يعد الحق في التظاهر واحداً من أهم الحقوق اللصيقة بشخص الإنسان والمرتبط بذاته ارتباطاً لا يقبل الانفكاك وهو تطبيق من تطبيقات الحق في حرية التعبير، إذ تعد هذه الحرية بمثابة الأم التي تتفرع عنها العديد من التطبيقات والممارسات ومنها الحق في التظاهر أو حرية الاجتماع بشكل عام للتعبير عن رأي سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي بشكل جماعي ومشترك.

ولعل سؤالاً مهماً يطرح في هذا الخصوص هل ان الحق أو الحرية أسبق من السلطة أم لا؟ أو بعبارة أخرى ماذا يترتب على القول بأسبقية وأولوية الحق والحرية على السلطة ومن يمارسها؟

وللجواب على ما تقدم نقول ان الحقوق والحريات بأصلها طبيعية أقرها الله للإنسان بما هو إنسان فهي سابقة على الدولة والسلطة عامة، وما أنشئت الدول وتأسست السلطات العامة إلا لحماية وضمان الحقوق والحريات وكفالة ممارستها، وعلى رأسها تلك الحريات التي تكفل الحق في التعبير عن الرأي والحق في مقاومة طغيان السلطة وانحرافها نتيجة سيادة النزعة الدكتاتورية أو السلطوية، أو تفشي ظاهرة الفساد السياسي والإداري والمالي في السلطة الحاكمة والنزوع نحو التأسيس لأجهزة قمعية تراقب الناس وتروعهم وتصادر حرياتهم بدعوى الحفاظ على الأمن أو ما شاكل.

وللأسف ما تقدم وجد موطأ قدم في إقليم كردستان فهب الشعب إلى المطالبة بحقوقه والتعبير عن رفض الاستبداد بكل صوره واستغلال السلطة والنفوذ لتحقيق منافع ذاتية وشخصية على حساب المصلحة العامة وطبقة الموظفين الكادحين، فتصدت إليهم السلطة الحاكمة بالقوة المفرطة ودأبت على التذرع بمختلف أنواع الأعذار لتسوغ الأفعال الشائنة بحق العزل المدافعين عن حقوقهم والمطالبين بالإصلاح واجتثاث بذرة الفساد وإنهاء تحكم الأشخاص والعوائل بمصير شعب الإقليم.

ولإغناء المعنى المتقدم سنناقش الحق في التظاهر في إقليم كردستان من حيث:

أولاً// مصدر الحق ومشروعية ممارسته:

للحق بالتظاهر العديد من المصادر التي تؤكد مشروعيته ودستوريته وانه مقرر للجميع في العراق عامة بلا أي فوارق بسبب القومية أو الموقع الجغرافي ونعرض لتلك المصادر وفق الآتي:

1- دستور جمهورية العراق لعام 2005 الذي كفل حق التظاهر في المادة (38) منه وجاءت صياغتها بالشكل الآتي ((تكفل الدولة بما لا يخل بالنظام العام والآداب العامة... حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل...، حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون)).

2- المادة (46) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 التي أجازت تقييد الحقوق والحريات وتحديدها على أن لا يطال التقييد والتحديد جوهر الحق أو الحرية.

3- ما ورد بقانون تنظيم التظاهرات رقم (11) لسنة 2010 الصادر في إقليم كردستان حيث ورد في المادة (2/ أولاً/التظاهر حق دستوري ويتم ممارسته وفق القانون.

ثانياً/ لا يجوز منع ممارسة حق التظاهر خلافاً للقانون.

ثالثاً/ لا يجوز ان يكون القصد من التظاهر التحريض ضد فئة معينة بسبب الدين أو القومية لو الجنس أو تحريض فئة ضد فئة أخرى)

4- ما ورد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في المادة (18) التي أكدت (أن لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين) والمادة (19) التي تضمنت النص على (أن لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار والمعلومات وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة).

