ما تزال اخبار فضائح الاعتداءات الجنسية داخل الكنائس تتصدر واجهة الكثير من وسائل الإعلام العالمية، التي سعت الى كشف المزيد من الفضائح التي زادت وتفاقمت بسبب تستر السلطات الدينية المسيحية. حيث طالت مزاعم إساءات جنسية رجال دين كاثوليك في مختلف أنحاء العالم، مع اتهامات لقادة الكنيسة بالتغاضي أو التستر على هذه الأخطاء. وطالت هذه المزاعم البابا، بعد أن اتهمه دبلوماسي سابق في الفاتيكان بتجاهل مزاعم انتهاكات ارتكبها كاردينال أمريكي لمدة خمس سنوات.

وأوضح تقرير جديد مسرب أن قساوسة في الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا تحرشوا بآلاف الأطفال خلال الفترة ما بين عامي 1946 و 2014. وجاء ذلك في التقرير الذي أعدته ثلاث جامعات ألمانية لصالح الكنيسة نفسها وسرب إلى وسائل إعلام قبل موعد نشره. ويوضح التقرير الذي نشرته مجلة دير شبيل في نسختها الرقمية أن 1670 من رجال الدين في الكنيسة في ألمانيا قد ارتكبوا بعض أنواع الاعتداءات الجنسية ضد ما يزيد على 3677 طفلا وقاصرا. وأكد المتحدث باسم الكنيسة أنها تشعر بالاستياء والعار من نتائج التقرير.

واستخدمت الجامعات الثلاث نحو 38 ألف وثيقة من 27 كنيسة في ألمانيا وتوصلت لنتيجة مفادها ان الانتهاكات الجنسية من رجال الكنيسة قد تكون أكبر من ذلك بكثير حيث أن اغلب الوثائق التي تدون هذه الانتهاكات تم إخفاؤها او التلاعب بها. ويعد التقرير الالماني أحدث حلقة من سلسلة طويلة من الوقائع التي تورط فيها رجال الكنيسة الكاثوليكية في انتهاكات جنسية بحق الأطفال في مختلف انحاء العالم.

وبحسب الدراسة الجديدة، لم يحقق إلا مع 38 في المائة من مرتكبي هذه الاعتداءات، وواجه معظمهم إجراءات عقوبات تأديبية مخففة. وتقول وسائل إعلام ألمانية إن واحدة من كل ست حالات منها كانت اغتصاب. وأشارت الدراسة إلى أن أغلب الضحايا كانوا من الصبيان وأكثر من نصفهم كانوا في الثالثة عشرة من العمر أو اقل. وأوضحت أن أغلب رجال الكنيسة الذين تعرضوا لعقوبات تأديبية جرى نقلهم إلى كنائس في أماكن أخرى دون أي تحذير للمترددين على الكنيسة من سلوكهم. وكانت الدراسة الألمانية الأخيرة في سلسلة الضربات التي تلقتها الكنيسة الكاثوليكية بشأن الاعتداءات الجنسية على الأطفال.

استقالة البابا

وفي هذا الشأن اتهم مسؤول كبير سابق بالفاتيكان البابا فرنسيس بأنه كان على علم بمزاعم انتهاكات جنسية ارتكبها كاردينال أمريكي بارز على مدى سنوات ودعا البابا للاستقالة في هجوم لم يسبق له مثيل على البابا من داخل الكنيسة. وفي رسالة مؤلفة من 11 صفحة تم تسليمها للمنابر الإعلامية الكاثوليكية المحافظة خلال زيارة البابا لأيرلندا اتهم كبير الأساقفة كارلو ماريا فيجانو قائمة طويلة من مسؤولي الفاتيكان والكنيسة الأمريكية الحاليين والسابقين بالتستر على قضية الكاردينال تيودور مكاريك الذي استقال في وقت سابق.

وفي لغة حادة لافتة للنظر قال فيجانو إن حالات التستر، التي أشار إليها، في الكنيسة تجعل الأمر وكأنه ”مؤامرة صمت لا تختلف كثيرا عما يسود من مؤامرات للمافيا“. وكتب فيجانو، الذي انتقد البابا قبل ذلك، قائلا ”دعا البابا فرنسيس مرارا للشفافية المطلقة في الكنيسة“. وأضاف ”في هذه اللحظة بالغة المأساوية بالنسبة للكنيسة العالمية، عليه الاعتراف بأخطائه، وتمشيا مع المبدأ المعلن بعدم التسامح (مع مثل هذه الأخطاء)، يجب أن يكون البابا فرنسيس أول من يضرب مثلا جيدا للكرادلة والأساقفة الذين تستروا على انتهاكات مكاريك وأن يستقيل معهم كلهم“.

