تزايدت الانتقادات الدولية للحكومة المصرية بسبب تدهور ملف الحقوق والحريات، حيث عبرت بعض المنظمات والمؤسسات الحقوقية، عن قلقها العميق بشأن مناخ التخويف السائد في البلاد خصوصا وان السلطات المصرية قد كثفت في الفترة الاخيرة حملات الاعتقالات ضد المعارضين وحجب المواقع الاخبارية سبب انتقادهم السلمي للحكومة المصرية. ويتحسس النظام الحالي برئاسة عبد الفتاح السيسي بحسب بعض المصادر، من أي ذكر لـ “حقوق الإنسان”، خاصة في ظل الانتقادات الشديدة لأوضاع حقوق الإنسان، منذ وصوله للحكم. ويقول أنصار السيسي إن الإجراءات الأمنية والاقتصادية القاسية ضرورية للحفاظ على استقرار البلاد في وقت تتعافى فيه من فوضى سياسية وتتصدى لتحديات اقتصادية هائلة وهجمات يشنها متشددون إسلاميون.

وحذرت الأمم المتحدة من "التصعيد الكبير" في الحملة الأمنية التي تشنها السلطات المصرية على معارضيها، محذرة من أن الاعتقال التعسفي في البلاد تحول إلى "مشكلة مزمنة". ومنذ العام 2013، انتقدت المجموعات الحقوقية حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لشنها حملة أمنية طاولت الناشطين العلمانيين واليساريين إلى جانب الإسلاميين المقربين من جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

وحذر مكتب المفوض السامي لحقوق الانسان التابع للأمم المتحدة من "تجدد حملة التوقيفات والتحقيقات والاعتقالات بحق الناشطين والمدونين والصحافيين في مصر". وقالت المتحدثة باسم المكتب الأممي رافينا شمدساني للصحافيين في جنيف إن ذلك "يشير على ما يبدو إلى تصعيد كبير في الحملة الأمنية ضد حرية التعبير والتجمع في البلاد". واشارت الى قائمة طويلة من المدونين والصحافيين والمحامين والنشطاء البارزين الذين تم اعتقالهم في الأسابيع التي تلت أمرا أصدره النائب العام في مصر في شباط/فبراير بمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي وضبط ما تبثه من أخبار أو معلومات "كاذبة".

وتزامنت الحملة مع انتخابات آذار/مارس التي فاز فيها السيسي رسميا بـ97 بالمئة من الأصوات. وجرت مراسم تنصيبه ليبدأ ولايته الثانية التي تستمر أربعة أعوام. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن السلطات لم تبرز مذكرة توقيف في كثير من الحالات التي سجلت مؤخرا. وقالت شمدساني "نحن قلقون للغاية من تحول اعتقالات كهذه إلى أمر مألوف بحيث تتبعها عادة أحكام قضائية قاسية في ما يتعلق بممارسة حرية الرأي والتعبير والتجمع". وأضافت أن "الاعتقالات التعسفية أصبحت مشكلة مزمنة في مصر". وأكدت أن الحالات التي ذكرتها هي "القضايا البارزة" فقط "التي علمت بها الأمم المتحدة. وبالتأكيد هناك حالات أخرى عديدة".

حملة جديدة

وفي هذا الشأن قامت أجهزة الامن بحملة توقيفات جديدة شملت معارضين ومدونين وصحافيين وناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي. وبدأت هذه الموجة عقب فوز السيسي بولاية رئاسية ثانية بنسبة 97% في الانتخابات التي أجريت في نهاية آذار/مارس الماضي، وهي الثانية منذ أطاح الرئيس المصري، عندما كان قائدا للجيش، بالرئيس الاسلامي محمد مرسي في تموز/يوليو 2013 بعد تظاهرات حاشدة طالبت برحيله.

وشملت التوقيفات خصوصا شادي الغزالي حرب وحازم عبد العظيم ووائل عباس، وهي أسماء ارتبطت بثورة 2011 التي أسقطت حسني مبارك والتي فاجأت آنذاك كل مؤسسات نظامه بما فيها الجيش. ويقول محللون ان هذه الموجة الجديدة من التوقيفات تشكل استمرارا للسياسة "القمعية" التي ينتهجها نظام السيسي منذ توليه السلطة والتي أسكتت المعارضة الى حد بعيد، ولكنها ايضا مرتبطة بتزايد الاستياء لدى قطاعات كبيرة من المصريين بسبب ارتفاع كلفة المعيشة.

ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد إن هذه التوقيفات تشير الى ان "شيئا لم يتغير في السياسات الامنية للنظام" المصري. ويضيف "ما زال هناك تخوف من تكرار ما جرى في كانون الثاني/يناير 2011، وهو ما عبر عنه الرئيس السيسي أكثر من مرة" في تصريحاته. ويتابع "مع الزيادة المنتظرة في أسعار المحروقات والكهرباء"، يخشى "صناع القرار من ان يستغل الناشطون، خصوصا ممن ارتبطت اسماؤهم بثورة 2011، الظروف لتعبئة المواطنين ضد نظام السيسي"، موضحا ان "برنامج الاصلاح الاقتصادي تقع آثاره المتمثلة في ارتفاع الاسعار على الغالبية العظمى من المصريين".

وأعلن مسؤولون مصريون مرارا ان أسعار الكهرباء والمحروقات سترتفع مع بداية العمل بموازنة السنة المالية الجديدة مطلع تموز/يوليو 2018 من دون ان يحددوا نسبة الزيادة. وتنشر الصحف الحكومية الثلاث وبعض الصحف الخاصة وبعض قنوات التلفزيون منذ أيام، جدولا بعنوان "قيمة ما تتحمله الدولة نتيجة استيراد المنتجات البترولية عند 75 دولارا للبرميل". ويشير هذا الجدول الى أن الدولة تتكبد قرابة 104 مليارات جنيه (5,8 مليارات دولار تقريبا) سنويا لدعم الوقود.

ونددت منظمات حقوقية والاتحاد الاوروبي بتوقيف معارضين وشخصيات من المجتمع المدني في مصر بعد إعادة انتخاب السيسي. وقالت مايا كوسيانسيتش، الناطقة باسم وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني، إن "العدد المتزايد للتوقيفات بحق مدافعين عن حقوق الانسان وناشطين سياسيين ومدونين في الاسابيع الماضية في مصر يشكل تطورا مقلقا". وأضافت المتحدثة "في وقت تسعى مصر لترسيخ الديموقراطية ودولة القانون، من المهم احترام التعبير السلمي عن الرأي والانتقاد".

وتابعت ان "الاستقرار والامن الدائمين لا يمكن ان يتماشيا الا مع الاحترام الكامل لحقوق الانسان والحريات الاساسية بموجب الدستور المصري والالتزامات الدولية". وردت وزارة الخارجية المصرية، مؤكدة "رفضها" هذه الانتقادات. واعتبرت انه يمكن كذلك التنديد بسجل اوروبا في مجال حقوق الانسان، مشيرة الى "الصعوبات الجمة والمعاملة المزرية التي يعاني منها الكثير من المهاجرين واللاجئين، وتجاوزات سلطات إنفاذ القانون، فضلاً عن تصاعد الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة، وما يقترن بذلك من مظاهر العنصرية والتمييز والعنف وخطاب الكراهية".

وقررت نيابة أمن الدولة العليا حبس المدون والصحافي البارز وائل عباس 15 يوما احتياطيا بعد أن حققت معه بتهم عدة بينها "المشاركة في تنفيذ اهداف جماعة ارهابية"، و"نشر اخبار كاذبة واساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي". ويعرف عباس بنشر أشرطة فيديو حول التعذيب في أقسام الشرطة إبان نظام مبارك. وكانت نيابة أمن الدولة العليا قررت في وقت سابق حبس الناشط السياسي شادي الغزالي حرب مدة 15 يوما احتياطيا بعد التحقيق معه بتهم نشر أخبار كاذبة على "فيسبوك" و"تويتر".