5- كما إن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وافقت عليه الجمعية العمومية في الأمم المتحدة بموجب قرارها المرقم (2200/أ. د21 /في 16/ كانون الأول 1966) وصادق عليه العراق بموجب القانون (193 لسنة 1970 وبات جزء من التشريع الداخلي الملزم للجميع في العراق حيث انه أكد الحقوق الثابتة للشعب في التعبير عن الرأي بكل الوسائل وعلى رأسها التظاهر السلمي حث ورد في المادة (18) ما نصه (لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين) والمادة (19) التي تضمنت التأكيد على أن (لكل إنسان حق في اعتناق الآراء، ولكل إنسان الحق في حرية التعبير..) وتضيف المادة (21) من العهد أن (يكون التجمع السلمي معترفاً به، ولا يجوز ان يوضع من القيود على ممارسته إلا تلك التي تفرض طبقاً للقانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن أو السلامة العامة أو النظام العام أو لحماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين).

ومما تقدم نستنتج إن حق التظاهر مكفول للشعب الكردي بموجب دستور جمهورية العراق والقانون المحلي المطبق في الإقليم والقواعد الدولية ولا يرد على هذا الحق من قيد سوى ما اشترطه المشرع الوطني أو الدولي والمتمثل بالآتي:

1- عدم التظاهر بقصد تحريض فئة ضد فئة أخرى أو ضد قومية أو جنس معين من الناس.

2- عدم التأثير على الأمن العام والصحة العامة والآداب العامة.

3- عدم التأثير على حقوق الآخرين.

وكل الذي قام به المتظاهرون في أقضية ونواحي محافظة السليمانية لم يمثل أي مما تقدم فلم يؤثروا على الوضع الأمني ولم يخالفوا النظام والآداب العامة، إلا انهم وجهوا بقمع لتحركاتهم من السلطة الحاكمة لكونهم يخشون من الشعب ان يطيح بامتيازاتهم ومنافعهم ومناصبهم التي طالما تمتعوا بسلطانها.

ملاحظات على قانون تنظيم التظاهرات

ثانياً// ملاحظات على قانون تنظيم التظاهرات رقم (11) لسنة 2010 الصادر في إقليم كردستان: إذ إن القراءة الفاحصة لهذا القانون ترشح ملاحظات عدة أهمها الآتي:

أ‌- الملاحظات السلبية:

1. لا يوجد في قانون الإقليم تعريف واضح للمظاهرة أو التحرك الاجتماعي المطالب بالحقوق والحريات أو المدافع عنها.

2. أوردت المادة (3/أولا) قيودا على الحق بالتظاهر تمثل بضرورة الحصول على موافقة الوزير إن كانت التظاهرة على مستوى الإقليم وموافقة رئيس الوحدة الإدارية كالمحافظ والقائممقام أو مدير الناحية ان كانت محلية كل حسب اختصاصه المكاني، وفي ذلك مصادرة لجوهر الحق بالتظاهرة حيث يضع الطلب تحت رحمة المسؤول الإداري وسلطته التقديرية الواسعة التي تمكنه من رفض أو إجابة الطلب.

3. وزاد الأمر سوء البند (ثانياً) من المادة الثالثة الذي اشترط صدور الإجازة من المختص تحريرياً فماذا لو تعسف بالسلطة أو انحرف عن مقاصدها ومارس السكوت على الطلبات التي تقدم إليه بهذا الخصوص.

4. البند ثالثاً من المادة (3) أعطى للوزير ورئيس الوحدة الإدارية كامل السلطة برفض طلب الإجازة بخروج مظاهرة ان تحقق انها ستخل بالنظام العام والآداب العامة والسؤال هنا كيف له ان يتحقق وهي لم تحصل بعد؟ وهل يملك مقدمي الطلب التظلم من القرار ان توضح لهم انه مبني على تعسف واستغلال للسلطة؟

5. لم يورد المشرع التزاما على إدارة المحافظات والبلديات بإنشاء ساحات خاصة للتظاهر أو ان يحدد شوارع بعينها لهذا الغرض.

