من الحقائق التي تدمي القلب من جهة وتفرحنا من جهة أخرى، وشر البلية ما يضحك. كونها تدمي القلب لأنها سُرقت منا عنوة في وضح النهار، فكانت أثمن الكنوز المسروقة، مع اننا كلنا سُرقنا على مر التاريخ، وأصبحت بأيدهم، وتفرحنا لأنها لو كانت لا تزال بين أيدينا لأحرقناها تحزبا وطائفية وجهلا وريبة.

تلك الكنوز من المخطوطات النادرة التي لم نتمكن من المحافظة عليها بالرغم من كثرتها التي أشار إليها المرحوم كوركيس عواد في كتابه (قدم المخطوطات العربية في العالم)، والتي قدّرها بالملايين، بعد سرقتها من خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء وأعيان الناس، أغلبها الآن محشورة في خزائن محكمة في أقبية مكتبات العالم الغربي وإسرائيل.

إذ تضم المكتبة البريطانية لوحدها قرابة الخمس عشرة ألف مخطوطة عربية، تنوعت محتوياتها بين مخطوطات نفيسة للقرآن الكريم، ونسخ من الأعمال التاريخية والأدبية والعلمية في علوم القرآن والتفسير والحديث وعلم الكلام والفقه والتصوف والفلسفة والطب والفنون وتفسير الأحلام والنحو والشعر والتاريخ والسير والموسيقى. وأقدمها نسخة من المصحف الشريف تعود إلى أواخر العصر الأموي مكتوبة على الرق بخط مائل.

وفي إسبانيا ولاسيما في المدن الأندلسية غرناطة وقرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية كانت هناك الكثير من المخطوطات العربية المهمة التي تؤرخ لحال العرب هناك، وهي اليوم بين أيدي الإسبان، تحتوي المكتبة الوطنية في مدريد منها ما يزيد على الستمائة مخطوط تتنوع بين المجلدات الكاملة والكتب والوثائق، وتعود إلى تواريخ مختلفة، أكثرها شهرة بعض أعمال ابن رشد المكتوبة في القرن الثاني عشر، وكتاب عن الموسيقى للفارابي. عُثر على أكثر هذه المخطوطات النادرة في مخابئ داخل الجدران أو فوق الأسقف أو تحت الأرضيات بمنازل سكان الأندلس المسلمين، الذين طمروها وأخفوها عن السلطات المدنية ومحاكم التفتيش سيئة الصيت، ثم وجدها من سكن منازلهم من بعدهم؛ عند قيامه بتجديد بناء المنازل، وكان من ضمنها وثائق تؤرخ وتشرح وتوثق الحياة اليومية للأندلسيين، مثل عقود الزواج والعقود التجارية وغيرها.

ويوجد هناك اليوم في مكتبة دير الإسكوريال شمال مدريد نحوا من أربعة آلاف مخطوط عربي بينها نسخة من شرح الموطأ لابن مالك، ونسخة من نسب عدنان وقحطان للمبرد، وجمع القوانين المقدسة؛ وهي نسخة قديمة لا يُعرف مؤلفها تعود إلى العام 480 للهجرة، ونسخة من مختصر ابن سينا في استعمال الترياق والسكنجبين، تعود إلى عام 473 هجرية، وكتاب منافع الحيوان لابن الدريهم الموصلي.

وفي زمن سطوة العثمانيين على العالم الإسلامي، قاموا بجمع ما وقع تحت أيديهم من المخطوطات العربية التي تعود أصولها إلى المكتبات الأموية والعباسية والسلجوقية والمملوكية، والتي تُقدَّر أعدادها بحوالي 160 ألف مجلد، مجموعة اليوم في مكتبة السليمانية بإسطنبول، ومن بينها نسخة مصحف الخليفة عثمان بن عفان، بإملاء الصحابة القُرَّاء في عصره، ونسخة أخرى كُتبت بالخط الكوفي، وقطعة خشبية نُحتت عليها أوائل سورة النجم بالخط المدني يُقدّر أنها تعود إلى القرن الثاني الهجري، إلى جانب نسخة من بقية الأصمعيات التي أخلت بها المفضليات، والتي تعود إلى القرن الثالث الهجري، وهي مختارات من شعر العرب الذي رواه الأصمعي.