وقال فيجانو إنه أبلغ البابا في عام 2013 بالاتهامات التي يواجهها مكاريك بعد وقت قصير من انتخابه بابا للفاتيكان. واتهم فيجانو الكاردينال دونالد ويرل خليفة مكاريك في منصب أسقف واشنطن بأنه على علم بالانتهاكات وهو ما نفاه ويرل. وأصبح مكاريك أول كاردينال فيما تعيه الذاكرة يستقيل من المناصب العليا في الكنيسة بعد مراجعة توصلت إلى أن المزاعم بأنه انتهك جنسيا فتى يبلغ من العمر 16 عاما ذات مصداقية. وهو يعد من أرفع كبار مسؤولي الكنيسة الذين وجهت إليهم اتهامات بارتكاب انتهاكات جنسية في فضيحة هزت الكنيسة الكاثوليكية التي يبلغ عدد أتباعها 1.2 مليار مسيحي منذ تقارير نشرتها صحيفة بوسطن جلوب في عام 2002 لأول مرة عن انتهاكات ارتكبها قساوسة في حق أطفال وتستر أساقفة عليهم. بحسب فرانس برس.

ومنذ ذلك الوقت ظهرت تقارير عن أطفال تعرضوا لانتهاكات في الولايات المتحدة وأوروبا وتشيلي واستراليا. وطلب الباب فرنسيس المغفرة عن ”الفضائح والخيانة“ التي شعر بها ضحايا الاستغلال الجنسي من قبل رجال دين كاثوليك خلال زيارة مشحونة بدرجة كبيرة لإيرلندا. وقال ضحايا إن البابا ندد بالفساد والتستر داخل الكنيسة ووصف ذلك بفضلات الإنسان.

ألم كبير

الى جانب ذلك أكد البابا فرنسيس في مؤتمر صحافي أنه شعر "بألم كبير" عندما تحدث مع ثمانية من ضحايا الاعتداءات الجنسية التي ارتكبها رجال دين كاثوليك، في إيرلندا. وكان البابا طلب خلال قداس في دبلن "الصفح" للائحة طويلة من القضايا، من كل ضحايا التجاوزات.

وفي بداية حديثه مستخدما لغته الأم الاسبانية خلال القداس، أطلق الحبر الأعظم سلسلة من طلبات "الصفح" موجهة إلى "الناجين من تجاوزات السلطة وتجاوزات الضمير والاعتداءات الجنسية". وأورد البابا لائحة لكل "الجرائم" وخصوصا تلك التي وقعت "في مؤسسات يديرها كهنة أو راهبات وطلب الصفح من "الأطفال الذين أبعدوا عن أمهاتهم" لأنهن حملن خارج إطار الزواج.

وكان البابا تحدث لساعة ونصف الساعة مع ضحايا تجاوزات ارتكبها في الماضي رجال دين وكهنة وأشخاص آخرون في مؤسسا كاثوليكية. وقال "شعرت بألم كبير. أعتقد أنه كان يجب الإصغاء لهؤلاء الأشخاص الثمانية". وأضاف "من هذا الاجتماع خرج الاقتراح -- الاقتراح أعددته بنفسي لكنهم ساعدوني في القيام بذلك -- طلب الصفح اليوم خلال القداس لكن حول أمور ملموسة".

وبدا البابا متأثرا خصوصا بشأن مصير الفتيات غير المتزوجات اللواتي أجبرن على السماح بتبني أبنائهن من قبل عائلات أخرى، بتواطؤ من المؤسسات الدينية. وقال "لم أسمع عنهن اطلاقا"، مشيرا إلى أنه التقى شخصين تم تبنيهما قسرا. وتابع "كان هذا مؤلما بالنسبة لي لكن رافقه عزاء تمثل بامكانية المساعدة في توضيح الأمور". وفي وسط دبلن شارك نحو خمسة آلاف من ضحايا الاعتداءات الجنسية لرجال الكنيسة ومؤيديهم بتظاهرة رفعت شعار "لننهض من أجل الحقيقة". بحسب فرانس برس.

وفي حديثه إلى الصحافيين في الطائرة، أكد البابا فرنسيس أن لا ضرورة للردّ على اتهام خطير وجّهه اليه السفير البابوي السابق في واشنطن كارلو ماريا فيغانو، بالتستر على تجاوزات ارتكبها الكاردينال الأميركي تيودور ماكاريك الذي اتُّهم علانية بالاعتداء جنسياَ على إكليريكيين وكهنة شبان. وقال البابا للصحافيين على متن الطائرة "لن انبس ببنت شفة بشأن هذا الامر. اعتقد ان البيان يتحدث عن نفسه". وأضاف البابا في تصريحه للصحافيين " اقرأوا البيان بعناية وأحكموا عليه بأنفسكم". وأضاف "لديكم القدرة الصحافية الكافية للتوصل الى استنتاجات. هذا عمل ثقة. عندما يمر بعض الوقت وتكون لديكم الاستنتاجات عندها ربما اتكلم عنه ولكن أودّ من نضجكم المهني أن يقوم بهذا العمل".

