في الوقت الذي تعالت الإدانات والانتقادات الدولية لقرار الرئيس الأمريكي الجديد المثير للجدل دونالد ترامب، القاضي بحظر دخول سبع دول ذات أغلبية مسلمة، ماتزال دول الخليج العربية تلتزم الصمت حيال هذا القرار. ويرجع غياب دول الخليج العربية عن إدانة القرار الأمريكية الجديدة وكما نقلت بعض المصادر، إلى أملها في إقامة علاقات مع ترامب أفضل من علاقاتها مع سلفه، حيث توترت العلاقات بين دول الخليج والرئيس باراك أوباما الذي اعتقدت أنه كان متساهلا جدا مع غريمتها الرئيسية إيران. وهي تأمل أن تجد في ترامب زعيما يبدي مزيدا من الانحياز لصفها فقد وصف مرارا موقف أوباما من إيران بأنه "ضعيف" ويحط من شأن الاتفاق الذي أبرمته الإدارة السابقة مع طهران لرفع العقوبات عنها مقابل أن تحد من أنشطة برنامجها النووي.

ويرى بعض الخبراء ان ترامب يسعى اليوم ومن خلال بعض القرارات التي استهدف بها دول معينة أهمها (إيران والعراق وسوريا) ، طمأنة دول الخليج الغنية مع علمه المسبق ان بعض حكومات هذه الدول، تعد مصدر أساسي لترويج للافكار المتطرفة بالإضافة الى احتضان ودعم الكثير من التنظيمات الإرهابية وهو ما قد يمكنه من الاستفادة منها ، خصوصا وان ترامب قد هاجم أثناء حملته الانتخابية دول الخليج العربي، ووصفها واصفا بأنها دول "لا تملك شيئا سوى الأموال، واكد انه سيجعلهم يدفعون الأموال"، مضيفا أنه "لدينا دين عام يقدر بـ19 ترليون دولار، ولن ندفع أموالا عن هذا، ولا تنسوا دول الخليج، من دوننا ليس لها وجود".

الخليج وقرار ترامب

وفي هذا الشأن بقيت دول الخليج، وفي طليعتها السعودية، ودول أخرى ذات غالبية مسلمة، بمنأى عن مرسوم دونالد ترامب، الذي فرض قيودا صارمة على الهجرة والسفر إلى الولايات المتحدة، ويبرر عدد من الخبراء ذلك بأن هذه الدول حليفة لواشنطن وتتمتع بسلطة مركزية قوية.

وأصدر الرئيس الأمريكي ترامب الجمعة مرسوما يمنع دخول رعايا سبع دول ذات غالبية مسلمة، هي العراق وإيران وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن لمدة 90 يوما على الأقل، ويحظر دخول جميع اللاجئين أيا كانت أصولهم إلى الولايات المتحدة لمدة أربعة أشهر، ولمدة غير محددة للاجئين السوريين.

وبرر الرئيس الأمريكي مرسومه بالقول: إن الهدف منه "منع دخول الإرهابيين" إلى الولايات المتحدة، علما أنه استثنى، أقله حتى الآن، دولا ذات أغلبية مسلمة، اتهم مواطنون فيها في السابق بالارتباط بهجمات وقعت في الغرب. بيد أن 15 من أصل 19 شخصا كانوا خلف هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة، كانوا سعوديين، كما هو الحال بالنسبة لأسامة بن لادن مؤسس تنظيم القاعدة الجهادي المتطرف، والعقل المدبر للهجمات، فيما يحمل المهاجمون الأربعة الآخرون جنسيات لبنان ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة. كما أن العديد من الجهاديين الذين يقاتلون في صفوف تنظيمي القاعدة وتنظيم داعش يتحدرون من السعودية ومن دول أخرى في الخليج.

