تتواصل الحرب المفتوحة بين الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب والعديد من الشركات الكبرى دخل وخارج الولايات المتحدة الامريكية، بسبب اجراءات ووعود وقرارات ترامب الذي تعهد ومنذ انطلاق حملته الانتخابية، وكما نقلت بعض المصادر بتغيير ملامح الخريطة التجارية في العالم، وإعادة صياغة الاتفاقيات البينية والدولية بالطريقة التي يحاجج بأنها ستعيد "المجد لأميركا"، وهو ما اثار قلق ومخاوف الكثير من الشركات التي تخشى ايضا ان تقوم الإدارة الأميركية الجديدة إلى فرض ضرائب و قيود تجارية جديدة، قد تؤثر سلبا على الشركات الأميركية الكبرى التي ستتقلص حصصها السوقية ومبيعاتها حول العالم بسبب قرارات ترامب، التي ستواجه أيضا بقرارات وقيود مماثلة من قبل بعض الدول لأجل معاقبة أميركا او مقاطعة منتجاتها، وقد حذّرت شركة أمازون من أن إجراءات الحكومة الأميركية لدعم الشركات المحلية من المنافسة الأجنبية يمكن أن تضرَّ بأعمالها، في إشارة محتملة إلى أجندة الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، والتي ترفع شعار "أميركا أولاً". وفي وصف روتيني للمخاطر التنظيمية في الإيداع السنوي للعام 2016، قالت أكبر شركة للبيع بالتجزئة على الإنترنت في العالم إن "التجارة والتدابير الحمائية" قد تعيق قدرتها على النمو.

ويُذكر أن تلك اللغة في تحذير أمازون لم تظهر على الأقل في إيداعاتها السنوية الخمسة الماضية مع لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية. ومع ذلك، فقد استشهدت الشركة بالحمائية التجارية في تلك الإيداعات؛ باعتبارها خطراً يهدد المبيعات والعمليات الدولية بصورة محددة. وكان الرئيس الجمهوري ترامب قد جعل خلق فرص عمل محلية حجر الزاوية في سياسته، مهدداً بفرض رسوم جمركية على واردات الشركات لدفعها للإنتاج والتوظيف داخل الولايات المتحدة.

هذا ويعتزم الجمهوريون في الكونغرس أيضاً استهداف الواردات مع استبعاد عائدات التصدير من ضريبة الدخل على الشركات الأميركية، والمعروفة باسم "ضريبة تعديل الحدود". وقد أدى هذا المقترح في مجلس النواب الأميركي إلى إحداث حالة من الانقسام بين الشركات الأميركية. فبينما ألقت الشركات المصدرة الكبرى، بما في ذلك شركة صناعة الطائرات بوينغ، بثقلها وراء القرار، تحذر رابطة التجارة بالتجزئة من أن المقترح سوف يرفع الأسعار للمتسوقين.

ذعر كبير

وفي هذا الشأن قالت كيت ميتشيل المستثمرة في رأس المال المُخاطر بوادي السيليكون إن الشركات الناشئة التي تتبعها لديها رسالة إلى موظفيها ممن يحملون جنسيات أجنبية وهي ألا يسافروا خارج البلاد في الوقت الحالي. وقالت ميتشيل الشريك المؤسس في سكيل فينتشر بارتنرز "المنطق يقول لماذا نتحمل المخاطرة؟" ويستخدم وادي السيليكون عمالة دولية وتعتمد تلك الشركات الصغيرة على التوظيف السريع من شتى أرجاء العالم وعلى السفر حول العالم لإيجاد عملاء كما تلجأ للمستثمرين في رأس المال المُخاطر في وادي السيليكون لجمع التمويل.

وأصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا علق برنامج الولايات المتحدة الخاص باستقبال اللاجئين لمدة 120 يوما وحظر دخول اللاجئين السوريين إلى أجل غير مسمى وأوقف دخول مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة هي إيران والعراق وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن لمدة 90 يوما. وقال ديفيد كراون الشريك في بسمر فينتشر بارتنرز العاملة في وادي السيليكون "اليوم لدينا شركات تتوقف بسبب عدم قدرة موظفيها على السفر داخل وخارج الولايات المتحدة... هذا سيكون السبب الرئيسي وراء عدم تحقيق الشركات لخططها في 2017."

