ما تزال الحكومة الأفغانية وعلى الرغم من التحركات والإجراءات المهمة، التي اجرتها في الفترة الأخيرة، تواجه الكثير من التحديات والمشكلات الأمنية والأزمات الاقتصادية التي تفاقمت بسبب الفساد المالي والإداري والخلافات السياسية، التي ازداد بعد انسحاب القوات الدولية من هذا البلد وتولى القوات الأفغانية مهمة الحرب ضد التنظيمات والحركات المسلحة في أفغانستان، ومنها حركة طالبان وتنظيم داعش الارهابي، الذي استطاع ان يحصل على موطئ قدم في عدة أقاليم أفغانية، مستفيدا من حالة تدهور الوضع الأمني وتفاقم مشكلة الفقر في بلد يعتمد أساسا على المساعدات والمعونات الخارجية.

ويرى بعض المراقبين ان قلق ومخاوف الحكومة الأفغانية، ربما ازدادت بشكل كبير بعد فوز الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، الذي يعارض بعض سياسات الإدارة الأمريكية السابقة ومنها تواجد القوات العسكرية خارج الولايات المتحدة الأمريكية لفترة طويلة والدعم الممنوح لبعض الدول وغيرها من الأمور الأخرى التي اعترض عليها أثناء حملته الانتخابية ووعد بتغيرها، وهو ما قد يثر على استقرار الأمن في أفغانستان، خصوصا وان القوات الحكومية الأفغانية قد فقدت في عام 2016 بعض الأراضي لصالح طالبان، التي باتت تشكل تهديدات اكبر من ذي قبل على القوات الأفغانية التي تثبت انها غير قادرة على مواجهة خطرها دون دعم القوات الأميركية وقوات الأطلسي.

ولم يرد الوضع الأفغاني كما نقلت بعض المصادر، إلا نادرا أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية، لكن ترامب الذي ينتقل رسميا إلى البيت الأبيض في الـ20 من كانون الثاني يناير نشر تغريدات عدة على تويتر تندد ببقاء الجيش الأميركي في هذا البلد. فالولايات المتحدة ما زالت تنشر نحو عشرة آلاف جندي في أفغانستان تحت راية الحلف الأطلسي مع تعهد الرئيس باراك اوباما إبقاء 8400 منهم حتى مطلع 2017 عوض الانسحاب التدريجي المعلن أصلا.

الدعم الأمريكي

وفي هذا الشأن قال وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر إن الولايات المتحدة "ستظل ملتزمة" بدعم أفغانستان وسط تساؤلات عن السياسة الخارجية التي سيتبعها الرئيس المنتخب دونالد ترامب فيما يتعلق بهذا البلد الذي يواجه تجدد تمرد حركة طالبان. وجاءت تصريحات كارتر خلال زيارة لكابول لم يعلن عنها مسبقا للاجتماع مع القوات الأمريكية والرئيس الأفغاني أشرف عبد الغني. وقال خلال مؤتمر صحفي مع عبد الغني "أمريكا ملتزمة وستظل ملتزمة بدعم سيادة وأمن أفغانستان."

ولم يذكر ترامب تفاصيل تذكر عن خططه للسياسة الخارجية لاسيما ما يتعلق بأفغانستان حيث لا يزال قرابة عشرة آلاف جندي أمريكي هناك بعد أكثر من 15 عاما من إطاحة قوات أفغانية مدعومة من الولايات المتحدة بحركة طالبان الإسلامية من السلطة. ولم يرد ذكر أفغانستان إلا نادرا خلال معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية بين ترامب ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون إذ ركزت الحملة الانتخابية بشكل كبير على القضايا الداخلية. لكن ترامب قال إن الولايات المتحدة يتعين عليها أن تتوقف عن "بناء أمم".

وقال فريق ترامب الانتقالي في بيان إن عبد الغني تحدث مع ترامب هاتفيا في وقت سابق وناقشا "المخاطر الإرهابية التي تهدد البلدين." وفي حديث مع الصحفيين في قاعدة باجرام الجوية شمالي كابول قال الجنرال جون نيكولسون قائد القوات الأمريكية والدولية في أفغانستان إن من المهم أن تظل الولايات المتحدة ملتزمة بدعم أفغانستان. وقال "سياستنا بمواصلة مساعي مكافحة الإرهاب إلى جانب شركائنا الأفغان هي في رأيي صائبة للغاية ويتعين علينا أن نستمر فيها."

