يواجه ملف الحقوق والحريات في دول العالم دون استثناء تحديات ومشكلات كبيرة، بسبب استمرار الانتهاكات والتجاوزات التي تقوم بها الحكومات، وخصوصا تلك التي ترفع شعارات الدفاع عن الحرية وحقوق الانسان وغيرها من الشعارات الاخرى، التي تطالب بتطبيقها في دول اخرى قد تكون وبحسب بعض المراقبين اكثر قسوة في تطبيق القوانين والإجراءات والقيود بخصوص ملف الحريات والحقوق، هذه الانتهاكات والتجاوزات اثارت قلق ومخاوف العديد من المنظمات والمؤسسات الحقوقية، حيث رسمت مؤسسة "فريدوم هاوس" الأميركية، التي ترصد واقع الديمقراطية والحريات في جميع دول العالم في تقريرها لعام 2018، صورة قاتمة لهذه الأوضاع.

وقالت المؤسسة في تقريرها إن "الديمقراطية واجهت في العام الماضي أخطر أزمة لها منذ عقود وواجهت تحديات جدية في ضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة، واحترام حقوق الأقليات، وحرية الصحافة، وسيادة القانون". وطبقا للنتائج التي توصلت إليها "فريدوم هاوس" فقد سجلت أوضاع الحريات والحقوق السياسية والمدنية تدهورا كبيرا في 71 بلداً وتحسنت في 35 أخرى. وخلص التقرير إلى أن 45% من دول العالم تتمتع بالحرية في حين أن 30% منها حرة نسبيا، في حين تفتقر 25% منها إلى كل أنواع الحريات. وجاء في تقييم المؤسسة ايضا "إن إدارة الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب تخلت خلال عام 2017 قولا وفعلا عن كل المبادئ والقيم التي مثلت جوهر سياسة الولايات المتحدة خلال العقود السبعة الماضية".

وتواجه العديد من الحكومات الغربية ومنها امريكا وفرنسا وبريطانيا انتقادات متواصلة ايضا، بسبب دعمها المباشر لبعض الانظمة القمعية وتزويدها بالأسلحة والمعدات، في سبيل تحقيق منافع مادية في مخالفة واضحة لكل القيم والاعراف الدولية، وتواجه الحكومة البريطانية بحسب بعض المصادر، انتقادات جمة من عدة منظمات حقوقية، حيث بلغت قيمة مبيعات الأسلحة التي باعتها المملكة المتحدة إلى المملكة العربية السعودية منذ بدء الحرب المدمرة في اليمن 3.6 مليارات جنيه إسترليني. وطبقا للتقرير الأخير لمنظمة “كونترول أرمز”، فإن المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، احتلت المراكز الثلاثة الأولى في قائمة الدول المصدرة للأسلحة للنظام السعودي منذ اندلاع الحرب في اليمن في عام 2015، على الرغم من سقوط آلاف المدنيين، بما في ذلك الأطفال.

وفي تقريرها الأخير، وجدت مجموعة “كونترول آرمز” وهو ما توافق مع ما رصدته مجموعات حقوقية أخرى، بما في ذلك مجموعة “حملة ضد تجارة الأسلحة”، أن المملكة المتحدة وحدها وافقت على مبيعات للأسلحة بقيمة 3.6 مليارات جنيه إسترليني منذ بدء التحالف السعودي المدعوم لضرباته الجوية في اليمن، وقد قتل 13 ألف شخص في اليمن منذ مارس 2015. وقد اتهمت منظمة العفو الدولية تلك الدول بانتهاك معاهدةَ الأمم المتحدة لتنظيم تجارة الأسلحة الدولية، وتجاهل التزاماتها على نحو فعال من خلال الاستمرار في توريد الأسلحة حتى عندما يكون هناك خطر حقيقي من أنها ستسبب انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان.