ورغم أن قضية الهجرة مازالت تتكشف إلا أن التأثيرات الواسعة ذات الأثر الأكثر إيلاما قد تشمل تضرر التنافسية التي تتمتع بها البلاد في قطاع التكنولوجيا مما يعوق نمو فرص العمل ويرسل المزيد من رؤوس الأموال إلى الخارج على حساب الاقتصاد الأمريكي. ولا‭ ‬يزال مدى التأثير على الشركات الناشئة غير واضح لكن أكثر من 15 من المستثمرين في مجال الاستثمار المُخاطر والمؤسسين لشركات تكنولوجيا يشيرون إلى مخاوف فورية متعلقة بتبعات حظر السفر.

ويقف المهاجرون وراء العديد من الشركات التي حققت نموا كبيرا في وادي السيليكون. ويضم أكثر من نصف الشركات الرائدة أو الناشئة التي تقدر قيمتها بمليار دولار أو أكثر مهاجرا واحدا على الأقل بين مؤسسي كل منها بحسب دراسة أجرتها المؤسسة الوطنية للسياسة الأمريكية - وهي مؤسسة بحثية غير حزبية تتخذ من ارلينجتون بولاية فرجيينا مقرا لها - في عام 2016. بحسب رويترز.

ومنذ صدور أمر ترامب بات بعض المحامين والمستثمرين في رأس المال المُخاطر في وضع الأزمة مقدمين طلبات من مؤسسي الشركات الناشئة القلقين وموظفيهم بشأن السفر وطلبات تأشيرات السفر المعلقة. وتمتد المخاوف متجاوزة الدول السبع التي يستهدفها الأمر التنفيذي. وعادة ما يتولي مؤسسو الشركات الناشئة إبرام صفقات البيع ويسافرون حول العالم للاجتماع مع عملاء. ونادرا ما تحظى تلك الشركات بإدارة كبيرة للمواد البشرية أو بالقدرة التي تتمتع بها الشركات الكبيرة في حماية موظفيها في قضايا الهجرة.

ملايين الدولارات

الى جانب ذلك تبرع العاملون في الشركة المالكة لموقع تويتر بأكثر من مليون دولار إلى الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية. وتعهد الاتحاد الأمريكي في وقت سابق بمحاربة الحظر المؤقت الذي فرضه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على اللاجئين والمهاجرين القادمين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة. وقالت تقارير إن المنظمة الحقوقية جمعت ما يزيد عن 24 مليون دولار من تبرعات على الإنترنت خلال الأيام القليلة الماضية.

وفي وقت سابق، قالت شركة تأجير السيارات الشهيرة "ليفت" إنها ستتبرع بمليون دولار إلى الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية خلال السنوات الأربع القادمة. وتبرع قرابة ألف موظف في تويتر بما يزيد عن 500 ألف دولار، بينما تبرع كل من المدير التنفيذي، جاك دورسي، ورئيس مجلس الإدارة، أوميد كوردستاني، بنفس القيمة، وفقا لمدونة "تك كرانش" المتخصصة في الأخبار التقنية.

وقالت المحامية فيجايا غادي: "لم ينته عملنا بعد. خلال الأيام القادمة، سنرى موجة عارمة من التحديات القانونية، ودعوات لإصدار تشريعات، وبيانات عامة." وأضافت: "لكن طالما أن هناك انتهاكا للحريات المدنية، فأنا فخورة بالثقة في أننا كأفراد سنقف للدفاع عن الحرية والاعتناء بالناس." وذكرت وكالة بلومبيرغ أن بعضا من كبريات شركات التكنولوجيا الأمريكية تستعد لإرسال خطاب مفتوح إلى الرئيس ترامب، تعبر فيه عن قلقها إزاء قراره بشأن الهجرة، وتقديم المساعدة لـ "تعديله". في غضون ذلك، عرضت خدمة الرسائل الفورية "فايبر" مكالمات دولية بالمجان للدول التي طالها قرار ترامب، وهي العراق، وسوريا، وإيران، وليبيا، والصومال، والسودان، واليمن.

