يواجه الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، تحديات كبيرة بسبب قراراته غير المدروسة وتصرفاته المثير للجدل، التي اثارت الكثير من الانتقادات وردود الافعال الغاضبة داخل وخارج الولايات المتحدة، حيث يرى بعض الخبراء ان ترامب الذي يفتقر الدبلوماسية والخبرة بالسياسة قد تورط في رئاسته لأكبر دولة في العالم، خصوصا وان معارضة بعض قرارات ترامب، وصلت الى قلب اجهزة الدولة، وهو ما دفعه الى مواجهتها بمزيد من التشدد. فبعد ان اقال وزيرة العدل بالانابة، شن ترامب حملة شرسة على معارضيه الديموقراطيين في الكونغرس واتهمهم بالعمل على شل عمل الحكومة عبر تأخير تثبيت المسؤولين الذين اختارهم. وقال في تغريدة "عليهم ان يشعروا بالعار ! من غير المفاجىء الا تتمكن واشنطن من العمل"، في اشارة الى ادارته التي لم يكتمل عقدها بعد بانتظار موافقة الكونغرس على بعض المسؤولين فيها.

كما ان ترامب دخل في حرب جديدة مع وسائل الاعلام الامريكية المختلفة، حيث شن مؤخرا هجوما لاذعا على وسائل الاعلام معتبرا اياها "غير نزيهة" كما نفى وجود اية روابط مع روسيا خلال حملته الانتخابية. ان "عدم النزاهة (لدى وسائل الاعلام) بلغ مستوى لا يمكن السيطرة عليه". واضاف "الصحافة باتت تفتقد الى النزاهة الى درجة اننا اذا تجاهلنا الحديث عنها فان هذا يخدم الشعب الاميركي بشكل كبير". وصرح ترامب الذي ركز هجومه على هدفيه الرئيسيين صحيفة نيويورك تايمز وشبكة "سي إن إن" أن "غالبية وسائل الاعلام في واشنطن ونيويورك ولوس انجليس لا تتحدث من اجل مصالح الشعب، بل للمصالح الخاصة ولمن يستغلون نظاما تصدع بشكل واضح جدا". وقال ان "حجم الغضب والحقد على سي ان ان كبيران الى درجة انني لم اعد اشاهدها". واضاف ان "عددا كبيرا من الصحافيين في البلاد لا يقولون لكم الحقيقة".

ويعتقد المؤرخ الأميركي رونالد فينمان الذي يقوم بتدريس علم التاريخ بجامعة الأطلسي بفلوريدا و نشر مؤخرا كتابا بعنوان "المصارع المؤسفة للقادة الأميركيين" كما نقلت بعض المصادر، أن رجل الأعمال الذي يتحوّل إلى سياسي لن يكون مناسبا لتولي منصب الرئيس. وورد في مدونة فينمان أن كثيرا من خبراء السياسة الخارجية مستغربون من سلوك ترمب ولغته غير اللائقة كلما تحدث بمكان عام أو أرسل تغريدة، ومن عدم استقراره وتهوره وطيشه، مستشهدا بقرار ترمب عقد اجتماع أمني حول التجربة الصاروخية الأخيرة لكوريا الشمالية بمكان عام وعلى مسمع من الآخرين، بأنه مؤشر على فشله في التصرف بمسؤولية.

غضب ترامب

في هذا الشأن وبعد اسابيع في البيت الابيض، لم يتوان دونالد ترامب عن التعبير عن غضبه. ففي الغرفة الشرقية المهيبة في البيت الابيض، وجه الرئيس السبعيني انتقادات حادة الى وسائل الاعلام والقضاء والى الديموقراطيين المتهمين بتقويض جهوده. وقد دافع ترامب الذي اعتمد الاسلوب الهجومي، عن بداياته في السلطة رغم شعوره الواضح بالاحراج والخيبة، وبدا على وشك فقدان السيطرة على نفسه.

ففي مؤتمر صحافي مرتبك استغرق ساعة ونصف الساعة تقريبا واعتمد فيه نبرة غير مألوفة في هذه الأمكنة، تحدث ترامب من بين مواضيع اخرى، عن شبح "محرقة نووية". وخلافا لكل الأدلة، استهل الرئيس الجمهوري المؤتمر الصحافي بالقول ان ادارة ترامب الجديدة تعمل "مثل آلة مضبوطة بإحكام". لكن الخطوات الاولى لهذا الرجل الجديد على الساحة السياسية كانت متعثرة على كل الصعد، في قمة الدولة: فقد نزل ملايين الاشخاص الى الشوارع غداة تنصيبه، وتعرض لانتكاسة قضائية حول مرسومه الاشكالي المناهض الهجرة، وقدم ابرز مستشاريه استقالة قسرية...