سياسات الكراهية

وفي هذا الشأن اعلنت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي ان "سياسات الشيطنة" المتمثلة بموقفي اوروبا وادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب من ازمة الهجرة، اوجدت ارضية خصبة للانتهاكات ضد حقوق الانسان في 2017. وشددت المنظمة ومقرها بريطانيا في تقريرها على قرار الرئيس الاميركي "المليء بالكراهية" حظر دخول رعايا سبع دول مسلمة الى الولايات المتحدة. واورد التقرير السنوي الذي اطلق لاول مرة من الولايات المتحدة انه "طوال 2017 اختبر الملايين في العالم التداعيات المريرة لسياسات الشيطنة".

واتهم التقرير قادة الدول الغنية بمقاربة ازمة الهجرة "بمزيج من التهرب والقسوة المطلقة". وقال التقرير ان "غالبية القادة الاوروبيين لم تكن لديهم نية التعاطي مع التحدي الكبير المتمثل بتنظيم الهجرة بشكل آمن وشرعي، وقرروا ان كل الامور متاحة لهم عملية لابقاء المهاجرين بعيدين عن شواطئ قارتهم". ووجه الامين العام لمنظمة العفو سليل شيتي انتقاداته الى الرئيس الاميركي، معتبرا ان حظر السفر "شكل الاطار العام لسنة مارس فيها قادة (دول) اخطر انواع سياسات الكراهية".

ودان شيتي قرار ترامب الابقاء على معتقل غوانتانامو في كوبا، وموقفه المتردد ازاء تقنيات الايهام بالغرق وغيرها من تقنيات الاستجواب القاسية. وقال "يمكنكم تخيل ما يعنيه ذلك لحكومات من حول العالم تمارس التعذيب بشكل مفرط". واشار شيتي الى ان مواقف الاميركيين كان لها تأثير في مختلف دول العالم.

وقالت تيرانا حسن مديرة الاستجابة للازمات في منظمة العفو "شهدنا غيابا تاما للاخلاقيات او لريادة العدالة القضائية لدى المجتمع الدولي عندما كان يتعلق الامر بنزاع، او ازمة، او فظاعات جماعية". وقالت منظمة العفو ان حملة القمع التي شنها جيش بورما ضد متمردي الروهينغا، وادت الى تدفق نحو 700 الف من ابناء هذه الاقلية الى بنغلادش المحاذية، كانت النتيجة الحتمية لمجتمع يتم دفعه باتجاه الكره، وتحميل الآخرين المسؤولية، والخوف من الاقليات". واضاف التقرير ان "هذه الحقبة ستبقى في التاريخ شاهدا اضافيا على الاخفاق الكارثي للعالم في التعاطي مع ظروف تشكل ارضية خصبة لجرائم جماعية وحشية".

والقى التقرير الضوء على الانتخابات الاخيرة في استراليا وفرنسا والمانيا وهولندا حيث "سعى مرشحون الى تحويل الهواجس الاجتماعية والاقتصادية الى خوف وتحميل مسؤوليات"، في دليل على "وصول معركة القيم في العالم الى مستوى جديد من الحدة" في 2017. واتهم التقرير حكومات باستغلال هواجس الامن القومي والارهاب "من اجل ايجاد توازن جديد بين سلطات الدولة والحريات الشخصية". وحذر التقرير من ان "اوروبا تنزلق نحو ما يشبه حالة الطوارئ شبه الدائمة".

ويقول التقرير ان "فرنسا، على سبيل المثال، لم تنه حالة الطوارئ في تشرين الثاني/نوفمبر الا بعد اقرار قانون جديد لمكافحة الارهاب". وتقول المنظمة انه يمكن "لاشخاص عاديين" استعادة المبادرة في اشارة الى طلاب فلوريدا الذين طالبوا بزيادة الضوابط على الاسلحة بعد مجزرة مدرسة باركلاند. وقال شيتي إن "ما شهدناه من ابناء هذه البلاد الذين وقفوا بوجه عنف السلاح في الايام الاخيرة يشكل افضل مثال على ذلك".

ونوه التقرير بحملة #انا_ايضا للاضاءة على "الحد المروع الذي وصلت اليه الانتهاكات الجنسية والتحرش". لكن التقرير حذر من ان شركات الانترنت العملاقة هي جزء من المشكلة، وان لديها قدرات فائقة تمكنها من تحريف الروايات وترويج "الاخبار الكاذبة". وقال إن "سيل الانتهاكات على الانترنت، وبخاصة ضد النساء، والتحريض على الكراهية ضد الاقليات، قوبل بردود ضعيفة وغير متناسبة من شركات وسائل التواصل الاجتماعي وردود فعل قليلة من الحكومات". واشار التقرير الى ان "تحكم مجموعة صغيرة من الشركات بالمعلومات المتوفرة على الشبكة يفاقم هذه الهواجس". بحسب فرانس برس.

واضاف التقرير ان "القدرة على التاثير بالرأي العام الناجمة عن ذلك هائلة، وتتضمن امكانية تحريض شبه مطلقة على الكراهية والعنف". وتابع إن "استعداد قادة بارزين لترويج اخبار كاذبة... الى جانب مهاجمة مؤسسات تشكل جهات رقابية للسلطات يؤكد ان معركة حرية التعبير ستكون اساسية" في 2018. وختم التقرير "علينا ان نرفض روايات الشيطنة وان نبني بدلا منها ثقافة التضامن".

أوروبا وأمريكا

الى جانب ذلك أعلنت منظمة "مراسلون بلا حدود" أن حرية التعبير والصحافة في كافة ربوع العالم باتت مهددة من قبل رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب وروسيا، وأيضا الصين التي تحاول "سحق كل معارضة". واتهمت المنظمة غير الحكومية القوى الكبرى الثلاث بأنها تقود العمل ضد حرية الصحافة، مشيرة إلى أن ترامب يشن هجمات شخصية باستمرار على الصحافيين، فيما تصدر بكين "نموذجها لمراقبة الإعلام "من أجل خنق المعارضة في أماكن أخرى في آسيا.

كما سجلت المنظمة مزيدا من التراجع في حرية الصحافة عبر مختلف دول العالم في 2017، و"أجواء من الكراهية والعداء" ضد الصحافيين وبشكل خاص في أوروبا والولايات المتحدة ما يشكل "تهديدا للديمقراطيات". وقالت "مراسلون بلا حدود" في تقريرها السنوي، إن الصحافيين باتوا هدفا لموجة متنامية من الاستبداد مع مجاهرة القادة بالعداء لهم. كما نشرت المنظمة خارطة للعالم تستند على تصنيف الدول بحسب حرية الصحافة، أظهرت أن 21 بلدا أصبحت في وضع "خطير جدا" وهو رقم قياسي، بعد انضمام العراق إلى هذه الفئة التي تضم أيضا مصر (المرتبة 161) والصين (المرتبة 176) وكوريا الشمالية التي بقيت في المرتبة الثمانين بعد المئة والأخيرة.

كما أكدت المنظمة أن خطاب الكراهية والهجمات على الصحافة لم تعد تصدر عن الدول المستبدة فقط. إذ إن التوجه نحو سياسة "الرجال الأقوياء" والشعوبية في أوروبا والتي تؤججها روسيا، تهدد بحسب المنظمة الحريات في المنطقة التي كانت يوما الأكثر آمانا، مشيرة إلى أن الوضع في المجر وسلوفاكيا وبولندا ينذر بالخطر. ولفتت المنظمة أيضا إلى ظهور رئيس تشيكيا ميلوش زيمان في مؤتمر صحافي بسلاح كلاشينكوف مزيف مكتوب عليه "للصحافيين"، ووصف زعيم سلوفاكيا السابق روبرت فيكو صحافيات وصحافيين "بالعاهرات القذرات المعاديات لسلوفاكيا" و "الضباع الأغبياء".