وفي ألمانيا هناك اليوم قرابة أربعين ألف مخطوطة عربية، منتشرة في عدة أماكن منها مكتبة جامعة توبنغن المتخصصة في دراسات التراث الشرقي والإسلامي، ومكتبة الدولة في برلين. تضم هذه المجموعة القيمة مصاحف نفيسة تعود إلى القرن الثامن الميلادي، فضلا عن مخطوطة كتاب الجامع الصحيح للبخاري، لا يعرف تاريخ كتابتها، ويرجح انها تعود إلى القرن الثامن الهجري أيضا، ونسخة من كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري (224- 310هـ) ونسخة من ديوان الشاعر أبي العلاء المعري (363 - 449 هـ) لا يعرف تاريخها هي الأخرى.

حتى إسرائيل تمتلك اليوم كنزاً قيماً من المخطوطات العربية وأقدمها مصحفان يعود تاريخ نسخهما إلى القرن الثاني للهجرة، وبعض مقتنيات المستشرق المعروف أبراهام شالوم يهودا التي تبلغ حوالي 1055 مخطوطة، كتبت بين القرنين الثالث والعاشر الهجريين، فضلا عن 50 ألف مخطوطة فلسطينية تتناول تاريخ وتراث المدينة المقدسة.

ومن أهم ما موجود الآن لدى إسرائيل من مخطوطات؛ هي مخطوطة (التوراة العراقية) التي قامت القوات الأمريكية المحتلة بإخراجها من العراق مع بقية الأرشيف اليهودي، بحجة صيانته وإعادته إلى العراق. علما أن الأرشيف الذي سرقه الأمريكان يتألف من أكثر من ثلاثة آلاف وثيقة و80 ألف قطعة أثرية، من بينها قرابة ثلاثة آلاف وثيقة وألف وسبعمائة تحفة نادرة توثق لعهود السبي الأول والثاني، فضلا عن آثار تعود إلى أزمان أبعد من العهد البابلي، أهمها أقدم نسخة للتلمود وأقدم نسخة للتوراة ومخطوطات أخرى.

ومن بين جميع هذه المخطوطات التي تتراوح اعمارها بين سنة 30 ونهاية القرن السادس الهجري، مع اختلاف أماكن وجودها، لا تجد ولو نسخة أو بعض نسخة او مجموعة أوراق من مخطوط كتاب (الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه) المعروف بصحيح البخاري؛ مكتوباً بقلم صاحبه محمد بن إسماعيل البخاري (194 – 256هـ) أو غيره، باعتبار أن الرجل كان أعمى لا يجيد الكتابة والقراءة، باستثناء النسخة الألمانية التي يرجح انها تعود إلى القرن الثامن الهجري.

ولا تجد نسخة أو بعض نسخة أو مجرد بضعة أوراق من مخطوط كتاب (المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) المعروف باسم صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج القُشيْرِي النَّيسابوري المختلف في تاريخ ولادته بين 201، و 202، و 204، و 206 للهجرة، والمتوفى سنة 261 هجرية بعد تناوله كميةً كبيرة من التمر في إحدى الليالي، وهذا ليس الاسم الحقيقي للكتاب، فالذي أطلق عليه هذه التسمية هو أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة المشهور بابن خير الإشبيلي (502 - 575 هـ)، مع ان مسلم بن الحجاج كان يعرف القراءة والكتابة، وهذا يدل على أن الأشبيلي اطلع على كتاب لا يعرف اسمه ولا يعرف اسم مؤلفه؛ في حدود القرن السادس الهجري، وأطلق عليه هذا الاسم.

والمعروف أن البخاري ومسلم عاشا وتوفيا في القرن الثالث الهجري، بمعنى أنهما قاما بعملهما بعد مرور ثلاثة قرون على تداول الأحاديث النبوية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ لم يجد المتخصصون سوى نسخة من كتاب البخاري تعود إلى القرن الثامن الهجري، ولم يُعثر على أي نسخة من كتاب مسلم، وهو أمر محير، يثير شكوكاً كثيرةً، كلها تحوم حول أصل هذين الكتابين اللذين يتحكمان بعالمنا الإسلامي، وبكل قوانينه وسننه وشرائعه وعباداته وعلاقاته فيما بينه، وبينه وبين العالم الآخر؟

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق


التعليقات

رياض الجبوري
العراق
احسنت النشر وارجوا السماح بنسخ هذه المقاله على صفحتي للاستفادة العامة شكرا جزيلا على هذا التوضيح2021-06-08