وذكر أن زعماء خمسة من 20 منظمة مصنفة بأنها متشددة في أفغانستان وباكستان قتلوا وإن تنظيم داعش خسر ثلثي أراضيه وهو شيء لا بد من استمراره في المستقبل. وقال كارتر إن فريق ترامب الانتقالي لم يطلب التحدث إلى نيكولسون لكن الرجل سيكون متاحا إذا طلب ذلك. ويقول مسؤولون سابقون وخبراء إن من بين أهم الأسئلة التي تواجه ترامب بشأن أفغانستان ما يتعلق بعدد القوات الأمريكية التي ستبقى هناك.

وفي إقرار بأن قوات الأمن الأفغانية لا تزال غير مستقرة وأن طالبان حققت مكاسب في بعض المناطق ألغى الرئيس باراك أوباما خططا لتقليص الوجود الأمريكي بواقع النصف بحلول نهاية العام واختار بدلا من ذلك أن يبقى 8400 جندي حتى نهاية رئاسته في يناير كانون الثاني. وشكر عبد الغني كارتر على المساهمة العسكرية الأمريكية وتضحيات القوات الأمريكية في الصراع. بحسب رويترز.

وقال جيمس دوبينز وهو مبعوث أمريكي خاص سابق إلى أفغانستان إن أفغانستان لن تكون على رأس الأولويات بالنسبة لترامب في ظل المعركة ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا. وأضاف أن هذا يعني على الأرجح أن أعداد الجنود الأمريكيين في أفغانستان لن تتغير على الأقل في المدى القريب. وترث إدارة ترامب وضعا أمنيا صعبا في أفغانستان حيث تواجه عدة مدن تهديدات من متشددي طالبان وتكبدت القوات الأفغانية خسائر كبيرة في الأرواح حيث قتل أكثر من 5500 خلال الشهور الثمانية الأولى من 2016.

خسائر فادحة

على صعيد متصل افاد تقرير اميركي رسمي ان الخسائر التي مني بها الجيش الافغاني خلال المعارك هذه السنة تفوق تلك التي تكبدها العام 2015 ولا سيما في قتاله الاسلاميين منذ انسحاب قوات التحالف اواخر 2014. وكان العام 2015 موجعا للقوات الافغانية التي خسرت خمسة الاف قتيل و15 الف جريح، معظمهم في المعارك ضد طالبان. لكن خسائر السنة الحالية سجلت مزيدا من الارتفاع: فمن الاول من كانون الثاني/يناير الى 19 آب/اغسطس، قتل بالاجمال 5523 عنصرا من قوات الأمن وفقا لتقرير فصلي لمكتب المفتش العام لاعادة اعمار افغانستان. وفي الفترة نفسها، اصيب 9665 جنديا، كما اوضح التقرير.

وتتزايد اعمال العنف في الصيف "موسم المعارك" مع طالبان والمجموعات المتمردة الاخرى. لكن المتمردين يواصلون مهاجمة القوات الحكومية خلال الاشهر الاخرى من السنة، وهذا ما يعني ازدياد الخسائر. واعتبر المفتش العام جون سوبكو في التقرير ان "اكبر تحد يواجه مجهود اعادة الاعمار الاميركية وقدرة الدولة الافغانية على الاستمرار، ما زال تمرد طالبان والفصائل الاخرى". وكان الجنرال الاميركي جون نيكولسون، قائد قوات الحلف الاطلسي في افغانستان، اعتبر ان "ثغرات في قيادة" وحدات كثيرة من الشرطة والجيش ادت الى ارتفاع غير طبيعي لنسبة الضحايا لدى القوات الحكومية. بحسب فرانس برس.

لكن معنويات القوات ما تزال مرتفعة، ويؤكد ثلاثة ارباع المجندين انهم يتلقون معاملة جيدة، فيما يعرب 90% عن ارتياحهم ازاء رواتبهم، من جانب اخر قالت هيئة تابعة للحكومة الأمريكية إن الحكومة الأفغانية فقدت السيطرة أو النفوذ على أكثر من اثنين في المئة من الأراضي الخاضعة لسيطرتها خلال الفترة بين مايو أيار وأغسطس آب مما يشير إلى خطورة الموقف الأمني والتحديات التي تمثلها حركة طالبان وغيرها من الجماعات المتشددة. وبعد 15 عاما على الغزو الأمريكي لأفغانستان للإطاحة بحكومة حركة طالبان التي آوت متشددي تنظيم القاعدة حققت الحركة مكاسب كبيرة وتشير تقديرات إلى أنها تسيطر حاليا على مساحات أكبر من أي وقت مضى منذ عام 2001.