وفي نفس الإطار، قال رئيس المنظمة كريستوف دولوار إن "الكراهية ضد الصحافيين من أخطر التهديدات للديمقراطيات". وتابع أن "القادة السياسيين الذين يزكون احتقار الصحافيين (...) يقوضون مبدأ النقاش العام القائم على الحقائق بدلا من الدعاية. الطعن في شرعية الصحافة اليوم بمثابة اللعب بنار سياسية خطيرة جدا". ولم يعد عداء المسؤولين السياسيين للإعلام بحسب منظمة "مراسلون بلا حدود" حكرا على "الدول المستبدة مثل تركيا أو مصر"، بل بات يسمم الأجواء السياسية في بعض الديمقراطيات. إذ ذكرت المنظمة " أننسبة رؤساء الدول المنتخبين ديمقراطيا الذين لا يعتبرون الصحافة ركيزة أساسية للديمقراطية، وإنما خصما تعلن نحوه البغضاء قد ارتفعت"، مثل ترامب والرئيس الفيليبيني رودريغو ديتورتي ورئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي.

وأشارت إلى أن الرئيس الأمريكي يعتمد خطابا بغيضا بشكل صريح، ويعتبر المراسلين "أعداء الشعب"، مستخدما عبارة كان يكررها الزعيم السوفياتي جوزف ستالين. واتهمت المنظمة روسيا بقيادة رئيسها فلاديمير بوتين "بخنق الأصوات المستقلة داخل حدودها وتوسيع شبكة دعايتها في العالم بفضل وسائل إعلام مثل روسيا اليوم وسبوتنيك". ورفعت المنظمة من حدة لهجتها في ما يخص الصين، قائلة إن الرئيس الصيني "شي جيبينغ يقترب أكثر وأكثر من نسخة معاصرة من الاستبداد". وجاء في التقرير أن "الرقابة والمراقبة بلغا مستويات غير مسبوقة بفضل الاستخدام الهائل للتكنولوجيا الحديثة" في ولايته الرئاسية الأولى.

وأضافت أن الحكومة الصينية "تسعى لتأسيس نظام (إعلام عالمي جديد) خاضع لنفوذها بتصدير أدواتها القمعية وأنظمة الرقابة المعلوماتية وأدوات مراقبة الإنترنت". وقالت إن "رغبة (الصين) الواضحة في سحق كل جيوب المقاومة العامة تجد من يفعل مثلها للأسف في آسيا". منددة بإمكانية انتشار نفوذ الصين وتكتيكاتها إلى تايلاند وماليزيا وسنغافورة. وبحسب منظمة "مراسلون بلا حدود" فلقد تراجعت تركيا "أكبر سجان للصحافيين" إلى نطاق الدول الـ25 الأكثر قمعا في العالم. وأدانت المنظمة انتشار "رهاب الإعلام "في تركيا إلى درجة تعميم الاتهامات بالإرهاب ضد الصحافيين وسجن غير الموالين منهم اعتباطيا. فيما تبقى كوريا الشمالية أكثر دولة قمعا للصحافة على وجه الأرض تليها إريتريا وتركمانستان وسوريا والصين.

وبحسب مؤشر حرية الصحافة المؤلف من 180 دولة، فإن السعودية والبحرين وفيتنام والسودان وكوبا، لا تزال الدول الأكثر قمعا للصحافة. فيما تراجعت مالطا 18 مرتبة بعد اغتيال الصحافية الاستقصائية دافنه كاروانا غاليزيا. وبات المكسيك، بعد مقتل 11 صحافيا ففي 2017، يحتل المرتبة الثانية في العالم من حيث مقتل صحافيين. كما اعتبرت المنظمة أن منطقة "الشرق الأوسط الأكثر صعوبة وخطورة لممارسة مهنة الصحافة"، مع استمرار الحرب في سوريا واليمن والتهم المتكررة بالإرهاب في مصر وكذلك العربية السعودية. بحسب فرانس برس.