وحول الأمر، يقول آدم بارون، الخبير في شؤون اليمن في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن "ترامب، وكما هي الحال لدى الإدارات السابقة، يعتبر دول الخليج حليفة رئيسية بالنسبة إلى حكومة الولايات المتحدة". ويضيف بارون، "يبدو أن الدول (السبعة) اختيرت بسبب ضعف علاقات حكوماتها مع الولايات المتحدة، أو بسبب الأوضاع الخطيرة" التي تعصف بها. وتشن السعودية، موطن المذهب الوهابي المتشدد، منذ نحو عقد، حربا على تنظيم القاعدة، الذي تصف أعضاءه "بالفئة الضالة"، وهي عضو في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بقيادة الولايات المتحدة، إلى جانب دول خليجية أخرى.

ويرى الخبير في معهد الدراسات الدولية والإستراتيجية، أنتوني كوردسمان، أن حظر السفر لا يتعلق بالدول "التي تقيم علاقات وطيدة مع قواتها المكلفة بمكافحة الإرهاب، وحيث توجد بنية متطورة من التعاون الاستخباراتي". وينطبق هذا الأمر على مصر، أكبر الدول العربية من ناحية عدد السكان، وموطن جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبرها القاهرة ودول الخليج "منظمة إرهابية". وبحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة فيكتور سلامة، فإن "مصر والسعودية ينظر إليهما على أنهما الحليفان الرئيسيان للولايات المتحدة في المنطقة"، لافتا إلى وجود "تطابق في وجهات النظر" بين ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ويشير سلامة في هذا الصدد، إلى أن السيسي كان أول زعيم في منطقة الشرق الأوسط هنأ ترامب بعيد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

من جهته، يقول توفيق أكليماندوس المحاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة، إن التعاون الاستخباراتي مع القاهرة يفيد أيضا بأن واشنطن ترى في "أجهزة الاستخبارات المصرية حليفا يتكل عليه لمراقبة المواطنين" المصريين. وبعيد صدور مرسوم الحظر، اتصل ترامب بالملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، واتفق معهما على التعاون في "مكافحة الإرهاب"، وفقا للبيت الأبيض.

كما أكد ترامب والعاهل السعودي أنهما يؤيدان "تطبيقا صارما" للاتفاق النووي مع إيران، الخصم اللدود للسعودية في منطقة الشرق الأوسط، علما أن الرئيس الأمريكي سبق وأعلن معارضته لهذا الاتفاق، الذي توصلت إليه إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. ويقول الأستاذ المتخصص في الشؤون الجيوسياسية في الشرق الأوسط في جامعة تولوز ماثيو غيدار: "عدو عدوي صديقي. وبما أن السعودية عدوة إيران في المنطقة، وإيران عدوة إسرائيل، فإن الولايات المتحدة صديقة للسعودية".

وعلى الرغم من أن العلاقات الإستراتيجية ساهمت في تحديد الدول المشمولة بقرار الحظر، إلا أن القرار ارتكز أيضا على "مؤشرات الدول الفاشلة (...)، غير القادرة على ضمان أمنها وتبادل المعلومات مع الولايات المتحدة حيال مواطنيها". في موازاة ذلك، فإن المصالح التجارية للرئيس الأمريكي الملياردير أدرجت أيضا كسبب خلف عدم شمول القرار دولا معينة، إذ إنه يمتلك استثمارات وأعمالا في مصر والسعودية وتركيا والإمارات، حسب خريطة نشرتها وكالة "بلومبرغ" الاقتصادية، غير أن الخبراء يقللون من أهمية هذا الأمر. بحسب فرانس برس.

ويقول كوردسمان إن "الحصول على تعرفة معينة جراء مبيعات خاصة بعلامة تجارية ليس سببا كافيا لتحفيز" ترامب، الذي يملك أيضا مصالح تجارية في إندونيسيا، أكبر دولة مسلمة، والتي تواجه منذ وقت طويل جماعات إسلامية مسلحة شنت على أراضيها هجمات دامية. ووفقا لتوبياس باسوكي، المحلل السياسي في المعهد الاستراتيجي للدراسات الدولية في جاكرتا، فإن ترامب لا يريد أن يعرض (مصالحه التجارية) للخطر، علما أن "لا أحد يخشى أندونيسيا أيضا، إذ أن أعضاء اليمين المحافظ لا يعرفون حتى أين تقع، ولذا فإن هذا البلد لا يمثل مشكلة بالنسبة إليه". لكن، بغض النظر عن الدول التي يشملها المرسوم، فإنه سيمثل "مشكلة (...) سواء طبق على دول قوية أو ضعيفة (...)، كونه يمثل خرقا لحقوق الإنسان"، بحسب ما يرى إبراهيم فريحات، أستاذ مادة تسوية النزاعات في معهد الدوحة للدراسات العليا.