واكد ترامب الذي قال انه ورث وضعا "فوضويا" وعدد المراسيم التي وقعها في البيت الابيض، ان اي رئاسة لم تفعل ما فعلته رئاسته خلال فترة زمنية قصيرة. واضاف ان "الناس يعرفون ذلك، اما معظم وسائل الاعلام فلا تعرفه. او بالاحرى، تعرف لكنها لا تكتبه"، محددا ضحية اليوم: الصحافة. واتسمت التهم التي وجهها على كل المستويات بالعنف والغضب احيانا. وقد وضع نصب عينيه هدفا واضحا هو التحدث الى الذين اوصلوه الى الحكم وجعلهم شهودا. وقال "انا هنا حتى اوصل رسالتي مباشرة الى الشعب... لأن عددا من الصحافيين في بلادنا لن يقولوا لكم الحقيقة ولن يتعاملوا مع الناس الشرفاء في هذا البلد بالاحترام الذي يستحقونه".

وتحدث ترامب عن "مستوى منفلت من الخبث"، واستعاد تعابير دقيقة من الحملة، وانتقد نخب الساحلين الشرقي والغربي الذين يعيشون في الاوهام ولا يعرفون شيئا عن اميركا الحقيقية. وقال مستعينا بلائحة ان "معظم وسائل الاعلام في واشنطن وفي نيويورك ولوس انجليس ايضا، لا تتحدث عن الشعب بل عن المصالح الخاصة وعن المستفيدين من نظام فاشل". واضاف "اقول لكم فقط انكم اشخاص خبثاء، والجمهور لم يعد يصدقكم". وخاطب صحافيا اراد القيام بحركة تهريجية بعد سؤاله بالقول "اجلس". وقال لاخر "اصمت".

ورد ترامب على سيل من الاسئلة حول صلات فريقه بروسيا برئاسة فلاديمير بوتين، وحول اتصالات محتملة خلال الحملة مع اجهزة الاستخبارات الروسية، بالقول "لا علاقة لي بروسيا". واضاف ان "التسريبات حقيقية، والمعلومات مغلوطة" حول الكم الهائل من الاخبار التي ترسم كل يوم لوحة مضطربة عن علاقاته مع سيد الكرملين. وابدى صحافي دهشته بطريقة صاخبة من هذه الصيغة الغريبة. وتساءل "اذا كانت التسريبات صحيحة وتتحدث عن وقائع مثبتة، كيف يمكن ان تكون المعلومات مغلوطة؟". هذا هو "الواقع"، بنبرة عدائية اجاب الرئيس الاميركي الذي ينتقد "الكراهية" التي يتعرض لها، واستثنى كما في كل مرة وسيلة اعلام واحدة هي شبكة "فوكس نيوز" التلفزيونية التي يدعمها المحافظون الاميركيون.

ويبتعد رئيس اول قوة عظمى عالمية عن الحقيقة التاريخية احيانا. واكد في البداية انه احرز اكبر انتصار على صعيد عدد الاصوات لدى الهيئة الناخبة منذ عهد رونالد ريغان. ولفت صحافي نظره الى ان هذا الكلام غير صحيح. وتمتم "هذا ما قالوه لي" ثم نظر الى اوراقه قبل ان ينتقل الى سؤال آخر. وبعد قليل اضاف "لقد ربحت، لقد ربحت" للتعبير عن احباطه حيال الانتقادات. ثم توقف طويلا عند مسائل جدالية متصلة بأحد لقاءاته مع هيلاري كلينتون. بحسب فرانس برس.

وبعد انتقادين وجههما الى ادارة اوباما التي تنشر كما قال "معلومات مغلوطة"، صرح "تعرفون، لست شخصا سيئا". واضاف "ليس دونالد ترامب هو الذي قسم البلاد. كنا نعيش في بلد مقسوم". وحتى لو كرر القول ان استطلاعات الرأي ليست مؤشرا جديرا بالثقة، يولي دونالد ترامب الشديد الاهتمام بصورته على غرار اسلافه، الاستطلاعات الأخيرة اهتمامه. وارقام بداية رئاسته سيئة، سيئة جدا. فقد افاد استطلاع اعده مركز بيو للابحاث، ان شعبيته بعد شهر في السلطة، اكثر تدنيا بأشواط من شعبية خمسة رؤساء سبقوه الى المكتب البيضاوي، سواء كانوا جمهوريين ام ديموقراطيين. ف39% بالاجمال من الاميركيين يؤيدون سياسته، فيما ينتقدها 56%.

نكسة جديدة

في السياق ذاته رفض مرشح الرئيس الاميركي لتولي منصب مستشار الأمن القومي للبيت الابيض الاميرال المتقاعد روبرت هارورد هذا العرض بعيد دفاع دونالد ترامب عن المستشار السابق مايكل فلين الذي استقال بسبب اتصالاته مع روسيا. وبرفض هارورد تولي منصب مستشار الامن القومي، أصبح ترامب بدون خليفة لفلين، أول مسؤول بارز يستقيل في الإدارة الأميركية ما يزيد من حالة الفوضى التي يبدو ان ادارته تتخبط فيها.

وصرح هارورد لشبكة "سي ان ان" أنه رفض الوظيفة لأسباب عائلية والتزامات مالية. إلا أن العديد من وسائل الإعلام الأميركية ذكرت أن هارورد اعترض على عدم حصوله على ضمانات بأن مجلس الأمن القومي -- وليس مستشاري ترامب السياسيين - هو من سيكون مسؤولا عن سياسة المجلس. ومن بين أعضاء المجلس حاليا ستيف بانون، رئيس حملة ترامب السابق والمعروف بأنه يميني متطرف أثار الكثير من الجدل.

