، ”بغض النظر عن سجلها في حقوق الإنسان، إذا كان ذلك سيدعم المصالح الأمريكية“. وأشار تقرير الخارجية الأمريكية إلى مقتل الصحفي جمال خاشقجي على يد عناصر سعودية وقال إن المملكة لم تقدم تفسيرا تفصيليا بشأن التقدم في التحقيق. وحمل تقييم لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية وقرار لمجلس الشيوخ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مسؤولية إصدار الأمر بقتله، وهو ما نفاه مسؤولون سعوديون. وقال ترامب إن واشنطن ستظل ”شريكا راسخا“ للسعودية حتى برغم أن الأمير محمد ربما كان يعلم بشأن المخطط.

رد صيني

من جانبها قالت وزارة الخارجية الصينية إن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان الذي انتقد بكين مليء ”بالتحامل الأيديولوجي والاتهامات التي لا أساس لها“. وقال المتحدث باسم الوزارة لو كانغ خلال إفادة صحفية يومية إن الصين تأمل في أن تنظر الولايات المتحدة بإمعان في سجلها الخاص بحقوق الإنسان. ورفضت الصين بشكل قاطع الانتقادات التي وجهت اليها بشأن قيامها باحتجاز جماعي للأقلية المسلمة في منطقة شينجيانغ المضطربة، مشددة انها أنشأت "مراكز تدريب مهني" وليس معسكرات في محاولة منها لمكافحة الارهاب.

وانتقد نائب وزير الخارجية الصيني لي يوتشينغ الذي ترأس وفد بلاده الى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة "الاتهامات سيئة النية ضد مراكز التدريب المهني في شينجيانغ". وجاء كلام لي في معرض رده على سلسلة من التعليقات والتوصيات المتعلقة بالوضع في شينجيانغ التي وردت في ما يسمى بالاستعراض الدوري الشامل لسجل حقوق الانسان في الصين أمام المجلس في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وأشارت عدة دول في ذلك الوقت الى تقديرات بأن نحو مليون شخص من الأويغور وأقليات مسلمة أخرى تركستانية محتجزون في مراكز اعتقال في شينجيانغ، وطلبت من الصين وقف هذه الممارسات.

لكن لي شدد بأن ادعاءات كهذه أظهرت "تجاهلا كاملا للوقائع" بهدف "التدخل تحت ستار حقوق الانسان". وقال "مراكز التدريب (...) هي في الحقيقة مدارس داخلية أو حرم كليات وليس معسكرات كما زعمت أقلية من أصحاب النوايا السيئة"، معيدا التأكيد على الرواية الرسمية بأن الهدف منها مساعدة الاشخاص الذين هم عرضة للوقوع "طريدة للتطرف الارهابي" وتأهيلهم. ولفت الى أن "المتدربين" في المراكز يملكون حرية الذهاب الى منازلهم بانتظام والاتصال بعائلاتهم، والخريجون يجدون وظائف تسمح لهم بالتخلص من "التطرف والفقر". وقال "نحن مسرورون برؤية ابتسامات الرضا والتقدير للحكومة على وجوه المتدربين". بحسب فرانس برس.

وأشار لي الى وقوع "الآلاف" من الهجمات الارهابية في شينجيانغ منذ التسعينات، لكن بفضل "مراكز التدريب المهني" لم يحدث أي هجوم في ال27 شهرا الماضية. واضاف "مع تحسن الوضع في مكافحة الارهاب سوف يتم تقليص برامج التدريب بشكل تدريجي حتى الانتهاء منها". وطلبت مئة دولة تقريبا حق الرد على تعليقات الصين، لكن بسبب ضيق الوقت تم السماح فقط لأكثر من عشرة فقط باعتلاء المنصة ليس بينها الأصوات المنتقدة بشدة لسياسات الصين من أوروبا وأميركا الشمالية.

الى جانب ذلك قالت ميشيل باشليه مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنها تسعى لدخول الصين للتحقق من تقارير متواترة عن اختفاءات واعتقالات عشوائية خاصة في منطقة شينجيانغ المتمتعة بالحكم الذاتي التي يقطنها مسلمون من قومية الويغور. وكتبت باشليه في تقريرها السنوي لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنه يمكن دعم الاستقرار في منطقة شينجيانغ بسياسات تظهر احترام السلطات للحقوق. وقال مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحرية الدينية أحمد شهيد إنه طلب من الصين السماح له بزيارة شينجيانغ.

عمل قسري

في السياق ذاته وعندما كانت تصنع قفازات في مصنع في منطقة شينجيانغ الصينية المضطربة، كانت غولزيرا أويلخان تحصل على أقل بكثير من الحد الأدنى القانوني للأجور، لكن عملها كان يجب أن يكون متقناً إلى أبعد حد. وتخبر هذه العاملة الصينية القادمة من كازاخستان البلد الواقع في آسيا الوسطى وذي الغالبية المسلمة، "قالوا لنا بصراحة إن القفازات التي نصنعها ستباع في الخارج وإن علينا أن نتقن صنعها".

