بعد الفوز الكبير الذي حققه الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب على حساب المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، اكد بعض المراقبين ان سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، ربما ستشهد بعض التغير وخصوصا قضية علاقاتها مع بعض دول العالم، ومنها روسيا اكبر منافس للولايات المتحدة في العالم، حيث يعتقد الخبراء وكما نقلت بعض المصادر، أن وصول دونالد ترامب الذي تعهد بتحسين العلاقات مع روسيا الى كرسي الرئاسة، سيفتح آفاقا لروسيا بحيث لم يعد ينظر إليها في أمريكا كعدو محتمل أساسي. فالتصريحات الايجابية التي اطلقها ترامب حول روسيا ستؤدي حتماً إلى حدوث تقارب ملموس في العلاقات مع موسكو، التي باركت فوز ترامب وأعرب قادتها عن ارتياحهم لتغيير السلطة في واشنطن.

وعبر وزير الخارجية الروسي عن أمله في بداية جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد الجمهوري "دونالد ترامب"، موجهاً انتقادات حادة للرئيس الديموقراطي الحالي "باراك أوباما". وقال "لافروف" في مقابلة مع صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية: "نحن واثقون من أن الإدارة الجديدة لا تريد تكرار أخطاء الإدارة المنتهية ولايتها التي دمرت عمدا العلاقات الأمريكية الروسية".

هذه القضية ايضا اثارت قلق ومخاوف بعض الجهات الامريكية، التي ترى ان التقارب مع روسيا سيسهم بإضعاف قدرات الولايات المتحدة وسيؤثر سلبا على مصالحها الحيوية في مناطق مختلفة، وفي هذا الشأن قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما إنه يأمل في أن يتصدى الرئيس المنتخب دونالد ترامب لروسيا عند اللزوم وفي أن يتبنى نهجا بناء فيما يتعلق بالتعاون مع موسكو عندما تتوافق المصالح بين البلدين.

وقال أوباما "من أجل أن نحل الكثير من المشكلات الكبرى حول العالم من مصلحتنا العمل مع روسيا." وأضاف "آمل في أن الرئيس المنتخب مع توليه المنصب سيتبنى نهجا بناء مماثلا ويعثر على المناطق التي يمكننا أن نتعاون فيها مع روسيا عندما تتفق مصالحنا وقيمنا لكن آمل أيضا أن الرئيس المنتخب سيكون مستعدا للوقوف في وجه روسيا عندما تحيد عن قيمنا وعن الأعراف الدولية"، وقال أوباما إن من المهم بقاء العقوبات المفروضة على روسيا بسبب أفعالها في شرق أوكرانيا قائمة حتى تنصاع موسكو لبنود اتفاق السلام الموقع في مينسك.

بوتين والتعاون مع ترامب

من جانب اخر أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لهجة تصالحية غير معتادة خلال خطابه السنوي عن حالة الاتحاد قائلا إن بلاده مستعدة للتعاون مع الإدارة الأمريكية الجديدة وتتطلع لاكتساب أصدقاء وليس أعداء. واستغل بوتين خطابات سابقة لانتقاد الغرب والولايات المتحدة على الأخص لكنه حد من انتقاده هذه المرة وركز معظم خطابه على قضايا اجتماعية واقتصادية داخلية.

وقال بوتين للنخبة السياسية الروسية التي تجمعت في واحدة من أكبر قاعات الكرملين "نحن لا نريد مواجهة مع أحد. لسنا بحاجة لهذا. لا نسعى ولم نسع قط لأن يكون لنا أعداء. بل نحتاج أصدقاء." وأضاف "نحن مستعدون للتعاون مع الإدارة الأمريكية الجديدة. لدينا مسؤولية مشتركة لضمان الأمن الدولي." وأضاف أن أي تعاون أمريكي روسي يجب أن يعود بالنفع على البلدين وأن يكون منصفا.

وسبق أن عبر بوتين عن أمله في أن يساعد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب في إصلاح العلاقات الأمريكية الروسية الممزقة وقال محللون إنه لا يرغب على الأرجح في زيادة حدة خطابه المناهض للغرب قبل تنصيب ترامب في يناير كانون الثاني. وقال الزعيم الروسي إن موسكو تأمل في العمل مع واشنطن في مجال مكافحة الإرهاب العالمي. وكان يشير إلى سوريا حيث تدعم موسكو الرئيس بشار الأسد بينما تؤيد الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها المعارضة المناهضة للأسد.

