مع كل خطوة في طريق التمدن والتحضر، كانت القوانين تتقدم خطوات على الحضارة نفسها، لتسبق وتؤسس وتبني وتنظم وتوجه، ولو لم تكن القوانين بهذه السرعة وهذه النمطية غير التقليدية ما كانت لتضبط إيقاع الحضارة، ولكانت الحضارة نفسها قد تعرضت إلى امتحانات قاسية تؤخر سيرورتها.

وكنا نحن العراقيين ولا فخر أول من سن القوانين وشرع الشرائع وقدمها إلى العالم كله مرقومة على حجر شريعة حمورابي، كما كنا أول من خالف تلك القوانين وخرج عليها، ربما لأننا في مرحلة ما من تاريخنا قيدنا القانون وجعلناه يبطئ في سيره، فيتخلف عن سير الحضارة التي تفتح باب الاشتهاء على مصراعيه، وهو أوسع أبواب المخالفة، وللأسف لم تكن النتيجة في صالحنا، فقد خسرنا بفعل هذا التناقض فرصتنا وحضارتنا، فتأخرنا عن ركب الإنسانية التي كانت تركض مسرعة، ونحن نتيجة بطرنا كنا نسير خببا مطمئنين، وربما مغرورين!

بعد آلاف السنين، انتبه العالم إلى مخاطر كبوتنا التي وقعنا فيها، فعمل على تجنبها من خلال القوانين التي سنها، والتي أعطاها فسحة من الحركة لتسبق مسير الحضارة بخطوات، وتُعبِّد لها النتوءات الحادة التي قد تعترض سبيلها، وقد نجحوا في ذلك نجاحا باهرا.

ولكننا حتى بعد آلاف السنين لم نتعظ من تجاربنا، ولا زلنا نكرر السقوط في نفس الحفر التي سقط فيها أجدادنا، ولذا تزداد الهوة الفاصلة بيننا وبين الحضارة والشعوب المتحضرة، فيتقدمون ونتأخر، ولاسيما وان مشرعينا يصوغون قوانيننا على مشتهاهم وذائقتهم ومنافعهم دون النظر إلى ذائقة ومنفعة الأمة، وهذا السوء في الاختيار لم يعمل على تأخير بلداننا فحسب وإنما خلق هوة لا حدود لها بين الطبقات الحاكمة والمنتفعين الذين تخدمهم القوانين، وبين طبقات الشعب الأخرى التي تسحقها القوانين بما يدفعها عنوة إلى مخالفتها وكراهيتها والعمل ضدها، ومع كل خرق لأحد القوانين تزداد الهوة بيننا وبين الحضارة للأسف.

إن عدالة القوانين لا تأتي من حيث التطبيق الشامل لفقراتها بالتساوي على جميع الفئات، فالمساواة لا تعني العدل، بل في التناغم مع كل حالة وفق مقاساتها، حيث يسن القانون من حيث العموم والكلية ليخضع له الجميع دون استثناء، لكن يجب أن تكون ضمن فقراته إشارات إلى حالات استثنائية لها قدرة مقايسة الضغط بالنتيجة، لا إجبار المخالف على ارتكاب مخالفة أخرى ليخلص نفسه من مأزق فيقع في مأزق أخطر منه، وهناك في العالم الكثير من أمثال هذا القانون المطواع منها على سبيل المثال قانون احتساب غرامة مخالفات حدود السرعة المرورية في فلندا، الذي يتضمن فقرات تجيز رفع مبلغ الغرامة المرورية وفق دخل المخالف، فقد تمت صياغة القانون بشكل يُتيح للسلطات فرض الغرامة المالية على شخصين ارتكبا المخالفة نفسها أحدهما فقير الحال والآخر غنيا؛ وفق نسب ترتفع طرديا مع حجم أموال المُخالف، حتى وإن تشابهت المخالفات، لأن المبلغ (س) إذا ما كان سيردع أفراد الطبقة الفقيرة ويمنعهم من مخالفة القانون، فإنه لن يردع أفراد الطبقة الوسطى، وهذا لن يردع طبقة أصحاب رؤوس الأموال.

ومن الأمثلة التطبيقية لهذا القانون ان مدير شركة نوكيا الشهيرة، فوجئ في بداية عام 2002 بخطاب مخالفة سرعة يطالبه بتسديد مبلغ (12.5) مليون دولار لقيادته دراجته النارية خارج حدود السرعة القانونية، وقد استعان بمحامين نجحوا في تخفيض الغرامة الى (103) آلاف دولار، قام بدفعها صاغرا! وبالتالي أسهمت هذه الموازنة القيمية في تنفيذ القوانين بمطواعية بالحد من استهتار الطبقات المتنفذة التي لا تهتم لدفع الغرامات البسيطة.

إن هذا بالتأكيد لا يعني أن تكون جميع القوانين بهذا الشكل فبعض القوانين يجب أن تكون قسرية من أجل بناء صالح وصحة وذوق المجتمع، ففي عام 1968 سن قانون في سنغافورة، ينص على تغريم من يرمي النفايات في الأماكن العامة مبلغ ألف دولار، وهو قانون يبدو في ظاهره تعسفيا، لكنه وخلال زمن قصير جدا جعل من سنغافورا واحدا من أنظف بلدان العالم.

فضلا عن ذلك هناك قوانين تبدو ظاهرا وكأنها تتهدد مستقبل الشباب، وفيها الكثير من الإجحاف والقسوة، ولكنها سنت أساسا للحفاظ على مستقبل الشباب ومستقبل الشعوب ومستقبل البلدان وحماية للمسيرة العلمية، ففي بعض الولايات الهندية ، هنالك قانون أصبح ساريا منذ عام 1997، ينص على معاقبة الطالب الذي يغش في الامتحان بالسجن لمدة قد تصل الى عشرة أعوام، وقد تعلل الذين سنوا هذا القانون بانه جاء لحماية العملية التعليمية ومؤسساتها من الطلبة الغشاشين، الذين قد ينجحون بواسطة الغش ـ وهم غير مؤهلين ـ لتبوء مراكز متقدمة في البلاد، في وقت يسرقون فيه جهد غيرهم ويحرمونهم من الحصول على الفرصة التي يستحقونها.

إن التجربة القاسية المرة التي عشناها منذ عام 1963 ولغاية هذه الساعة، سواء عن طريق سن القوانين الغبية أو التهاون في تطبيق القانون أو السماح لمن نجحوا بواسطة الغش بقيادة البلاد وتسيير أمورها، هو جزء من الأسباب التي حولت بلدنا من بلد نام واعد إلى دولة فاشلة آيلة للسقوط، وهذا يوجب على الجهاز القضائي والقانوني العراقي أن يمارس دوره الحقيقي والأخلاقي في إعادة بناء وترميم قوانيننا التي أكل الدهر عليها وشرب، وإلا سنجد انفسنا في ورطة كبيرة تتهدد حياتنا ووجودنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق