أثار تدمير تنظيم داعش الارهابي، لآثار جديدة في مدينة تدمر السورية ردود أفعال غاضبة، حيث اقدم هذا التنظيم الذي استولى التنظيم في 11 كانون الأول/ديسمبر مجدداً على مدينة تدمر، إلى تدمير التترابيلون الأثري، وهو عبارة عن 16 عمودا، كما ألحق أضرارا كبيرة بواجهة المسرح الروماني. كما أقدم مسلحو تنظيم "داعش" الإرهابي على إعدام 12 شخصا على الأقل في المدينة الأثرية، حيث اكدت بعض التقارير ان عناصر تابعة للتنظيم قطعت رؤوس أربعة أشخاص هم موظفون حكوميون ومدرسون، خارج متحف، وأطلقوا النار على ثمانية آخرين بينهم أربعة جنود وأربعة من مقاتلي المعارضة وعمليات القتل نفذت في مسرح روماني قديم بتدمر حيث قتل التنظيم العام الماضي 25 شخصا على الأقل من عناصر القوات الحكومية. وسبق للجيش السوري أن تمكن من تحرير مدينة تدمر من أيدي "داعش" في مارس/آذار عام 2016 في إطار عملية عسكرية واسعة النطاق، دعمها الطيران الروسي في ريف حمص. ومنذ سقوط المدينة مجددا في أيدي التنظيم، تواصل قوات التحالف والطيران الروسي توجيه غارات مكثفة على مواقع الإرهابيين. وتقع مدينة تدمر في وسط البادية على بعد 215 كم شمال دمشق، ويعود تاريخها إلى النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، وهي مدرجة ضمن قائمة منظمة اليونسكو للمواقع الأثرية.

وفي هذا الشأن قال مدير الآثار السورية مأمون عبد الكريم إن متشددي تنظيم داعش دمروا واحدا من أشهر المعالم الأثرية في مدينة تدمر وهو (التترابليون) بالإضافة لواجهة المسرح الروماني. والتترابليون الذي يشكل تقاطعا على طول الرواق الكبير في تدمر مؤلف من منصة حجرية مرتفعة تضم أربعة هياكل متطابقة كل هيكل مؤلف من أربعة أعمدة مرتكزة في كل ركن من أركان الهيكل. وأظهرت صور بالقمر الصناعي أرسلها عبد الكريم أن التترابليون دمر إلى حد كبير وأن أربعة أعمدة فقط من 16 عامودا لا تزال قائمة بينما غطيت المنصة الصخرية بالأنقاض. كما أظهرت الصور أيضا أضرارا فادحة بالمسرح الروماني وتدمير العديد من الهياكل الحجرية المرتفعة.

وقال عبد الكريم إنه إذا ظلت داعش مسيطرة على تدمر فإن هذا يعني مزيدا من الدمار. وكان التنظيم قد سيطر على المدينة للمرة الأولى في 2015 واحتفظ بها لمدة عشرة أشهر قبل أن تتمكن قوات الحكومة السورية بدعم من فصائل متحالفة معها والقوات الجوية الروسية من طردهم من المدينة في مارس آذار الماضي. وخلال تلك الفترة دمر التنظيم آثارا أخرى في المدينة بما في ذلك قوس النصر الذي يبلغ عمره 1800 عام. وفي وقت قريب قتل التنظيم المتشدد 12 شخصا في تدمر أعدم بعضهم في المسرح الروماني.

جريمة حرب

الى جانب ذلك أثارت عملية التدمير الجديدة ردود فعل دولية غاضبة، فصنفته الأمم المتحدة بـ"جريمة حرب" ووصفته موسكو بـ"المأساة الحقيقية". وقالت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" إيرينا بوكوفا "هذا التدمير المتعمد جريمة حرب جديدة. إنها خسارة كبيرة للشعب السوري وللإنسانية". وأضافت "هذه الضربة الجديدة الموجهة إلى التراث الثقافي (...) تثبت مدى استهداف التطهير الثقافي الذي يقوم به المتطرفون للحياة البشرية والمعالم التاريخية من أجل حرمان الشعب السوري من ماضيه ومن مستقبله". وأكدت أن "حماية التراث لا تنفصل عن حماية الحياة البشرية".

وقال مدير عام الآثار والمتاحف السورية مأمون عبد الكريم "دمر تنظيم داعش كما تلقينا من أخبار منذ عشرة أيام التترابيلون الأثري وهو عبارة عن 16 عمودا". وأضاف "كما أظهرت صور أقمار اصطناعية (...) أضرارا لحقت في واجهة المسرح الروماني". وبدا من خلال صور الأقمار الاصطناعية وكأن الدمار طال الجزء الأكبر من واجهة المسرح الروماني. وهو الذي طالما استضاف مناسبات موسيقية ومسرحية، ويعد من أبرز المعالم السياحية في سوريا، إذ ظهرت صوره في العديد من الحملات الترويجية والبطاقات البريدية. ولكنه شهد أيضا على أعمال الجهاديين الوحشية. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان عن قيام تنظيم داعش بإعدام 12 شخصا بينهم من تم قتلهم وقطع روؤسهم في المسرح الروماني.

وفي روسيا، وصف ديمتري بسكوف المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما حصل بأنه "مأساة حقيقية من وجهة نظر التراث الثقافي والتاريخي. الإرهابيون مستمرون في أعمالهم الهمجية". وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف بدوره "الهمجيون يبقون همجيين. مثل هذه الأفكار والممارسات لا مكان لها في الحضارة الحديثة". من جهته قال وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت أن التدمير "يشكل دليلا إضافيا على رغبة المجموعة الإرهابية في إنكار التاريخ الألفي والتعددية الثقافية للشرق الأوسط". ويعود تاريخ مدينة تدمر المعروفة بـ"لؤلؤة الصحراء" إلى أكثر من ألفي سنة.

وتشتهر تدمر التي تقع في قلب بادية الشام وتلقب أيضا بـ"عروس البادية" بأعمدتها الرومانية ومعابدها ومدافنها الملكية التي تشهد على عظمة تاريخها. وأعرب عبد الكريم عن خوفه من المستقبل طالما بقي تنظيم داعش في المدينة. وصرح "قلنا منذ اليوم الأول أن هناك سيناريو مرعبا ينتظرنا"، مضيفا "عشنا الرعب في المرحلة الأولى، ولم أتوقع أن تحتل المدينة مرة ثانية". وأضاف "معركة تدمر ثقافية وليست سياسية (...) لا أفهم كيف قبل المجتمع الدولي والأطراف المعنية بالأزمة السورية أن تسقط تدمر".

وتعتبر سوريا مخزن كنوز أثرية من ثقافات مختلفة تتراوح بين المساكن والأسواق من عصور ما قبل التاريخ، وصولا إلى الآثار اليونانية والرومانية والحصون الصليبية. وإن كان لتنظيم داعش دور كبير في تدمير جزء من هذا التراث، فإن المعارك التي شهدتها سوريا ألحقت الدمار أيضا بالكثير من المواقع الأثرية، وأبرزها المدينة القديمة في حلب. وشكلت المدينة القديمة في حلب منذ العام 2012 خط تماس للمعارك. بحسب فرانس برس.

وأعلنت اليونسكو أن "الدمار الكامل" طال 30 في المئة من المدينة القديمة جراء المعارك، فيما لحقت "أضرار بالغة" بما تبقى منها. وأرسلت اليونسكو بعثة إلى حلب بين 16 و19 كانون الثاني/يناير، تبين خلالها "الضرر البالغ" الذي لحق بالقلعة الصليبية وبالجامع الأموي الذي انهارت مئذنته العائدة إلى القرن 11.

تدمير اسلحة ثقيلة

من جهة اخرى اعلن التحالف العسكري المناهض لتنظيم داعش انه دمر اسلحة ثقيلة استولى عليها الجهاديون حين سيطروا مجددا على مدينة تدمر السورية نهاية، بينها دبابات واسلحة مضادة للطائرات. وقال الكولونيل جون دوريان المتحدث العسكري باسم التحالف في بغداد في بيان ان الجنرال ستيفن تاوسند الذي يقود الحملة الجوية للتحالف ضد الجهاديين في العراق وسوريا منذ صيف 2014 "كان واضحا خلال مؤتمره الصحافي في 14 كانون الاول/ديسمبر لجهة اننا سنضرب هذه المعدات قبل ان تشكل تهديدا للعمليات ضد تنظيم داعش".

ونفذ التحالف ضرباته في محيط مطار تدمر شمال شرق المدينة وقد اتاحت تدمير اربع عشرة دبابة وثلاثة بطاريات مدفعية مضادة للطائرات ومبنيين سيطر عليهما الجهاديون وآليتين. وقالت قيادة الجيش الاميركي في الشرق الاوسط (سنتكوم) ان 16 مقاتلة للتحالف "اطلقت 22 صاروخا ودمرت 22 هدفا". بحسب رويترز.

كما أغارت طائرات حربية روسية وسورية على مواقع لتنظيم داعش حول تدمر. ومثلت خسارة تدمر -رغم عشرات الغارات الجوية الروسية التي استهدفت صد المتشددين- انتكاسة كبرى للحكومة السورية ولداعمتها روسيا. وكانتا قد استعادتا المدينة بمنطقتها القديمة التي تعود للعصر الروماني وأطلالها الرائعة في مارس آذار فقط ونظمتا حفلا موسيقيا حظي بدعاية واسعة النطاق. وقال الجيش السوري إن كلا من طائراته الحربية والمقاتلات الروسية أصابت مواقع للمتشددين على أطراف تدمر فقتلت العشرات ودمرت بعض العتاد العسكري.

غياب التعاون

الى جانب ذلك اعرب الكرملين عن اسفه لغياب التعاون من قبل الولايات المتحدة في التصدي لتنظيم داعش الذي استعاد السيطرة على مدينة تدمر الاثرية في سوريا. وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في تصريح صحافي "نأسف لغياب التنسيق الفعلي حتى الان مع البلدان الاخرى وفي طليعتها الولايات المتحدة التي لا تريد التعاون" مع روسيا في هذا المجال. واضاف ان "هذا التعاون كان سيتيح لنا منع الارهابيين من شن هذا النوع من الهجمات".

واعتبر بيسكوف ان "خسارة تدمر تسيء الى صورة الانسانية المتحضرة برمتها... التي لا تفعل شيئا ضد الارهابيين الدوليين في تنظيم داعش". واتهم ايضا الولايات المتحدة بأنها تسببت "في هرب مجموعات كبيرة الى حد ما من الارهابيين من العراق، مما اتاح لها تشكيل مجموعات كبيرة على الاراضي السورية والانتقال الى الهجوم". اما ما يتعلق بروسيا، الحليف الوفي للرئيس السوري بشار الاسد، "فقد سعت وما زالت تسعى الى تعاون متوازن ومفيد للطرفين مع الولايات المتحدة"، كما قال المتحدث. وانتقد وزير الخارجية الفرنسي جان-مارك ايرولت "شكلا من اشكال الكذب الدائم" من جانب روسيا في النزاع السوري، متهما موسكو بأنها "تدعي" مكافحة الارهاب وتتيح لتنظيم داعش استعادة تدمر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0