كنت خلال الأيام الماضية مهتما ومشغولا بقراءة كتابين خطيرين، الأول هو كتاب "حكومة العالم الخفية" لشيربب سبيربدوفيتش، والثاني هو "التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين" لمارك كورتيس، قرأتهما بتركيز كامل، وخرجت بنتيجة ليست خافية على أحد، ولكننا كلنا نجاهد لتجاهلها، أو السكوت عنها، أو نشغل أنفسنا بفرعيات العلاقة المتوترة فيما بيننا وبين المجاورين لنا عن النظر إليها.

والرأي الذي خرجت به أن من يعتقد أن للمبادئ والقيم مكانا في المعادلة السياسية واهم وعلى خطأ كبير، فهما مجرد عكازان تستقيم بهما السياسة وتهش بهما على عقول السذج من أبناء الشعوب المغلوبة على أمرها لخداعهم وتضليلهم لتسهل عليها قيادتهم، وقد انمازت هذه الثقافة الماكرة المراوغة بكونها واحدة من أسس السياسة الاستعمارية، وأشهر دولتين وظفتا هذا المنهج اللئيم هما بريطانيا وأمريكا.

وظفته بريطانيا في أيام قوتها لكي تحافظ على فكرة أن الشمس يجب ألا تغيب عن أراضيها، لكي تستمر عجلة نهب خيرات الشعوب دائرة لا تتوقف، ووظفته أمريكا في سعيها لبناء عالم الحكومة السرية الخفية والنظام الدولي الجديد بعد أن أجلست على عروش بعض بلدان المنطقة؛ التي هي البلدان نفسها بلدان كانت تحت عناية المشروع البريطاني بعضا من امعاتها وصنائعها، وجعلتنا نتخيل أنهم المنقذون الذين كنا ننتظرهم منذ عشرات السنين.

بينما أثبتت الوثائق الرسمية الدامغة أن العالم منذ أواخر القرن السابع عشر يحكمه أشخاص مختلفين عمن يتخيلهم أبناء الأمم المغلوبة على أمرها من الذين لا يعلمون بواطن الأمور؛ مثلما صرح اليهودي ديزرائيلي سنة 1844، وأن هناك قوة خفية أو يد خفية غير مرئية هي التي تحكم وتدير العالم وفق تصور بسمارك (ت: 1898) وهو رجل دولة وسياسي بروسي، ورؤية لامارتين (ت: 1869) وهو شاعر وسياسي فرنسي تولى رئاسة الحكومة المؤقتة، بعد ثورة 1848، وأن الحديث عن حكومة وطنية في تلك البلدان مجرد ضرب من الهراء.

لقد أكد هذه الحقيقة ما قامت به الدولتان المستعمرتان بريطانيا وأمريكا من أعمال ألحقت الضرر الكبير بكثير من الشعوب عبر التاريخ. فضحت ما قامت به بريطانيا في أيام مجدها وثائق وزارة الخارجية والمخابرات البريطانية التي رفعت عنها السرية، حيث أشارت هذه الوثائق إلى تآمر بريطانيا مع المتطرفين والإرهابيين أفرادا وجماعات في أفغانستان وإيران والعراق وليبيا والبلقان وسوريا وإندونيسيا ومصر وبلدان رابطة الدول المستقلة وحتى نيجيريا التي دعمت بريطانيا حركات الإسلام السياسي فيها وحولتها إلى بلد مأزوم.

وفضحت ما قامت به أمريكا التي كانت لها جولات في غاية البشاعة تلك الأشرطة والمشاهدات العيانية وما نشره موقع ويكليكس، وهي الجولات الشيطانية التي بدأت في أول أمرها من خلال تعامل أمريكا مع السكان الأصليين من الهنود الحمر على أراضيها، ووصلت في عصرنا الراهن إلى حد تحريك الجماعات المتطرفة الإرهابية كأحجار رقعة شطرنج في مناطق عديدة من العالم، تحركها تحت حمايتها وبدعم مباشر منها لتنفيذ بعض أحقر الأعمال، وقد نجحت قواتنا خلال الحرب ضد داعش المجرمة في تصوير وتوثيق عشرات الحالات التي قامت فيها القوات الجوية الأمريكية بإسقاط كميات كبيرة من المؤمن والعتاد والسلاح وحتى عجلات النقل على مجاميع إرهابية كانت محاصرة وعلى وشك الاستسلام فأنقذتها من القتل أو الأسر، كما رصدت عمليات نقل للإرهابيين قامت بها القوات الأمريكية رغم أنف القوات العراقية ليؤدوا مهامهم في مناطق سبق ومسحتها أقمارها الصناعية. والنتيجة المتحصلة تنحصر في:

أولا: أن المصلحة الخاصة هي الأساس في سياسة هذين البلدين الخارجية حتى ولو كان فيها كبير الضرر على مصالح البلدان والشعوب الأخرى، وهذا يعني أن على الوطنيين في تلك البلدان أن يوحدوا صفوفهم ويتركوا المهاترات البينية الفارغة حفاظا على مصلحة البلد والأمة.

الثاني: أن أمريكا نابت عن بريطانيا في إدارة البؤر نفسها، وهي البؤر القلقة غير المستقرة والمستهدفة بشكل مباشر من خلال التخطيط والتهديد والتآمر والحصار والتخريب وكل متاحات التدمير الأخرى، ولا يوجد بلد من بينها إلى الآن يحظى بأدنى مستوى من الأمن والاستقرار.

ورغم ذلك نجد هناك جماعات لا زالت إلى الآن على استعداد تام للتضحية بأبنائها وبشرفها وببلدها وبعقيدتها الدينية في سبيل الدفاع عن الوجود الأمريكي الاستعماري في المنطقة، وجماعات لا زالت مخدوعة إلى الآن وتوظف كل متاحاتها وقدراتها في حربها الغبية ضد الآخر الذي تختلف معه في العقيدة المذهبية أو الدينية أو السياسية، ولا زال هناك من يسعى إلى القتل العبثي لمجرد أمل في أن يجد (حور العين) تنتظره بوله العاشقين وهو لا يعدل فلسين.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق