تشهد تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس أردوغان تقييدا متزايدا على وضع الحريات. حيث مايزال الرئيس التركي الذي اصبح اليوم يتمتع بسلطات دستورية واسعة، وعلى الرغم من الانتقادات الدولية، يواصل حملته القمعية ضد الخصوم والصحافة المعارضة وتشن السلطات التركية، التي تزيد حالة الطوارئ التي تم تمديد العمل بها بحسب بعض المصادر، للمرة السادسة منذ محاولة الانقلاب من صلاحياتها بشكل واسع، حملة شرسة ضد المؤيدين المفترضين للداعية التركي فتح الله غولن، الذي تتهمه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، بينما ينفي الأخير ذلك بشدة. واستهدفت حملات التطهير معارضين مؤيدين للأكراد ووسائل إعلام معارضة للسلطة ومنظمات غير حكومية، أوقف خلالها أكثر من 55 ألف شخص وأقيل أكثر من 140 ألف آخرين. هذه الحالة اثارت قلق ومخاوف الكثير من الحكومات وخصوصا حلفاء تركيا في الاتحاد الاوروبي، الذي تسعى انقرة الى الانضمام اليه منذ سنوات، حيث صرح مسؤول فرنسي انه يتعين على تركيا القيام ب "مبادرات ملموسة جدا" بشأن حقوق الانسان اذا كانت تريد إعطاء دفع لترشحها لعضوية الاتحاد الاوروبي.

وقال وزير الدولة لدى وزير الشؤون الاوروبية جان باتيست ليموين لاذاعة "سود راديو" الفرنسية "حاليا العملية مجمدة لان هناك انتظارات من الدول الاوروبية بشأن الحريات الاساسية". وأضاف "بالتالي يتعين أن تقوم تركيا بمبادرات ملموسة جدا ليمكن بحث بعض الملفات. وفي أي حال تم وسيتم إبلاغ الرسالة" أثناء زيارة اردوغان. وعلق ليمون "يجب التحدث الى الجميع وفي كل وقت (..) في هذه المنطقة المعقدة حيث تدور نزاعات متعددة على الحدود مع تركيا (..) ومن المهم الابقاء على الحوار مع كل الدول المهمة"، في إشارة خصوصا الى الازمة السورية. وانتقد الشركاء الاوروبيون لتركيا وخصوصا برلين، حملة السلطات التركية الواسعة (طرد وتوقيف)، إثر محاولة الانقلاب التي شهدتها أنقرة في تموز/يوليو 2016، ما أدى عمليا الى وقف المفاوضات حول ترشح تركيا للانضمام الى الاتحاد.

إردوغان والصحافة

وفي هذا الشأن قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن بعض الصحفيين يساعدون في رعاية الإرهابيين من خلال كتاباتهم وذلك بعد أن قال نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحفي مشترك إن على الدول أن تحترم سيادة القانون في معركتها ضد الإرهاب. وقال إردوغان وهو يقف بجانب ماكرون الذي عبر عن قلقه بشأن مصير طلاب ومدرسين وصحفيين في الحملة الأمنية التي تنفذها تركيا ”الإرهاب لا يتشكل من تلقاء نفسه. الإرهاب والإرهابيون لهم من يرعاهم“. وأضاف ”هؤلاء الرعاة هم أشخاص يُنظر إليهم على أنهم مفكرون. يسقون (الإرهاب)... من خلال أعمدتهم بالصحف. وفي أحد الأيام تجد هؤلاء الأشخاص وقد ظهروا كإرهابيين أمامك“.

من جانب اخر اعتبرت تركيا ا أن لدى الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون "نقصا في المعلومات" بعدما اكد عزمه على التطرق إلى مسألة الصحافيين المعتقلين خلال استقباله نظيره التركي رجب طيب اردوغان في باريس. وقال ماكرون خلال تهنئته الصحافيين بالاعياد في حفل اقيم في قصر الاليزيه "ساواصل البحث مع تركيا في وضع الصحافيين المسجونين والممنوعين من ممارسة مهنتهم". واضاف "ساقوم بذلك باحترام ولكن في الوقت نفسه بهدف الدفاع عن قيمنا ومصالحنا".

لكن الناطق باسم الرئاسة التركية ابراهيم كالين رأى أن تصريحات ماكرون "مبنية على نقص في المعلومات إلا في حال كانت عبارة عن تقييم أو حكم منحاز". وقال كالين "تعد المسائل القضائية في تركيا من اختصاص القضاء". وأضاف أن "كون الشخص صحافيا (...) لا يعني أنه بريء أو انه لن يرتكب جريمة".

وتشير مجموعة "بي24" للحريات الصحافية إلى أن هناك 151 صحافيا خلف القضبان في تركيا، معظمهم اعتقلوا في إطار حالة الطوارئ التي فرضت منذ تموز/يوليو 2016. وهناك مواطنان فرنسيان بين الأشخاص الذين اعتقلوا قبل أن يتم ترحيلهم لاحقا وهما المصور الصحافي ماثياس ديباردون والصحافي لو بورو. وأصر كالين على أن تركيا تحارب "ثلاث منظمات إرهابية" في إشارة إلى تنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني المحظور والحركة التي يقودها الداعية الإسلامي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة. بحسب فرانس برس.

وتتهم أنقرة غولن بالتخطيط للانقلاب الفاشل الذي استهدف اردوغان في تموز/يوليو 2016 حيث اعتقلت أكثر من 55 ألف شخص في حملة أمنية مثيرة للجدل اعقلبت المحاولة الانقلابية. وينفي الداعية من جهته الاتهامات ضده ويصر على أن حركته سلمية. وأكد كالين أن اردوغان سيعرض وثائق ويشرح "بالتفصيل" كيف أن الأشخاص الذين تجري محاكمتهم هم جزء من مجموعة إرهابية. واحتلت تركيا المرتبة 155 على قائمة من 180 دولة بحسب تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة للعام 2017.

اعتقالات مستمرة

الى جانب ذلك قالت وسائل إعلام رسمية إن مدعين أتراكا أصدروا مذكرات اعتقال بحق 70 شخصا بينهم 58 جنديا في الخدمة في تحقيق يستهدف مؤيدي رجل الدين المقيم بالولايات المتحدة فتح الله كولن المتهم بتدبير محاولة الانقلاب في يوليو تموز 2016. وقالت وكالة أنباء الأناضول الرسمية إن العملية تركزت على إقليم قونية بوسط تركيا وتنفذ الشرطة مداهمات متزامنة في 27 إقليما.

وذكرت أن 12 من بين المشتبه بهم السبعين طردوا في السابق من القوات المسلحة. وعمليات الشرطة لاعتقال المشتبه بهم المتهمين بالارتباط بكولن شبه يومية منذ محاولة الانقلاب في 15 من يوليو تموز 2016 والتي نفى كولن الضلوع فيها. من جانب اخر قالت الشرطة التركية إن السلطات أصدرت أوامر اعتقال بحق 68 من مساهمي بنك آسيا في عملية تستهدف شبكة رجل الدين فتح الله كولن الذي تتهمه تركيا بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب في عام 2016. وأضافت أن العملية، التي تركزت في اسطنبول لكنها تشمل تسعة أقاليم، استهدفت المساهمين الذين يتمتعون بحق التصويت لاختيار أعضاء مجلس إدارة البنك. وذكرت وكالت الأناضول للأنباء أن السلطات تحتجز 49 من المشتبه بهم حتى الآن. بحسب رويترز.

وكانت تركيا صادرت عام 2015 بنك آسيا، الذي أسسه بعض أتباع كولن، في إطار عمليات ضد شبكة رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة. وصادرت السلطات أيضا شركات أخرى على صلة بكولن. وتقول الحكومة إن كولن دبر محاولة الانقلاب عام 2016 والتي أسفرت عن سقوط أكثر من 240 قتيلا بينهم مدنيون كثيرون عزل. وينفي كولن الاتهامات وأدان الانقلاب ويعيش في منفى اختياري بالولايات المتحدة منذ عام 1999.

إقالة 2700 شخص

على صعيد متصل قالت السلطات التركية إنها فصلت 2756 شخصا من أعمالهم في مؤسسات حكومية من بينهم جنود ومعلمون وموظفو وزارات وذلك بسبب صلات تربطهم بتنظيمات ”إرهابية“. وجاء في مرسوم نشرته الجريدة الرسمية أن صلات اتضحت بين المفصولين وجماعات وكيانات ”إرهابية“ تعمل ضد الأمن القومي. وألقي القبض على نحو 50 ألف شخص منذ محاولة انقلاب في يوليو تموز العام الماضي كما صدرت قرارات إقالة أو إيقاف عن العمل بحق نحو 150 ألفا آخرين ومن بينهم جنود وأفراد في الشرطة ومعلمون وموظفون حكوميون بسبب صلات مزعومة بينهم وبين حركة فتح الله كولن رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة.

وتتهم الحكومة كولن بتدبير الانقلاب الفاشل. ويعيش كولن في منفى اختياري بولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ عام 1999 ونفى الاتهام عن نفسه وأدان محاولة الانقلاب. وتخشى جماعات معنية بالحقوق وحلفاء غربيون أن يتخذ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من الانقلاب الفاشل ذريعة لإسكات المعارضة. لكن الحكومة تقول إن الإجراءات التي تتخذها ضرورية بسبب محاولة الانقلاب التي راح ضحيتها 240 شخصا.

قال مدعون أتراك إنهم سيراجعون دعاوى قضائية مرفوعة على 11480 شخصا بعد أن اكتشفت أنهم تم توجيههم دون أن يدروا إلى تطبيق للتراسل ارتبط بالمشتبه في أنهم وراء محاولة انقلاب فاشل. وحتى الآن توصلت تركيا إلى هويات 215 ألف مستخدم لتطبيق بايلوك الذي يعتقد أنه التطبيق الذي يستخدمه أنصار رجل دين يعيش في الولايات المتحدة وتقول أنقرة إنه مسؤول عن الانقلاب الفاشل في يوليو تموز الماضي. وبدأت تركيا تحقيقات استهدفت أكثر من 23 ألفا منهم. بحسب رويترز.

غير أن مكتب المدعي العام في أنقرة قال إن كثيرين منهم تم توجيههم إلى التطبيق دون أن يدروا ودون موافقتهم وذلك بعد تنزيل تطبيق آخر تتضمن وظائفه بث أوقات الصلاة والموسيقى. ونقلت وكالة الأناضول للأنباء عن يوكسل كوجامان المدعي العام لأنقرة قوله إنه سيطلب الإفراج عن نحو ألف شخص ما لم تكن ضدهم أدلة أخرى. وأضاف أن أمرا صدر بالقبض على مطور التطبيق الآخر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0