شأن داخلي

الى جانب ذلك قال وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إن حظر السفر الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مواطنين من دول غالبية سكانها من المسلمين هو قرار سيادي للولايات المتحدة ولا يستهدف دينا بعينه. وكان ترامب وقع على أمر تنفيذي بمنع دخول حاملي جوازات السفر الإيرانية والعراقية والليبية والصومالية والسودانية والسورية واليمنية مؤقتا الأراضي الأمريكية مما أثار احتجاجات في أنحاء الولايات المتحدة وخارجها. إلا أن الشيخ عبد الله قال في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الروسي سيرجي لافروف في أبوظبي إن معظم المسلمين والدول الإسلامية لا يشملها الحظر وإن الدول المعنية تواجه تحديات عليها مواجهتها. وأضاف أن الولايات المتحدة اتخذت قرارا سياديا.

وتابع أن هناك محاولات لإعطاء الانطباع بأن هذا القرار موجه ضد منطقة بعينها ولكن ما يثبت عدم صحة هذا الكلام هو ما قالته الإدارة الأمريكية ذاتها بأن هذا القرار ليس موجها ضد دين بعينه. والإمارات حليف وثيق للولايات المتحدة وعضو في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لقتال متشددي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. ورحب الشيخ عبد الله بحذر بمبادرة أخرى لترامب وهي اقتراح بإقامة مناطق آمنة في سوريا. وقال إن فكرة إقامة مناطق آمنة في سوريا ستكون موضع ترحيب إذا كانت مؤقتة ولأغراض إنسانية تحت إشراف دولي مضيفا أن الوقت ما زال مبكرا لاتخاذ قرار. وقال إن أبوظبي تريد سماع مزيد من التفاصيل من واشنطن قبل تأييد الفكرة.

في السياق ذاته دافع وزير الطاقة السعودي خالد الفالح عن "حق الولايات المتحدة في ضمان سلامة شعبها" في إشارة إلى الحظر الذي فرضه الرئيس الأمريكي على المسافرين من سبع دول من الشرق الأوسط. وفي مقابلة خاصة مع بي بي سي أجرتها معه كبيرة المراسلين ليز دوسيت، أعرب الفالح عن تفاؤله بألا ينفذ الرئيس ترامب وعوده الانتخابية بإيقاف كافة واردات النفط من المملكة العربية السعودية، التي تعد المصدر الرئيسي له إلى الولايات المتحدة. كما أشاد الفالح بدعم الإدارة الجديدة للوقود الأحفوري.

وقال إن الابتعاد عن ما سماه "سياسات أوباما غير الواقعية تجاه الموازنة بين النفط والغاز والطاقة المتجددة" من شأنه أن يعزز اقتصادات كل من الولايات المتحدة والسعودية. وقال الفالح إن لكل دولة الحق في القضاء على المخاطر التي يتعرض لها شعبها. وقال وزير النفط السعودي إن العلاقات بين البلدين قوية وعميقة للغاية، ولا يمكنهما إلا العمل سوية في القضايا الاقتصادية والاستراتيجية.

يذكر أن الرئيس ترامب وضع مقاربته فيما يخص منطقة الشرق الاوسط، وتشير بعض الدلائل إلى إعطائه أهمية كبيرة للسعودية باعتبارها شريكا رئيسيا في المنطقة. وكانت هناك أنباء عن إضافة المملكة لقائمة سبع دول شملها حظر السفر، ولا سيما أن كثيرين يشيرون إلى ضلوع 15 شخصا يحمل الجنسية السعودية من إجمالي 19 شخصا نفذوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.