6. لم يتم تحديد المقصود بالنظام العام ما يجعله مفهوم واسع وغير محدد ويمنح السلطة الحاكمة سلطة تقديرية واسعة تمكنهم من عد أي فعل مجرم أو قابل للقمع بدعوى انه يخل بالأمن أو النظام العام والآداب العامة.

7. درج القانون في المادة (9) على استعمال مصطلحات غامضة كالإخلال بالأمن والنظام العام والآداب العامة أو حصل أضرار بالأموال العامة والخاصة أو بالغير أو خرجت المظاهرة عن غاياتها وأهدافها، دون ان يحدد مفهوم ما تقدم أو حدوده فمتى تعد التظاهرة تجمع مشروع ومتى تعد اعتداء على حرية المواطنين الآخرين فلم يوضع معيار محدد وواضح فالمصطلح القانوني الذي يحمل المعنى الجزائي يجب ان يتميز بالوضوح والتحديد ليتسنى للمخاطبين فهمه والعمل بأحكامه لتجنب ارتكاب فعل يعد جريمة وبخلافه يفقد القانون شرعيته وقانونيته.

8. إن المادة (5) أولاً منحت المقيم بشكل قانوني والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والاتحادات المجازة للعمل في الإقليم حق تنظيم المظاهرات إلا إن في النص إنكار للحق الطبيعي الذي تضمنه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لكل بني البشر في التعبير عن آراءهم بالتظاهر وما سواه دون أي اعتبار غير الإخلال بالأمن والنظام فلو ان مجموعة من العراقيين المقيمين أو المسافرين إلى الإقليم مصادفة أرادوا ان ينظموا مظاهرة فلن يتمكنوا من ذلك بحجة انهم ليسوا من مواطني الإقليم ولا مقيمين فيه رغم انهم عراقيون في النهاية والإقليم جزء من العراق، أضف لذلك ان الأجانب والنازحين أو المهجرين في الإقليم هل لهم الحق بالتظاهر أم لا ؟ هذا السؤال يترك لمشرع القانون ليجيب عليه.

ب‌- الملاحظات الايجابية

1- المشرع سمح بالطعن بالقرار أمام محكمة الاستئناف المختصة خلال ثلاثة أيام وعلى المحكمة البت بالأمر خلال (48) ساعة وهي ضمانة جوهرية يحمد المشرع على تبنيها بيد ان الاختصاص كان من الأولى ان يعقد لمحكمة القضاء الإداري التابعة إلى مجلس شورى الإقليم بوصفها صاحبة الاختصاص الأصيل بنظر المنازعات الإدارية المتعلقة بالحقوق والحريات العامة والخاصة.

2- إن المشرع ساوى في المادة (5) بين كل من المواطن الكردستاني والمقيم بصورة قانونية في الإقليم والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات والجمعيات المجازة قانوناً تنظيم المظاهرات.

3- إن المادة (5) في فقرتها الثانية ألزمت أجهزة الشرطة بحماية التظاهرات.

4- ألزمت الفقرة (ثالثاً من المادة 5) الجهات المعنية ان تأخذ مطالب المتظاهرين بعد تلاوتها والاجتماع مع ممثلي المتظاهرين للبحث عن حلول –وهو ما لم يحصل مع منظمي المظاهرات الحالية في الإقليم.

5- إن المشرع أقر المسؤولية عن أعمال الشرطة في المادة (11) التي نصت على أن (أولاً// في حالة تجاوز أجهزة الشرطة حدود السلطة باستخدامها القوة ضد المتظاهرين والمتجمعين تتخذ الإجراءات القانونية بحقها وفق القوانين النافذة.

ثانياً// تلتزم الحكومة بدفع التعويض للمتضررين عن الأضرار الناجمة جراء تجاوز أجهزتها حدود واجباتها المكلفة بها استناداً إلى قرار صادر من المحكمة المختصة).