وبرغم كل الأرقام السيئة في مجال حرية الصحافة عبر العالم، فلقد حمل تقرير "مراسلون بلا حدود" بارقة أمل بخصوص حرية الصحافة في بعض الدول. فالإكوادور في أمريكا الجنوبية تقدمت 13 مرتبة بعد تهدئة التوتر بين النظام ووسائل الإعلام الخاصة، فيما أحرزت كندا بقيادة جاستن ترودو تقدما وارتقت أربعة مراتب لتصبح في " المرتبة 18"، وتنضم لقائمة أفضل عشرين التي تهيمن عليها الدول الأوروبية. كما حققت جامايكا بدورها تقدما لافتا بعد أن حلت في المرتبة الثامنة إجمالا، متجاوزة بلجيكا ونيوزلاندا. فيما قفزت غامبيا، الدولة الصغيرة في أفريقيا، 21 مرتبة قبل أنغولا وزيمبابوي اللتين قفزتا أربع مراتب ومرتبتين على التوالي. كما أشارت المنظمة إلى أن "رحيل ثلاث من أشد أعداء الصحافة في أفريقيا يفتح عهدا واعدا للصحافيين" في البلدان الثلاثة. وتبقى الدول الإسكندنافية كالعادة في قمة القائمة، بوجود النرويج بالمرتبة الأولى كأكثر دول العالم تمتعا بحرية الصحافة للسنة الثانية على التوالي.

انتشار الأنظمة المتسلطة

على صعيد متصل ومع تمكين شي جينبينغ من البقاء في السلطة مدى الحياة، ترسخ الصين موقعها أكثر ضمن المجموعة المتزايدة من الدول التي تعتمد أسلوب حكم استبداديا برئاسة رجل مطلق الصلاحيات، في مواجهة النموذج الديموقراطي في الغرب. ويساهم قادة مثل فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان وفيكتور أوربان ورودريغو دوتيرتي، والعديدون منهم منتخبون ديموقراطيا، في نشر نهج الحكم المنافي لليبرالية وغير المؤاتي لمناصرة الحقوق الفردية بوجه السلطات.

ويشكل تزايد هؤلاء القادة من روسيا إلى تركيا وصولا الى المجر، تحديا لنموذج الديموقراطية الليبرالية الذي يقوم على ركيزتين اساسيتين هما آلية انتخاب القادة ديموقراطيا ودولة قانون تضمن الحريات العامة. وقال الباحث في مركز جامعة أوكسفورد لمسائل الصين جورج ماغنوس إن هذه الأنظمة "ترفض النموذج الديموقراطي الذي نشأنا فيه نحن (الغربيين) والذي نعتبره طبيعيا، في حين أنه ليس كذلك بالطبع، إذ أنه من منظور التاريخ البشري، لا يعود وجوده إلى وقت طويل".

وما يعزز انتشار القادة المتسلطين التيارات الشعبوية التي تعصف بقلب الديموقراطيات الليبرالية، الولايات المتحدة وأوروبا، وقد حملت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وأدت إلى التصويت على بريكست، وهي تيارات لا تؤيد بالضرورة المنحى "الليبرالي" في أنظمتها الديموقراطية. ورأت الدكتورة في العلوم السياسية رئيسة مكتب "بلانيتينغ" للاستشارات كارولين غالاكتيروس "من المؤكد أن نادي الديموقراطيات الموجهة يتسع وأن بنية السلطة الصينية تجعل من هذه الديموقراطية بالذات عضوا بارزا في هذا التجمع الجديد المقاوم للطموحات الأميركية في الهيمنة" باعتبار الولايات المتحدة أبرز أعضاء مجموعة الديموقراطيات الليبرالية.