ضريبة حدود

على صعيد متصل دشنت شركات أمريكية من بينها مصدرون كبار مثل جنرال اليكتريك وبوينج تحالفا لدعم خطة للنواب الجمهوريين لفرض ضرائب على جميع الواردات قائلين إن المقترح "سيدعم الوظائف الأمريكية والمنتجات المصنعة في الولايات المتحدة." وأكدت الشركات أن المجموعة التي تتألف من أكثر من 25 شركة أمريكية ويطلق عليها اسم "تحالف صنع في أمريكا" تتضمن أيضا داو كيميكال وإيلي ليلي وفايزر وأوراكل.

ويؤكد إطلاق المجموعة انقساما متزايدا بين الشركات الأمريكية بشأن مقترح النواب الجمهوريين الذي سيخفض الضريبة على دخل الشركات إلى 20 في المئة من 35 في المئة ويعفي عائدات التصدير من الدخل الخاضع للضريبة ويفرض الضريبة البالغة 20 في المئة على الواردات. وبعث الرئيس دونالد ترامب بإشارات متباينة بشأن الضرائب الحدودية وقد يواجه المقترح عقبات في مجلس الشيوخ الأمريكي حيث يتساءل بعض النواب الجمهوريين عما إذا كان من شأن ذلك زيادة الأسعار على المستهلكين والشركات الأمريكية.

وتقول شركات تعتمد بشكل كبير على الواردات مثل شركات البيع بالتجزئة ومن بينها تارجت جروب وبست باي إن التأثير السلبي لضريبة الحدود سيفوق فوائد انخفاض الضريبة الرئيسية على الشركات. لكن الشركات التي تعد مصدرة صافية مثل بوينج وكذلك الشركات التي تعمل داخل الولايات المتحدة فقط تقول إنها ستستفيد. وقال جون جينتزيل المتحدث باسم التحالف "العمال والشركات الأمريكية لا تتنافس اليوم على قدر المساواة مع المنافسين الأجانب بسبب نظام ضريبي عفا عليه الزمن ولا يتسم بالعدل." وتقول المجموعة إن النظام الضريبي السائد حاليا يدعم بشكل غير عادل الواردات من السلع الأجنبية.

وقال ديفيد لويس نائب الرئيس للشؤون المالية وضرائب الشركات لدى إيلي ليلي في بيان إن المجموعة تدعم مخطط النواب الجمهوريين. في الوقت ذاته دشنت رابطة الشركات الكبرى بقطاع البيع بالتجزئة والتي تمثل 120 اتحادا تجاريا وشركة تحالفا منفصلا لمعارضة اقتراح النواب الجمهوريين المعروف باسم الضريبة "المعدلة على الحدود." بحسب رويترز.

وقال ساندي كينيدي رئيس المجموعة "ضريبة الحدود المعدلة ضارة ولم تُختبر وقد تضع الوظائف في قطاع مبيعات التجزئة الأمريكي في خطر وتجبر المستهلكين على دفع زيادة تبلغ 20 في المئة للحصول على احتياجات الأسرة الأساسية." وتمارس شركات البيع بالتجزئة وتكرير النفط وصناعة السيارات الأجنبية بما في ذلك تويوتا موتور كورب ضغوطا على الكونجرس مخافة أن يلحق فرض ضريبة حدود على الواردات الضرر بمبيعاتهم وأرباحهم ويضعهم في وضع غير موات مع المنافسين الذين يعتمدون أكثر على منتجات أمريكية الصنع.

جدار ترامب

من جانب اخر دافعت ستاربكس، أكبر سلسلة للمقاهي في العالم، عن عملياتها في المكسيك، وذلك ردا على دعوات لمقاطعة العلامات التجارية الأمريكية بسبب مسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبناء جدار على حدود بلاده مع المكسيك. وشددت شركة ألسيا، المشغلة لمقاهي ستاربكس في المكسيك، على أن هذه المقاهي مملوكة لمكسيكيين وتشغل الآلاف من العمالة المحلية، وتبيع البن المزروع في أرض مكسيكية.

كما قالت الشركة في بيان إنها استثمرت ملايين الدولارات ووفرت 7000 وظيفة في المكسيك. وأوضحت ستاربكس أن ألسيا تدير 560 مقهى في المكسيك باستثمارات تبلغ قيمتها 239 مليون دولار، وأنها تبيع بن أرابيكا الذي يُزرع في ولاية تشيباس، وحقق مبيعات جيدة في جميع أنحاء العالم. وجاء بيان الشركة بعد انطلاق عدة حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى مقاطعة العلامات التجارية الأمريكية العاملة في المكسيك بعدما وقّع ترامب أمرا تنفيذيا ببناء جدار عازل على حدود الولايات المتحدة مع المكسيك، وتعهد بأن تتحمل المكسيك نفقات بنائه.

ومن العلامات التجارية الأمريكية الأخرى التي استهدفها مستخدمون لمواقع التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى المقاطعة سلسلة مطاعم مكدونالدز للوجبات السريعة وشركة كوكاكولا للمشروبات الغازية ومتاجر وولمارت. ومن جهتها، دشنت شركة كورونا المكسيكية العملاقة لإنتاج الجعة حملة إعلانية بشعار "كلنا أميركا" تحث على الاحتفاء بالتنوع في هذا النصف من الكرة الأرضية.

ودعا حاكم ولاية كامبيشيه المكسيكية، بجنوب شرق البلاد، إلى مقاطعة شركة فورد الأمريكية للسيارات بعد إلغائها المفاجئ لخطة إنشاء مصنع لها في المكسيك. بحسب رويترز.

وقال الحاكم إليخاندرو مورينو: "حان الوقت لنريهم من هم المكسيكيون"، داعيا إلى اتخاذ إجراءات مثل المقاطعة في جميع أنحاء البلاد. في المقابل، قال كارلوس سليم، أغنى رجل في المكسيك، إن محاولات مقاطعة الشركات الأمريكية خطأ كبير. وأوضح قائلا إنها "شركات أمريكية جاءت للاستثمار في المكسيك، وهي بالفعل توفر عمالة وتنتج". لكنه أكد أن التصرف الصحيح الذي تحتاج إليه بلاده هو شراء المنتجات المحلية.

وتعهدت شركة ستاربكس بتوظيف عشرة آلاف لاجئ في مختلف أنحاء العالم خلال السنوات الخمس المقبلة، ردا على قرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب القاضي بفرض قيود على المهاجرين. وقال الرئيس التنفيذي هوارد شولتز في رسالة مفتوحة موجهة إلى الموظفين إن قرارات ترامب قد تسببت في ارتباك وصدمة وخلقت معارضة لها.

إجازات مدفوعة الثمن

على صعيد متصل عندما طلبت إحدى الموظفات من مديرها هاوي باروكاس إجازة للاحتجاج على سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن العاصمة، لم يوافق مديرها فقط، بل ومنحها يوم إجازة مدفوعة الأجر، وأرسلها إلى المظاهرة مع هدية كانت عبارة عن "معدات احتجاج" اشتملت على قفازات، وقلم تلوين عريض، ولوحة. وكانت تلك المرة الأولى التي يمنح فيها باروكاس، الذي يدير شركة علاقات عامة مقرها في سياتل، إجازة لموظفة لحضور مظاهرة أو احتجاج. ولكن في ظل الأجواء الراهنة وتصاعد الاحتجاجات الشعبية على قضايا مثل حقوق الهجرة في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، يشعر باروكاس بأنه لم يعد قادرا على إبقاء السياسة خارج مجال العمل.