التستر على الانتهاكات

في السياق ذاته وجه البابا فرنسيس رسالة غير مسبوقة لكاثوليك العالم يطلب من كل منهم المساعدة في اجتثاث ما وصفها بأنها ”بيئة تفضي إلى الهلاك“ في إشارة لأزمات الانتهاكات الجنسية التي تورط فيها بعض رجال الدين المسيحي في عدة بلدان. وفي الرسالة تعهد أيضا ألا يألو جهدا في منع الانتهاكات الجنسية والقضاء على التستر عليها. وقال ”أدركنا أن تلك الجراح لا تندمل وأنها تتطلب منا إدانة تلك الفظائع بقوة والتعاون من أجل اجتثاث تلك البيئة التي تفضي إلى الهلاك“.

كما تطرقت الرسالة إلى تقرير صدر مؤخرا عن هيئة محلفين كبرى في ولاية بنسلفانيا الأمريكية. فقال البابا إن أغلب الحالات الواردة في التقرير ”من الماضي“ لكنها توضح أن الانتهاكات ”تم تجاهلها لفترة طويلة والسكوت عنها أو إسكات من يتحدث عنها“. وقال مسؤول في الفاتيكان إن تلك هي المرة الأولى التي يكتب فيها أحد البابوات رسالة موجهة لكل الكاثوليك في العالم وعددهم 1.2 مليار نسمة عن الانتهاكات الجنسية. وسبق توجيه رسائل بشأن الفضيحة لقساوسة أو لأتباع الكنيسة في دول بعينها.

ونشرت هيئة المحلفين الكبرى ما خلصت إليه بعد أكبر تحقيق على الإطلاق ينظر في قضية الانتهاكات الجنسية داخل الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية. وقال التقرير إن 301 من قساوسة الولاية ارتكبوا انتهاكات جنسية بحق قصر على مدى السبعين عاما الماضية. ونشر البابا رسالته فيما تواجه الكنيسة فضائح انتهاكات جنسية في عدد من الدول من بينها الولايات المتحدة وتشيلي واستراليا. كما جاء نشره قبل أيام من زيارة البابا لأيرلندا التي شهدت أزمة بسبب فضيحة مماثلة.

وأقر البابا فرنسيس في رسالة موجهة إلى أتباع الكنيسة الكاثوليكية بأنها تخلت عن الأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية التي ارتكبها كهنة تابعون للكنيسة. واعتبر رئيس أساقفة بوسطن الكاردينال شون أومالي الذي يدير لجنة لمكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال، في إعلان مكتوب أن "الوقت يمرّ بالنسبة إلينا جميعا كقادة للكنيسة، نفد صبر الكاثوليك والمجتمع المدني فقد ثقته فينا".

على صعيد متصل دعت لجنة مكافحة التحرش بالاطفال التي شكّلها البابا فرنسيس إلى جعل التصدي لاستغلال الأطفال "أولوية" بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، متعهدة إيصال أصوات الضحايا إلى داخل المؤسسة الكنسية. وقال رئيس اللجنة الكاردينال شون باتريك أومالي إن "هذا الأمر يجب ان يشكل أولوية لنا حاليا"، مضيفا "وإلا فإن كافة أنشطتنا التبشيرية الأخرى، وأعمالنا الخيرية والتربوية ستتأثر".

واختتمت اللجنة ا اجتماعها نصف السنوي في وقت تهز الكنيسة سلسلة فضائح تستّر أساقفة على كهنة تحرشوا جنسيا بأطفال بحجة حماية المؤسسة الكنسية. وشُكّلت اللجنة في 2014 وتم تجديد ولايتها في 2018. وشدد الكاردينال أومالي في مقابلة مع الموقع الإعلامي للفاتيكان على أن "إيصال أصوات الضحايا إلى الهيئات الكنسية العليا يكتسب أهمية كبرى لكي يدرك الجميع أهمية تصدي الكنيسة سريعا وبالشكل الصحيح لكل حالات الاستغلال، أينما سُجّلت". بحسب فرانس برس.

واللجنة مكلفة النظر في قضايا الكهنة المتهمين، التي تستغرق وقتا طويلا وحيث العقوبة القصوى هي الطرد من الكهنوت. وأعلن الفاتيكان في بيان أن أعضاء في اللجنة شاركوا في الأشهر الأخيرة في مئات الاجتماعات والمؤتمرات حول العالم وبخاصة "في القارات حيث يُعتبر الموضوع جديدا وقليلا ما يتم التحدث فيه". ومن المقرر إقامة مؤتمرات تثقيفية للمسؤولين الكنسيين اعتبارا من ربيع 2019 في أوروبا الوسطى والبرازيل وبعدها في المكسيك وكولومبيا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0