بيد إن التطبيق العملي في المظاهرات الحالية يدل بما لا يدع مجالاً للشك إن أجهزة الشرطة وغيرها من الجهات الأمنية تجاوزت كل ما تقدم وقامت باختطاف المواطنين واعتقالهم والتنكيل بهم بلا أدنى مسوغ ما يخالف الدستور العراقي والقوانين النافذة في العراق وإقليم كردستان ومنها قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل النافذ بالإقليم الذي جرم اختطاف الأفراد وتقييد حريتهم بلا مسوغ وعده جريمة وفق أحكام المادة (421) منه، ويخالف هذا الفعل ما أمرت به المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي نصت على (ان لكل فرد حق في الحرية والأمان على شخصه، ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفاً ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه) كما ان ما حصل يخالف اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها المرقم (39/46) كانون الأول 1984 وهذه الاتفاقية صادق عليها العراق بموجب القانون رقم 30 لسنة 2009 وأضحت ملزمة لسلطات الإقليم بحكم المادة (110) من الدستور واتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها (177/61) كانون الأول 2006 التي أنظم اليها العراق بموجب القانون رقم (17) لسنة 2010 وكما تقدم هي ملزمة للإقليم بموجب المادة (110) من دستور جمهورية العراق لعام 2005.

التوصيات:

1- ضرورة تعديل المادة (3) من قانون تنظيم التظاهر في إقليم كردستان والاكتفاء بمجرد الإخطار من قبل اللجنة المنظمة لحق التظاهر الشعبي ولا حاجة إلى أخذ الإجازة من الرئيس الإداري كالوزير والمحافظ وما سواهم.

2- تضمين القانون الحق للمتظاهرين باختيار المكان والزمان وإخطار السلطة بذلك قبل مدة معقولة فقط.

3- تضمين القانون نصاً يجيز للمتظاهرين أو اللجنة المنظمة التنسيق المسبق مع اللجان والتنسيقيات الخاصة بباقي المناطق والمحافظات ورفع مطالب موحدة أو توحيدها أثناء المظاهرة أو بعدها بما يضمن التعبير الصادق عن الرأي الذي يمثله المتظاهرون.

4- تعديل الفقرة رابعاً من المادة (4) من قانون تنظيم التظاهر في إقليم كردستان وجعل الطعن بقرار الرئيس الإداري بخصوص المظاهرة كتغيير مكانها أو مسارها أو فرض القيود عليها أو منع التجمع وكل ما يتعلق بهذا الحق من ولاة محكمة القضاء الإداري التابعة لمجلس شورى الإقليم.

5- شمول جميع الطلبات والدعاوى التي يقيمها المواطنين ضد الإدارة بخصوص حق التظاهر بالقضاء المستعجل والولائي وتمكين القاضي من إصدار أوامره على العرائض لجب التدخلات غير المبررة للسلطة في حق المواطن بالتعبير عن رأيه بشكل علني وجماعي.

6- تضمين القانون نصاً يمنع على الأجهزة الأمنية الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري للمعتقلين ومعاقبة الجهة التي تقوم بذلك بأشد العقوبات.

7- تضمين القانون إمكانية إقامة المختطفين والمعتقلين دعاوى مباشرة بحق الأجهزة الأمنية وقادتها في حال تجاوز سلطاتها واختصاصاتها الأمنية.

8- النص بالقانون على إلزام السلطات بالاستجابة للمطالب الشعبية لا التفاوض لإيجاد الحلول إلا ان كانت المطالب مما لا تطيق السلطة الحاكمة فعليها ان تعرض الأمر على الاستفتاء الشعبي لغرض الوصول إلى ما يلبي مطالب وطموحات الشعب.

9- تضمين القانون التزاما على البلديات والإدارات المحلية بتخصيص ساحات عامة وشوارع لممارسة حق التظاهر.

.....................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2017

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0