ويقول باروكاس: "لن نفرض معتقداتنا السياسية على الموظفين، ولكننا نعتقد أن ممارستهم للنشاط السياسي أمر مهم". ويريد باروكاس أن يشعر الموظفون بأنه يدعم نشاطهم. وباروكاس ليس الوحيد الذي انتهج هذه السياسة. إذ أن مزيدا من الشركات- بما فيها ستاربكس، وليفت، وغوغل، وأبل- تعبر علنا عن رفضها للسياسات التي وضعها ترامب. وأصبحت هذه الشركات وغيرها تعتقد أن عليها أيضا أن تساعد الموظفين الذين يشعرون بحاجة إلى أن تسمع أصواتهم.

وكانت شركات وادي السيليكون في الولايات المتحدة قد عبرت بصراحة شديدة عن رأيها خلال فترة قصيرة من مراسم التنصيب الرئاسي في 20 يناير/كانون الثاني.

فعلى سبيل المثال، في 30 يناير/كانون الثاني شارك ما يقدر بألفين من موظفي غوغل بجوار المؤسس المشارك للشركة، سيرغي برين، والرئيس التنفيذي لها، سندار بيتشاي، في الاحتجاج على الأمر التنفيذي الرئاسي بشأن الهجرة. ويقول ألان آدمسون، المستشار في مجال اختيار العلامات التجارية في نيويورك، والذي يعمل مع شركات متعددة الجنسيات: "كان يكفي في السابق أن تحرر شيكات وتسعى إلى التأثير من خلال جماعات الضغط، أما الآن فإنك تشجع الموظفين على التعبير عن أنفسهم بشكل أكثر علانية". لكن الشركات ترى فوائد أيضا لهذا النهج.

ويضيف أن الموظفين الذين يعملون في شركات تدعم النشاط السياسي قد يكونون أقل ميلا لترك وظائفهم لأنهم يشعرون بأن الشركة تهتم بمصالحهم. وبالنسبة لبعضهم، فإن الأمر لا يختلف كثيرا عن تفسير الأسباب التي تدفع الشركات لإعطاء موظفيها أيام إجازة للمشاركة في نشاط تطوعي، أو متابعة اهتماماتهم الشخصية، أو المشاركة في خدمة المجتمع. يقول آدمسون إن الشركات الكبيرة غالبا ما تشارك في السياسة من خلال التبرعات والضغط، ولكن تلك الجهود تهدف في الغالب إلى تخفيف المخاطر على الشركة، ولا علاقة لها بقيم الشركة أو قيم موظفيها.

ولكن في الآونة الأخيرة، ارتفع عدد المديرين التنفيذيين الذين يتفحصون ويعيدون تقييم كيفية تلبية احتياجات الموظفين الذين يتوقون للتعبير عن معتقداتهم، دون استعداء للزبائن أو لموظفين آخرين. ويقول آدمسون إن هذا الاتجاه يعد "منطقة مجهولة"، ويتوقع أيضا أن يشكل طريقا وعرة، وأن بعض الشركات "ستتضرر" وهي تسير في ذلك الطريق الفاصل بين إعطاء مساحة محدودة للغاية للموظفين، ومساحة كبيرة للغاية لمجموعة متنوعة من العملاء.

وبعد الإعلان في الآونة الأخيرة عن حظر السفر إلى الولايات المتحدة من خلال الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب، توصل بن ويبر، مؤسس "هيومانايز"، وهي مؤسسة تستخدم تحليلات حسابية للتكهن بسلوك الموظف، ومقرها بوسطن، إلى قرار يقضي بأنه من الضروري السماح لموظفيه بأخذ إجازة لممارسة النشاط السياسي. ويعود ذلك جزئيا إلى خشية ويبر من أن يقطع حظر السفر السبيل أمام المواهب، لأن مؤسسته تواصل توظيف مواهب عالمية في الولايات المتحدة.