الاتفاق النووي

من جهة اخرى اجرى الرئيس الاميركي دونالد ترامب اتصالا هاتفيا بالملك السعودي سلمان بن عبد العزيز اتفقا خلاله على ضرورة "التطبيق الصارم" للاتفاق النووي الايراني، كما افاد البيت الابيض. ويشكل هذا التصريح الصادر عن الرئاسة الاميركية تطورا في موقف ترامب بعد توليه السلطة، إذ انه ما فتئ منذ دخوله المعترك السياسي يهاجم هذا الاتفاق الرامي لمنع طهران من حيازة القنبلة النووية ويدعو الى الغائه، فضلا عن انه عين في ادارته مسؤولين معروفين بعدائهم لايران مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي يريد اجراء "مراجعة شاملة" لهذا الاتفاق.

وقالت الرئاسة الاميركية في بيان ان ترامب والعاهل السعودي اتفقا ايضا على ضرورة التصدي "للانشطة الايرانية المزعزعة لاستقرار" المنطقة وكذلك ايضا على محاربة "الارهاب الاسلامي المتطرف". كذلك فقد ايد العاهل السعودي بحسب بيان البيت الابيض فكرة ترامب اقامة "مناطق آمنة" في كل من سوريا واليمن، كما اكدا تأييدهما لاي "افكار اخرى من شأنها مساعدة اللاجئين الكثر النازحين من النزاعات الدائرة". ولم يأت البيان الاميركي على تفصيل آليات اقامة "المناطق الآمنة" المقترحة.

من جهتها اصدرت الرياض بيانا بشأن المكالمة الهاتفية اتسم بعبارات اكثر ضبابية من عبارات البيان الاميركي وبلغة مختلفة عن لغة بيان البيت الابيض. واكد البيان السعودي الذي نشرته وكالة الانباء الرسمية (واس) على تطابق وجهات النظر بين ترامب والعاهل السعودي في ما خص "محاربة الإرهاب والتطرف وتمويلهما ووضع الآليات المناسبة لذلك، ومواجهة من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى".

واضاف البيان السعودي ان الملك سلمان والرئيس ترامب "بحثا الشراكة الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين بين البلدين وأهمية الارتقاء بالتعاون الاقتصادي والأمني والعسكري بينهما"، اضافة الى "التأكيد على عمق ومتانة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين". كذلك فقد لفت بيان الرياض الى ان الملك السعودي وجه الى الرئيس الاميركي خلال المكالمة دعوة لزيارة المملكة وان ترامب وجه للملك سلمان دعوة مماثلة لزيارة الولايات المتحدة، مشيرا الى ان "القائدين اتفقا على جدولة الزيارات في الفترة القادمة" وذلك بهدف "تعزيز التعاون والعمل المشترك وتفعيل الشراكة الاستراتيجية بين البلدين بشكل أكبر يوازي عمق العلاقات التاريخية بينهما".

وفي بيان ثان اوضحت الرئاسة الاميركية ان ترامب اجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد الاماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بحث خلاله فكرة اقامة مناطق آمنة في سوريا واليمن، مشيرة الى ان ولي العهد "وافق على دعم هذه المبادرة". كما تطرقت المباحثات بين الرئيس الاميركي وولي العهد الاماراتي الى ملف مكافحة الجهاديين، بحسب البيان الاميركي الذي اوضح ان "الزعيمين جددا التأكيد على الشراكة القوية بين البلدين والتزما تعزيز التعاون بينهما في مكافحة الارهاب الاسلامي المتشدد". بحسب فرانس برس.

من جهتها افادت وكالة الانباء الاماراتية الرسمية (وام) انه خلال الاتصال الهاتفي اكد الجانبان "حرص البلدين على تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة ودعم الجهود المشتركة لمكافحة التطرف والعنف ومحاربة التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن وسلامة الدول وشعوبها". ونقلت "وام" ان ولي العهد شدد على أن "التطرف والإرهاب لا دين لهما ولا هوية وأن الجماعات التي ترفع شعارات وإيدولوجيات زائفة هدفها إخفاء حقيقتها الإجرامية في بث الفوضى والدمار والخراب". واكد ولي العهد رغبة ابو ظبي في "تجاوز مرحلة الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة من خلال التعاون والجهود المشتركة بما يخدم المصالح المتبادلة ويحقق السلم والاستقرار واستعادة الأمن فيها".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0