وتأمل روسيا أن يطلق ترامب يدها في سوريا وأن يتعاون معها عسكريا لقتال داعش. وربما تكون لهجة بوتين أقل حدة من المعتاد لكنه أوضح أن روسيا ستواصل الدفاع بقوة عن مصالحها. وفي معرض تفنيده لما قال إنها "خرافات" بشأن اعتداء روسيا وتدخلها في انتخابات دول أخرى قال بوتين إن موسكو تريد أن تقرر مصيرها بنفسها. وأضاف "سنبني مستقبلنا دون نصيحة من أحد." وفيما يتعلق بالقرم قال بوتين إن روسيا تمضي قدما في إنشاء طريق وجسر للسكك الحديدية إلى شبه الجزيرة التي ضمتها من أوكرانيا في 2014. بحسب رويترز

وكان الشعب الروسي هو الهدف الرئيسي لخطاب بوتين فيما يبدو. فرسالته أشارت إلى أن أسوأ فترات الأزمة الاقتصادية الطاحنة قد ولت وأن الوقت حان للتركيز على تحسين مستوى المعيشة بضخ مزيد من الاستثمارات في التعليم والصحة. ومن المقرر أن تجرى الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2018. وعلى الرغم من عدم إعلان بوتين الترشح لفترة جديدة فمن المتوقع على نطاق واسع أن يترشح.

التدخل في الانتخابات

على صعيد متصل نفى الحزب الجمهوري وفريق الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ما نقلته صحيفة "واشنطن بوست" الاميركية عن وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) بأن روسيا تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأميركية لمساعدة الملياردير على الوصول إلى الرئاسة. ورفض فريق الرئيس المنتخب فورا نتائج تحقيق السي آي ايه، مؤكدا ان المحللين الذين توصلوا الى ذلك "هم انفسهم الذين كانوا يقولون ان (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين يملك اسلحة دمار شامل".

من جهته قال المتحدث باسم الحزب الجمهوري شون سبيسر عبر شبكة سي ان ان، "وكالات الاستخبارات تخطئ. لم تكن هناك" قرصنة روسية. اما تشاك شومر الزعيم المقبل لكتلة الديموقراطيين في مجلس الشيوخ فطالب الخميس بتحقيق يجريه الجمهوريون والديموقراطيون في الكونغرس. وقال "أن يكون بلد قد تدخل في انتخاباتنا، فهذا يجب أن يزعزع الحزبين السياسيين" الجمهوري والديموقراطي.

وبعد اكثر من شهر على الاقتراع الذي حمل ترامب الى الرئاسة، ما زالت طبيعة التدخل الروسي في الحملة تثير تساؤلات. ولتوضيح الوضع قبل تسليم البيت الابيض الى ترامب في 20 كانون الثاني/يناير، طلب اوباما "دراسة كاملة حول ما جرى خلال العملية الانتخابية ل2016"، على ما اوضحت مستشارة الرئيس للامن الداخلي ليزا موناكو.

وبعد ساعات كشفت "واشنطن بوست" ان تقييما سريا لوكالة الاستخبارات المركزية توصل الى ان اشخاصا مرتبطين بموسكو قدموا الى موقع "ويكيليكس" رسائل الكترونية تمت قرصنتها من حسابات عدة يعود احدها الى جون بوديستا المدير السابق لحملة المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، وآخر الى الحزب الديموقراطي. ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير تم اطلاعه على تقرير قدمته الاستخبارات لاعضاء في مجلس الشيوخ ان "اجهزة الاستخبارات ترى ان هدف روسيا كان ترجيح كفة مرشح على آخر ومساعدة ترامب على الفوز". وذكر مسؤولو السي آي ايه لاعضاء مجلس الشيوخ ان "من الواضح جدا" ان هدف موسكو كان مساعدة ترامب على الفوز، كما قال مسؤولون للصحيفة.

الا ان الصحيفة اوضحت ان تقييم وكالة الاستخبارات المركزية بعيد عن ان يكون تقريرا يعكس موقف وكالات الاستخبارات الاميركية ال17. وبحسب الصحيفة فإن القراصنة الروس هاجموا ايضا نظام المعلوماتية للحزب الجمهوري، لكنهم لم ينشروا شيئا مما عثروا عليه في الموقع. وقال مسؤول كبير للصحيفة "نحن متيقنون تماما انهم قرصنوا موقعي الحزبين الديموقراطي والجمهوري ولم ينشروا قصدا وثائق" الحزب الجمهوري.

لكن الصحيفة تساءلت عن تاريخ تقديم روسيا دعما لترامب وكتبت "ليس من المؤكد (..) ان نيتهم الاولى كانت دعم ترامب ويعتقد الكثير من مسؤولي الاستخابرات ومسؤولون سابقون في حملة هيلاي كلينتون ان الهدف الاول لروسيا كان ببساطة اضفاء الاضطراب على الحملة وضرب الثقة بشرعية الاقتراع". ونقلت الصحيفة عن مسؤول آخر ان الاستخبارات الاميركية لا تملك اي ادلة تثبت ان مسؤولين في الكرملين "امروا" بتسليم الرسائل الالكترونية التي اخترقت الى ويكيليكس.