وفي 31 من يناير/كانون الثاني، أبلغ ويبر موظفيه البالغ عددهم 21 موظفا أن أخذ إجازة للمشاركة في الاحتجاجات لن يحسب في عداد العطل. ويقول ويبر: "الأمر مختلف الآن، لأننا نرى موظفينا مهددين بشكل مباشر". ومع ذلك، فهو حريص على ألا يجبر أحدا أو حتى أن يوحي لموظفيه بأن عليهم أن يتخذوا موقفا سياسيا معينا. وبينما يخطط ويبر للترافع شخصيا ضد حظر السفر، فإنه لا يريد أن يشعر موظفوه بأن عليهم تبني وجهات نظر الشركة ذاتها، وإنما عليهم أن يعلموا أن لديهم الحرية في دعم معتقداتهم في أوقات فراغهم دون إضاعة أجورهم، أو أوقات عطلاتهم.

وقد خلق ذلك الاتجاه الذي يجمع بين المصالح التجارية المهددة، والموظفين الذين يشعرون نفسيا أن هوياتهم هي وظائفهم، الأجواء المثالية لتشجيع النشاط السياسي في العمل، وفقا لبروكس هولتوم، الأستاذ في جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة، والمتخصص في السلوك التنظيمي وإدارة الموارد البشرية. ويقول هولتوم: "حينما تتوافق المصالح التجارية للموظفين مع مصالحهم السياسية، تكون هناك رغبة أكبر في المشاركة" نيابة عن الشركات.

ويقول آدمسون إن تشجيع النشاط السياسي قد يؤتي ثماره خاصة لدى اجتذاب الموظفين الصغار الذين يميلون إلى اختيار العمل مع الشركات التي تتوافق قيمها مع قيمهم وإلى شراء منتجاتها. لكن تشجيع النشاط السياسي قد يكون ضارا على المدى الطويل بسبب وجود احتمال استبعاد أولئك الذين هم على الجانب الآخر من الطيف السياسي. وفي نهاية المطاف، فإن الشركات نفسها التي توافق على منح إجازات للاحتجاج قد تجد نفسها الآن في مواجهة موضوعات أكثر سخونة في المستقبل، ولن يكون كل الموظفين على الجانب نفسه من القضية سواء الآن أو لاحقا.

وقد لا يكون هناك خيار أمام الشركات متعددة الجنسيات الأكبر حجما، مع وجود روابط سياسية ومصالح تجارية أكثر تعقيدا، إلا إظهار التكيف مع جهود الموظفين إذا بدأوا مثل ذلك النشاط، حتى لو اختلفت آراء تلك المؤسسات مع القضية المثارة. ويقول آدمسون: "إذا حاولت الشركات منع ممارسة النشاط السياسي فإنها ستخلق المزيد من المشاكل. وبالنسبة لها، فإن تبني نهج يشجع ذلك النشاط سيكون أقل ضررا". بحسب بي بي سي.

بالنسبة للموظفين، يعد الحصول على موافقة من رئيس العمل على نشاطهم السياسي بمثابة رسالة ترحيب منه. فعندما فحص مستشار تكنولوجيا المعلومات ستيف داك، البالغ 38 عاما، بريده الإلكتروني الأسبوع الماضي، وجد هذه الرسالة المقتضبة من رئيسه: "الرجاء ملاحظة أن لك الحرية في أخذ إجازة من العمل للاحتجاج .. أرجو أن تحاول إكمال عملك في الوقت المناسب، ولكن إذا احتجت لأن تنسحب مما تقوم به من عمل لحضور احتجاج ما، سأشجعك على ذلك". لكن بالنسبة للسيد داك، كان الكلام واضحا "وخلق مستوى مختلفا من الاحترام" لرئيسه في شركة صغيرة، يقول إن كل موظف فيها مهم للغاية حتى تحقق الشركة نجاحها يوميا.

ويقول داك إن رغبة الرئيس التنفيذي في التضحية بساعات العمل في البيئة التي يعملون فيها تعد رغبة قوية بشكل استثنائي. ويضيف "إنه على استعداد للمجازفة بخفض الإنتاج دعما لقضية معينة".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0