ومع عودتها إلى كازاخستان، تؤكد هذه السيدة البالغة من العمر 39 عاماً، كما شهود آخرون أنها كانت ضحية عمل قسري نظّمته الحكومة الصينية في إطار سياستها "إعادة تأهيل" الأقليات المسلمة في شينجيانغ. وتخبر غولزيرا أويلخان أنها أرسلت إلى المعامل للعمل مقابل أجر أقل بكثير من الحد الأدنى القانوني للأجور، بعد مرورها بما تطلق عليه بكين اسم "مركز التدريب المهني". وتؤكد السلطات الصينية أن تلك المراكز التي احتجزت وتحتجز فيها قرابة مليون شخص من الأقلية المسلمة خصوصاً من الإيغور والكازاخ والقرغيز والهوي، هي جزء من جهودها في مكافحة الإرهاب والنزعة الانفصالية في إقليم شينجيانغ، مسرح أعمال عنف إثنية وهجمات قاتلة.

وفيما تنفي بكين أي عمل قسري، يستنكر محتجزون سابقون في تلك المراكز ومنظمات للدفاع عن حقوق الإنسان ما يقولون إنه ممارسة شائعة تقوم بها الحكومة الصينية. وتوضح غولزيرا انها نقلت إلى ذلك المصنع في منطقة جيافانغ الصناعية بعد قضائها 18 شهراً في مركزي "إعادة تأهيل" في شينجيانغ.

وهي تعيش حالياً في كازاخستان، لكنها توضح أن الشرطة الصينية أوقفتها عندما جاءت إلى شينجيانغ لتزور أقرباء لها، وهو ما يقول العديد من الشهود في آسيا الوسطى إنهم تعرضوا له أيضاً. وتؤكد أن الحياة في المعسكرات كانت قاسية، فقد يتعرض الشخص للضرب بعصي كهربائية إذا قضى أكثر من دقيقتين في الاستحمام. نظرت غولزيرا في بادئ الأمر إلى نقلها لمعمل القفازات، كما مئات المحتجزين الآخرين، على أنه أمر جيد. وتقول من مدينة ألماتي وهي تقبّل ابنتها ذات الخمسة أعوام والتي لم ترها لمدة عامين "كلّ يوم، كانوا يأخذوننا من المهاجع إلى المصنع الذي كان يقع على بعد ثلاثة كيلومترات".

وبلغ أجر غولزيرا 320 يوان (42 يورو) لقاء شهرين من العمل، قبل أن يتم إغلاق المصنع فجأة في كانون الأول/ديسمبر ويسمح لها بالعودة إلى كازاخستان. ويتراوح الحد الأدنى للأجور في شينجيانغ بين 820 و1460 يواناً مقابل شهر من العمل، بحسب الأرقام الرسمية. وتنفي السلطات الصينية والمسؤولون المحليون في الإقليم وجود أي علاقة بين "مراكز التدريب المهني" واليد العاملة ذات التكلفة القليلة.

وفي كانون الثاني/يناير، أعلنت شركة الثياب الأميركية "بادجر سبورتس وير"، عن تعليقها لعقدها مع موردها في شيجيانغ "هيتيان تايدا" خشية من أن يكون يشغّل مساجين بشكل قسري. وتعتبر غولزيرا أويلخان أنها لم تكن لتتحرر لولا إطلاق زوجها لحملة دعم لها بمساعدة ناشطين كازاخيين في حقوق الإنسان. وكازاخستان حليفة للصين وتعتمد عليها اقتصادياً إلى حدّ كبير، ما يجعل احتجاز العديد من الأشخاص الكازاخستانيين في شيجيانغ أمراً محرجاً بالنسبة للسطات. ويسعى دبلوماسيون كازاخستانيون إلى حلّ المسألة بشكل خفي، عبر التفاوض مباشرة مع السلطات الصينية. بحيب فرانس برس.

وفي كانون الأول/ديسمبر، أكد وزير خارجية كازاخستان إطلاق سراح أكثر من ألفين من مواطنيها والسماح لهم بمغادرة الصين "كبادرة حسن نية" من بكين. وتقول أيبوتا جانيبك البالغة من العمر 34 عاماً إن شقيقتها كونيكي اتصلت بها من شيجيانغ في كانون الثاني/يناير بعد أشهر طويلة من الصمت لتقول لها إن السلطات الصينية "كلّفتها" العمل في مصنع سجاد في منطقة شاوان. ومنذ ذلك الحين، لم تتواصل أيبوتا مع شقيقتها. ويقول أقرباء آخرون لها إنها نقلت من مصنع السجاد إلى منطقة أخرى: "قال لي أحد الأقرباء أنها تعمل حالياً في مصنع للفوط التي تستخدم في الطائرات".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3