وكشف التقرير الذي نشره مكتب المفتش العام لإعادة الإعمار في أفغانستان (سيجار) أن المناطق الخاضعة "لسيطرة أو نفوذ" الحكومة الأفغانية انخفضت إلى 63.4 في المئة بنهاية أغسطس آب من 65.6 في المئة قرب نهاية مايو أيار بناء على بيانات قدمتها القوات الأمريكية في أفغانستان. ويقل هذا الرقم عما ذكره مسؤولون أمريكيون في الماضي. وقال الجنرال جون نيكولسون قائد القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي "نعتقد أن الأفغان يبسطون نفوذهم على ما بين 68 و 70 في المئة من السكان."

وذكر التقرير أن ثلث البلاد إما تحت سيطرة المتمردين أو معرض لخطر السقوط في أيديهم مما يشكل تحديا على تعليم الفتيات. وتحدت طالبان قوات الأمن الأفغانية في عدد من المدن الرئيسية في الأشهر القليلة الماضية ومنها قندوز التي اجتاحتها الحركة العام الماضي لكن الحكومة استعادت السيطرة عليها في نهاية المطاف.

هجوم انتحاري

الى جانب ذلك أعلن تنظيم داعشالارهابي مسؤوليته عن هجوم انتحاري استهدف اجتماعا لشيوخ قبائل في إقليم ننكرهار بشرق أفغانستان. وقال مسؤولون أفغان إن أربعة أشخاص على الأقل قتلوا وأصيب سبعة في الهجوم في حين قال تنظيم داعش في بيان إن 15 "كافرا" قتلوا وجرح 25. وقال عطاء الله خوجياني المتحدث باسم حاكم ننكرهار المعقل الرئيسي لتنظيم داعش في أفغانستان إن اجتماع شيوخ القبائل عقد بهدف تسوية نزاعات محلية قبل أن يستهدفه المفجر الانتحاري.

وقال "شيوخ قبائل من مقاطعة باتشيراجام تجمعوا في مدينة جلال أباد في منزل لحل خلافاتهم الداخلية وتوحيد جبهة ضد داعش لكن انتحاريا أفسد الاجتماع وقتل وأصاب العديد من الناس من بينهم شيوخ قبائل." ومجالس شيوخ القبائل وسيلة أساسية لإدارة شؤون مناطق كثيرة في أفغانستان حيث تضعف سيطرة الدولة لكنها باتت هدفا لتنظيم داعش الذي يسعى إلى ترسيخ سلطته في شرق البلاد. ونشر التنظيم المتشدد صورة للمفجر الانتحاري وقال إنه فتح النار على المجتمعين قبل أن يفجّر حزامه الناسف. وأكد ناجون هذه الرواية.

من جانب اخر قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن الولايات المتحدة نفذت ضربات جوية استهدفت اثنين من أبرز زعماء تنظيم القاعدة في أفغانستان. وقال بيتر كوك المتحدث باسم الوزارة في بيان إن الجيش الأمريكي لا يزال يقيم نتائج الضربات التي استهدفت القياديين في مواقع للقيادة والسيطرة بمناطق نائية في إقليم كونار. بحسب رويترز.

وقال مسؤولون أمريكيون طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم إن الضربات الجوية التي نفذت بطائرات دون طيار كانت أهم هجمات ضد التنظيم في أفغانستان منذ عدة سنوات. وقال مايكل كوجلمان المتخصص في شؤون جنوب آسيا لدى مركز وودرو ويلسون "ثمة شيء محبط بشأن حقيقة أن الولايات المتحدة ما زالت تحاول القضاء على زعماء القاعدة وملاذاتها الآمنة في أفغانستان." وقال مسؤولون عسكريون إن الطائرات الحربية الأمريكية نفذت نحو 700 ضربة جوية هذا العام حتى الآن مقارنة مع نحو 500 في العام الماضي بأكمله فيما يشير إلى تزايد دور القوات الأمريكية والذي يتوقع أن يستمر في المستقبل المنظور.

محكمة ضد الفساد

في السياق ذاته بدأت محكمة جديدة لمكافحة الفساد في أفغانستان عملها في خطوة محدودة إلى الأمام ضمن جهود الرئيس أشرف عبد الغني لمحاربة الكسب غير المشروع على أعلى المستويات في الحكومة. وأنشأت إدارة عبد الغني مركز العدالة الجنائية ضد الفساد في يونيو حزيران لتعزيز قدرة النظام القضائي على مقاضاة الوزراء والقضاة والحكام الفاسدين الذين كانوا ينعمون بالحصانة من الملاحقة القضائية إلى حد بعيد.