وقضت محكمة عسكرية بحبس الصحافي والباحث اسماعيل الاسكندراني عشر سنوات. وكان تم توقيفه في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 بتهمة الانتماء الى جماعة الاخوان المسلمين التي تصنفها السلطات إرهابية منذ العام 2013. ووفق منظمة "مراسلون بلا حدود"، فان 33 مواطنا صحافيا ومدونا يقبعون في السجن في مصر. ويقول الباحث في معهد العلاقات الاستراتيجية الدولية بفرنسا كريم بيطار إن التوقيفات "تشكل استمرارا لسياسات القمع التي انتهجت خلال السنوات الاخيرة والرامية الى القضاء على كل السلطات القادرة على إحداث التوازن مع السلطة التنفيذية مثل البرلمان والقضاء والاعلام والمنظمات غير الحكومية والمثقفين وغير ذلك". بحسب فرانس برس.

ويتابع ان التوقيفات "مرتبطة من دون شك بالشعور المتنامي بالاستياء لدى قطاعات واسعة من المصريين وكذلك بشعور النظام بأنه قادر على الافلات من العقاب بسبب قرار الغرب غض النظر عنه". ويعتبر بيطار ان "التفضيل الغربي للسلطوية العربية يمنح الحكام في الشرق الاوسط شيكات على بياض تجعلهم يشعرون بأنهم مطلقو الايدي في ما يتعلق بالقمع".

اتهامات مستمرة

في السياق ذاته قالت منظمة العفو الدولية والتي تتخذ من لندن مقرا لها، إن السلطات المصرية تحتجز سجناء بتهم ذات طابع سياسي في الحبس الانفرادي لفترات طويلة وتعرضهم لسوء المعاملة الجسدية، مشيرة في تقرير لها إلى أن هذه الممارسة قد تصل إلى التعذيب. وجاء في ملخص تقرير المنظمة غير الحكومية أن "عشرات من نشطاء حقوق الإنسان والصحافيين وأعضاء المعارضة المحتجزين في الحبس الانفرادي يتعرضون لأذى جسدي مروع".

كما كشف تحقيق أجرته العفو الدولية "أن السجناء المحتجزين بتهم ذات دوافع سياسية يتم احتجازهم في الحبس الانفرادي المطول وغير محدد المدة في مصر في بعض الأحيان لعدة سنوات، وهو ما يرقى بحد ذاته إلى التعذيب". وأضافت "المحتجزون محبوسون في زنزاناتهم لمدة24 ساعة لأسابيع، في ظروف حبس مروعة دون أي اتصال بشري". وتقول العفو الدولية إنها وثقت36 حالة سجناء محتجزين في "الحبس الانفرادي لفترات طويلة إلى أجل غير مسمى". مشيرة إلى أنه يسمح للسجناء بممارسة التمارين ساعة يوميا، غير أنهم يمنعون من الاتصال الواحد بالآخر، ويحرمون من الزيارات العائلية بشكل منتظم. بحسب فرانس برس

وقالت المنظمة "نظرا لخطورة النتائج (بحثها)، فقد قدمت منظمة العفو الدولية مذكرة تحتوي على ملخص لهذا البحث إلى السلطات المصرية في16 نيسان/أبريل ولم يتم تلقي أي رد". وتم في مصر، توقيف آلاف الأشخاص غالبيتهم من الإسلاميين وبعض المعارضين الليبراليين عقب إطاحة الجيش بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في 2013 إثر احتجاجات شعبية كبيرة ضده. ومنذ تلك الفترة، تتهم منظمات حقوقية محلية ودولية القاهرة بانتهاك حقوق الإنسان، بما يشمل عمليات اختفاء قسري وأحكام تعسفية وتوقيفات غير قانونية. إلا أن الحكومة تنكر هذه الاتهامات باستمرار معتبرة أن ما يحدث من انتهاكات حالات فردية تتم محاسبة مرتكبيها.

من جانب اخر قالت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصدر عفوا عن 712 سجينا وذكرت مصادر أمنية أن الكثير من المفرج عنهم من الشبان الذين سجنوا في احتجاجات مناهضة للحكومة. وأصدر السيسي عدة قرارات بالعفو عن سجناء سنويا خلال المناسبات الرئيسية وغالبا ما شمل ذلك الإفراج عن طلاب ومحتجين شبان.

اضف تعليق