وينفي مؤسس موقع ويكيليكس جوليان اسانج ان يكون خضع لاي تلاعب من قبل روسيا خلال الحملة الانتخابية الاميركية. ويفيد تقييم "السي آي ايه" ان موسكو لجأت الى "وسطاء" لتجنب تورطها بشكل مباشر في هذه الممارسات. وفي واشنطن، وعد البيت الابيض بتقاسم مضمون التقرير الذي طلبه اوباما مع اعضاء الكونغرس، لكنه اوضح ان "الامر لا يتعلق بمحاولة تهدف الى التشكيك في نتائج الانتخابات". بحسب فرانس برس.

وكانت وزارة الامن الداخلي ومديرية الاستخبارات اعلنتا مطلع تشرين الاول/اكتوبر ان روسيا تمكنت من اختراق حسابات شخصيات ومنظمات سياسية "بهدف التدخل في العملية الانتخابية الاميركية". وردا على سؤال عما اذا كان يعتبر دوافع النتائج التي توصلت اليها وكالات الاستخبارات سياسية، قال ترامب لمجلة "تايم" انه "يعتقد ذلك". وتابع "أصبح الامر مثيرا للضحك. في كل مرة افعل شيئا ما يقولون +روسيا تدخلت في ذلك+".

تهديد روسي

في السياق ذاته قالت روسيا إنها ستفرض قيودا على حركة الدبلوماسيين الأمريكيين المتمركزين في موسكو إذا دخل مشروع قانون أمريكي لفعل الشيء ذاته مع دبلوماسيين روس في الولايات المتحدة حيز التنفيذ. ومشروع قانون المخابرات هو إجراء سنوي يمنح تفويضا واسع النطاق من الكونجرس لعدد متنوع من أنشطة وكالات المخابرات الأمريكية. ونال مشروع القانون الموافقة بالفعل من لجنتي المخابرات ومجلس النواب لكنه لم يحصل بعد على موافقة مجلس الشيوخ.

واتهم مسؤولون أمريكيون روسيا بالقرصنة الالكترونية على مؤسسات سياسية أمريكية- وتحديدا الحزب الديمقراطي- خلال السباق الانتخابي هذا العام ويقول مسؤولو مخابرات غربيون إن هناك زيادة في المساعي الروسية السرية للتأثير على الرأي العام الأجنبي في السنوات الأخيرة. وينفي الكرملين أي ضلوع له في فضيحة التسلل الأمريكية.

وسيشكل مشروع القانون الأمريكي الجديد لجنة خاصة لمكافحة المساعي الروسية السرية للتلاعب بالرأي العام الأجنبي وتشديد القواعد بالنسبة للدبلوماسيين الروس في الولايات المتحدة الذين يريدون السفر لمسافة أكثر من حوالي 40 كيلومترا من أماكن عملهم الرسمية. وسيكون على الدبلوماسيين أن يقدموا إخطارا مسبقا بمثل هذه الرحلات ولن يحصلوا على تصريح إلا إذا أبلغ مكتب التحقيقات الاتحادي الكونجرس كتابة أن الدبلوماسيين التزموا بقواعد السفر في الربع السابق من العام. بحسب رويترز.

وقالت ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية للصحفيين في موسكو إن القواعد المقترحة ستؤدي لرد روسي سريع إذا طبقت. وأضافت أن السلطات الأمريكية "ينبغي أن تضع في حسبانها أن الدبلوماسية تستند إلى مبدأ المعاملة بالمثل. بعبارة أبسط .. الدبلوماسيون الأمريكيون في روسيا سيعاملون بالمثل."

وقال السناتور بن كاردين إنه يعمل على ما وصفه بتشريع "شامل" للرد على الأفعال الروسية المناهضة للمصالح الأمريكية في أوروبا وسوريا وكذلك على الهجمات الالكترونية التي ألقي باللوم فيها على موسكو خلال الحملة الانتخابية. وأضاف كاردين أكبر عضو ديمقراطي في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ "روسيا تمثل تحديا جديا للغاية لأمريكا. فهم ليسوا شركاءنا. إنهم متنمرون. "سواء هاجمتمونا بميج (طائرة مقاتلة) أو بفأرة (الكمبيوتر) فإنه هجوم يتطلب ردا. من الواضح أنهم مسؤولون عن الهجوم الإلكتروني على بلادنا في الانتخابات الماضية."

ودعا مشرعون آخرون إلى اتخاذ إجراءات ضد روسيا. وأبلغ السناتور الجمهوري لينزي جراهام- أنه يريد عقد جلسات لمجلس الشيوخ بشأن ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تدخل في الانتخابات. وقال "لا يمكن أن نجلس على الهامش." كما أثار ترامب قلق حلفاء الولايات المتحدة بتعليقات تشكك في تعهد حلف شمال الأطلسي بالدفاع المشترك وتلميحه إلى أنه قد يعترف بضم روسيا لمنطقة القرم الأوكرانية في 2014. وأضاف كاردين أنه يريد أن يتخذ أوباما إجراء قبل أن يترك منصبه في 20 يناير كانون الثاني. وأقر الكونجرس بالفعل تشريعا يخول الرئيس سلطة اتخاذ إجراءات منها فرض عقوبات إضافية أو إرسال مزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0