ولم تشمل أول قضيتين تنظرهما هيئة المحكمة -التي تضم قاضية- مسؤولين بارزين في الحكومة بل ممثلا للادعاء في المحكمة العليا ومسؤولا في بنك خاص وهو ما سلط محامو الدفاع الضوء عليه. وقال فريد أرابزاي محامي ممثل الادعاء أمام هيئة المحكمة المؤلفة من ثلاثة قضاة "كنت أود أن تكون بداية هذه المحكمة قضية فساد بمليون دولار لا قضية فساد بقيمة 50 ألف أفغاني (761.04 دولار)." وقالت الحكومة إنها ستلاحق العشرات في قضايا الفساد المتعلقة بمسؤولين كبار في الحكومة لكنها لم تعلن أي أسماء.

وقال جامشيد رسولي المتحدث باسم مكتب الادعاء العام على هامش الجلسة في قاعة المحكمة الصغيرة التي اكتظت بوسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والدبلوماسيين "هناك المزيد من القضايا قيد التحقيق في هذا المركز وبمجرد انتهاء التحقيق في هذه القضايا سيعلن المركز قراره." بحسب رويترز.

ويتعرض عبد الغني لضغوط حتى يكثف محاربته للفساد المستشري ويطالب المانحون الدوليون بتحقيق المزيد من النتائج مقابل مساعدات أجنبية بمليارات الدولارات. ورحب مايكل هارتمان مسؤول وحدة سيادة القانون في بعثة المعاونة التابعة للأمم المتحدة في أفغانستان ببدء عمل المحكمة وقال إن هذا يظهر أن محاربة الكسب غير المشروع تمثل أولوية قصوى بالنسبة لكابول.

الحكومة والبرلمان

من جانب اخر عزل البرلمان الأفغاني وزيرين آخرين متجاهلا مناشدات الرئيس والرئيس التنفيذي لوقف اقتراع بسحب الثقة يهدد الحكومة الهشة المدعومة من الغرب. وحجب البرلمان الثقة عن وزير المواصلات ووزير التعليم مشيرا إلى ضعف أدائهما ليبلغ عدد الوزراء الذين تم عزلهم في يومين فقط خمسة وزراء. وكان وزير المالية إكليل حكيمي الوحيد الذي أفلت في التصويت الأمر الذي كان مبعثا للراحة بين الدول المانحة والحكومة. وجرى التصويت على الرغم من مناشدات الرئيس أشرف عبد الغني والرئيس التنفيذي عبدالله عبدالله لوقف المزيد من الإجراءات ضد الحكومة.

وقال ميرداد نجرابي رئيس لجنة الأمن بالبرلمان "الرئيس عبد الغني والدكتور عبد الله قالا للنواب إن قرارهم سيشكل ضربة سياسية كبيرة للحكومة في هذا الوقت الحرج وحثاهم على وقف العملية." وقال بيان أصدره مكتب عبد الغني إن الحكومة لا تريد مواجهة وتحترم قرار البرلمان لكنه طلب من مجلس النواب تعليق العملية. ومن المحتمل أن يصوت البرلمان -الذي يمنحه الدستور الحق في عزل الوزراء- على سحب الثقة من نحو 11 وزيرا آخر.

وقال النائب جول بادشا ماجيدي قبل التصويت "هذا حقنا وسنستخدمه ولن نسمح للحكومة بتسييس هذه العملية." وكان البرلمان قد حجب الثقة عن ثلاثة وزراء بينهم وزير الخارجية صلاح الدين رباني. ومن الممكن أن يصبح الوضع السياسي المتدهور تحديا كبيرا في السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب الذي لم يأت على ذكر أفغانستان تقريبا خلال حملته الانتخابية. بحسب رويترز.

وأضعفت الخلافات الداخلية وصعود طالبان حكومة الوحدة الوطنية الأفغانية التي ساعدت الولايات المتحدة في تشكيلها بعد انتخابات 2014 المتنازع على نتائجها. وكان من المفترض أن تشرف كابول على انتخابات برلمانية جديدة وتشكيل مجلس دستوري أعلى لاستعادة الشرعية السياسية. لكن مهلة مدتها عامان مرت دون اتخاذ أي من الخطوات التي تم التعهد بها مما أثار علامات استفهام بشأن مستقبل الحكومة في وقت تؤجج فيه التوترات العرقية أجواء الغموض السياسي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1