وتساءل بعض المفكرين مثل فرانسيس فوكوياما في بداية حقبة التسعينات إن لم تكن البشرية بلغت "نهاية التاريخ" مع حتمية صعود الديموقراطية الليبرالية التي هزمت الشيوعية والديكتاتوريات. لكن العقد لم يكن انتهى حين كتب فريد زكريا في مجلة "فورين أفيرز" عن ظهور "الديموقراطية المنافية لليبرالية" في مواقع عديدة من العالم، وهي ظاهرة لا تزال قائمة إلى اليوم. وأوضحت غالاكتيروس أن "الرهان بالنسبة لهذه الدول يكمن في فصل نموها الاقتصادي والمالي الذي يستند في أوجه عديدة إلى مبادئ الليبرالية الشاملة ويغتنم كل ما تتيحه العولمة من فرص، عن السيطرة السياسية والاجتماعية على شعوبها... لتجنب المصير الذي لقيته روسيا على سبيل المثال في التسعينات".

ويرى المدافعون عن نموذج الديموقراطية الليبرالية أن الخطر عليها بات فعليا اليوم، على ضوء الضعف التاريخي الذي تعاني منه هذه الأنظمة التي تعتبر من الأكثر تطورا على صعيد الحريات الفردية. ورأى ماغنوس "إنها مرحلة في غاية الخطورة بالنسبة للحكومة الدولية". وأوضح مدير منظمة هيومن رايتس ووتش غير الحكومية كينيث روث أن "ألعديد من المتسلطين خلف نشوء هذه الديموقراطيات المنافية لليبرالية يستغلون مشاعر الاستياء (حيال العولمة والهجرة ونظام التشغيل الآلي وغيرها من المسائل)".

وتابع متحدثا "من المهم أن يسلط القادة الديموقراطيون (الليبراليون) الضوء على خواء البرامج السياسية لهؤلاء القادة المتسلطين"، مضيفا أن "الصين قدمت دعما اقتصاديا للعديد من المستبدين في العالم"، على ضوء العلاقات الاقتصادية الهامة التي تقيمها بكين مع دول مثل فنزويلا وزيمبابوي. وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مطلع كانون الثاني/يناير "علينا اليوم ألا نستخف بهذه الميول المنافية لليبرالية، وهي ستشكل حتما إحدى المعارك التي سيتحتم على فرنسا خوضها، كما أنه سيترتب كذلك على الاتحاد الأوروبي خوضها خلال العام 2018 وأحيانا مع بعض أعضائه".

وأوروبا الشرقية هي من المناطق التي تشهد هذا التصادم بين نموذجي الحكم، ولا سيما مع فيكتور أوربان الذي يعد من أنصار الحكم المنافي لليبرالية، وبولندا المتهمة في أوروبا بالسعي لمحاصرة دولة القانون. وهذا ما حمل الصين مثلا على استحداث مجوعة 16+1 بين بكين و16 دولة من أوروبا الوسطى والشرقية". ورأى رئيس مكتب "آسيا الوسطى" الفرنسي جان فرنسوا دي ميليو أنه "لا يسع دول أوروبا الشرقية في المستقبل سوى أن تذكر أنها إن كانت خرجت من الوضع الذي كانت فيه حتى التسعينيات، فذلك بفضل انجذابها إلى النموذج الأوروبي الغربي، مهما كانت ثغراته ومهما اتهم (بحسب الانتقادات الصادرة عن الصين أو سواها) بالرضوخ للدعاية الأميركية". بحسب فرانس برس.

لكن الديموقراطيات الليبرالية قد تواجه مشكلة نابعة عنها هي نفسها، مع اختيار شعوبها قادة يشكلون بحد ذاتهم خطرا على أنظمتها. وقال روث بهذا الصدد "من الواضح أن الإدارة الأميركية لم تعد محركا للديموقراطية الليبرالية حين يهاجم رئيسها ترامب عددا من سلطاته المضادة (الصحافيون والقضاة الناشطون) ويبدي رغبة جامحة في التقرب من قادة متسلطين آخرين".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

10