وذكر أحد أصدقاء هارورد طلب عدم الكشف عن اسمه أن الاميرال المتقاعد رفض الوظيفة بسبب الفوضى التي تعم البيت الأبيض، فيما قالت صحيفة واشنطن بوست أن من أسباب الرفض أن هارورد لن يتمكن من اختيار موظفيه. وهارورد كان من الاسماء التي تم تداولها لخلافة مايكل فلين الذي اضطر الى الاستقالة بسبب اتصالاته مع السفير الروسي في واشنطن سيرغي كيسلياك قبل تسلم ترامب مهامه الرئاسية، ومناقشته العقوبات الأميركية على روسيا معه.

وفلين له ماض في إثارة الجدل. ففي السابق تلقى مبلغ من المال ليظهر في عشاء في 2015 وهو يجلس إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما المح إلى أن استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم الاوكرانية، ودعمها للرئيس السوري بشار الاسد هما أمران مقبولان.

ودافع ترامب عن فلين قائلا أن ما فعله "ليس خطأ .. وأنا لم أوجهه" لمناقشة العقوبات "ولكنني كنت سأوجهه لأن عمله" هو التحدث مع أجانب. من ناحيتها قالت صحيفة "واشنطن بوست" أن فلين نفى لعملاء مكتب التحقيقات الفدرالي (اف بي آي) أنه ناقش العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا مع السفير الروسي. وفي حال ثبت أن فلين قام بذلك، فيمكن أن يواجه الجنرال المتقاعد حكما بالسجن لكذبه على عملاء الاف بي اي وهو ما يعتبر مخالفة قانونية. ودافع ترامب عن اجندته السياسية ووعد بإصدار أوامر تنفيذية جديدة تتعلق بالتجارة والهجرة. بحسب فرانس برس.

واثار الكشف عن معلومات حول صلات بين حملة ترامب وروسيا قلقا ايضا حتى لدى قادة الجمهوريين المتخوفين من انفتاح الرئيس على موسكو. ووسط الدعوات المتزايدة لإجراء تحقيقات واسعة في الكونغرس، صرح النائب الديموقراطي ماكسين ووترز لشبكة "سي إن إن"، "اعتقد أن هناك تواطؤا" مؤكداً أن تركيز ترامب على التسريبات هدفه تشتيت الانتباه.

حالة اضطراب

الى جانب ذلك وبعد يوم من إعلان الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب في مؤتمر صحفي أن إدارته "آلة متناغمة منضبطة"، قال سناتور جمهوري كبير إن إدارة ترامب "في حالة اضطراب". وردا على سؤال حول هذا الموضوع في مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية والدفاعية، وهو اجتماع سنوي بين مسؤولي السياسة الخارجية والدفاعية ، قال جون ماكين، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إن الاستقالة الأخيرة لمايكل فلين مستشار الأمن القومي لترامب بمثابة مؤشر على أن كل شيء لا يسير على ما يرام في البيت الأبيض.

وكان ماكين قد قال في وقت سابق: "إن هذه الاستقالة هي دليل مقلق على الخلل الذي يسود حاليا إدارة الأمن القومي"، وتساءل حول النية الحقيقية للإدارة الامريكية الحالية حيال روسيا. ويذكر أن أجواء من القلق تخيم على مؤتمر الأمن في ميونيخ حيث تخشى أوروبا من تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دور القيادة التقليدي للولايات المتحدة في وقت تواجه فيه القارة مساعي روسيا لتعزيز نفوذها وحروبا في دول بشرق وجنوب البحر المتوسط وهجمات من متشددين.

وفي مؤتمر ميونيخ أيضا، قال جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي إن واشنطن وحلفاءها الأوروبيين لديهم تفهم مشترك للتحديات الماثلة أمامهم. وأبلغ ماتيس حشدا ضم رؤساء دول وأكثر من 70 وزيرا للدفاع بأن ترامب يساند حلف الأطلسي، لكنه يرى أيضا الحاجة إلى تغيير. وكان ترامب قد أثار قلق الحلفاء أثناء حملته لانتخابية بتخليه عن آراء حزبه الجمهوري بشأن العلاقة بين أمريكا وأوروبا والإعراب عن إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. بحسب بي بي سي.

لكن ماتيس كان قد أعرب علنا وبقوة عن موقف معارض لموسكو في أول زيارة له إلى أوروبا، وقال بعد محادثات مع أعضاء حلف الأطلسي في بروكسل انه لا يعتقد أنه سيكون بالإمكان التعاون عسكريا مع روسيا على الأقل في الوقت الحالي. ويذكر أن وكالات استخباراتية أوروبية كانت قد حذرت من أن موسكو تسعى إلى زعزعة استقرار حكومات والتأثير على الانتخابات في أرجاء أوروبا بهجمات إلكترونية وأخبار ودعاية كاذبة وتمويل أحزاب سياسية يمينية متطرفة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0