ما تزال فرنسا منذ الاعتداءات الأخيرة على صحيفة "شارلي ايبدو" والمتجر اليهودي في باريس، تعيش في حالة من القلق و الاستنفار المستمر خوفا من تنفيذ عمليات إرهابية جديدة في هذا البلد، الذي دخل وبحسب بعض المراقبين في حرب فعلية مع التنظيمات الإرهابية المتشددة التي استطاعت ان تصل الى قلب فرنسا، حيث عمدت السلطات الحكومية الى تكثيف وتعزيز جهودها الأمنية والاستخبارية، هذا بالإضافة الى اعتماد خطط وبرامج عمل جديدة في سبيل طمأنة المجتمع الفرنسي، خطط وبرامج قد تسهم بتوسيع دائرة العنف بين فئات المجتمع المختلفة بحسب بعض الآراء، خصوصا وان بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة قد سعت الى الاستفادة من هذه الأحداث بشكل كبير، حيث عمدت الى تعميق الخلافات والتحريض على العنصرية والكراهية ضد الأجانب و الجاليات المسلمة بشكل رئيسي.

حيث أشارت الكثير من الإحصائيات الى تزايد حالات الاعتداءات والتهديدات المختلفة التي تطال المسلمين وغيرهم في فرنسا، وقد أحصى المرصد الوطني لمعاداة الإسلام وكما ذكرت بعض المصادر الإعلامية اكثر من 116 عملًا وتهديدًا وشعارًا ضد الإسلام منذ الاعتداءات أي بزيادة نسبتها 110% من مجمل شهر يناير 2014. وهذه الأرقام التي نشرت وضعت استنادًا إلى شكاوى أحصتها وزارة الداخلية. وهي موزعة على 28 عملًا استهدفت دور عبادة و88 تهديدًا وفقًا لهذه الهيئة التابعة للمجلس الفرنسي للدين الإسلامي.

وهذه التصرفات اليمينية المتطرفة والفشل الحكومي المبني على إتباع سياسة التهميش والتميز والإقصاء، أمور قد تسهم في تفاقم حالة العنف داخل المجتمع، خصوصا وان العديد من الشباب الفرنسي يعيش اليوم في حالة من الفراغ وعدم الاهتمام، وهو ما قد يسهل عملية تجنيدهم من قبل بعض الجهات الإسلامية المتشددة، التي ستسعى الى تكثيف جهودها الإعلامية والعسكرية في سبيل زعزعة الأمن في فرنسا وغيرها من الدول الأوربية.

إجراءات مكافحة الإرهاب

وفي هذا الشأن فقد أعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس عن جملة إجراءات أمنية وقانونية لمكافحة الإرهاب في البلاد، من بينها مراقبة 3 آلاف شخص، معلنا عن إنشاء 2680 وظيفة خلال ثلاثة أعوام. وقال إن فرنسا ستنفق 425 مليون يورو (463 مليون دولار) على الإجراءات الأمنية لمنع وقوع هجمات على أرضها، وإن أجهزة مكافحة الإرهاب الفرنسية يجب أن تراقب حاليا نحو 3 آلاف شخص، بعد مقتل 17 شخصا في هجمات شنها متشددون إسلاميون بباريس. وأعلن فالس أنه سيتم إنشاء 2680 وظيفة خلال ثلاثة أعوام لمكافحة الإرهاب بشكل أفضل. وأكد فالس من قصر الإليزيه وهو يشرح تفاصيل الإجراءات لتعزيز الأمن في فرنسا "أن الخطر لا يزال عاليا جدا."

من جانبه وصف نيكولا ساركوزي، زعيم حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" المعارض ورئيس فرنسا السابق، الإجراءات الأمنية التي كشف عنها رئيس الحكومة مانويل فالس لمحاربة الإرهاب والتطرف الديني بأنها "غير كافية" و"تتطلب وقتا طويلا لكي تظهر نتائجها على أرض الواقع". وقال نيكولا ساركوزي في مقابلة أجراها مع القناة الفرنسية الثانية: "ليس لدينا الوقت الكافي لتوظيف وتكوين موظفين جدد في الاستخبارات وتعزيز قوات الأمن وتلك التي تحارب الإرهاب، لذا ينبغي العودة بسرعة إلى سياسة الساعات الإضافية التي كنا نعتمدها في الشرطة والمخابرات، وهذا سيمثل حوالي 4000 فرصة عمل جديدة. وأضاف: "إن التعزيزات الأمنية التي تحدثت عنها الحكومة لن تكون جاهزة إلا بعد سنتين على الأقل وخمس سنوات على الأكثر".

هذا، وانتقد نيكولا ساركوزي كلمة "التمييز العنصري" التي استخدمها مانويل فالس للتعبير عن الوضع الاجتماعي المتدهور في الأحياء الشعبية الفقيرة والضواحي التي غالبا ما يسكنها المهاجرون وأولادهم قائلا: "لقد شعرت بالذهول عندما سمعت هذه الكلمة. إجراء مقارنة بين سياسة التمييز العنصري التي أسست الفوارق الاجتماعية بين السود والبيض في جنوب أفريقيا خلال سنوات والجمهورية الفرنسية شيء غير مقبول وخطأ ارتكبه رئيس الحكومة". وتساءل: "هل يعقل أن نستخدم هذه العبارة في بلد يحترم حقوق الإنسان والأقليات ويفرض التعليم الإجباري ويقدم العلاج بشكل مجاني لكل الناس". بحسب فرانس برس.

وبخصوص الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا، أكد نيكولا ساركوزي أن "بعض الجهاديين والإرهابيين قرروا إعلان الحرب على قيمنا الديمقراطية وعلى ثقافتنا وحضارتنا وعلى طريقة عيشنا وتفكيرنا، داعيا إلى الرد على كل المحاولات الهادفة إلى المساس بأمن فرنسا وبقيمها بشكل قوي ومنتظم. وفي سؤال عن الوحدة الوطنية التي ظهرت بين جميع الفرنسيين والأحزاب السياسية غداة الهجمات التي تعرضت لها فرنسا، أجاب ساركوزي أن التلاحم كان الإجابة القوية والوحيدة لمواجهة الاعتداءات، موضحا في الوقت نفسه أن "الوحدة الوطنية لا تعني عدم تقديم اقتراحات". ولم يرد الرئيس السابق عن سؤال لماذا حاول أن يظهر في الصف الأول خلال مسيرة 11 يناير/كانون الثاني الشهيرة والتي شارك فيها رؤساء دول وحكومات عديدة برفقة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند.

الخدمة العسكرية الإجبارية

من جهة أخرى فهل على فرنسا فرض الخدمة العسكرية الإجبارية مجددا على النساء والرجال لمواجهة شبح الإرهاب الذي ضربها مؤخرا؟ وهل يمكن لهذه الخدمة أن تعيد رابط الانتماء إلى "وطن" أو "أمة" لدى الفرنسيين الأمر الذي أفسدته سياسات يمينية ويسارية تعاقبت على سدة الحكم منذ سنوات؟ على الأقل هذا ما يقترحه البعض على فرانسوا هولاند لمواجهة الوضع العصيب الذي تمر به البلاد حاليا.

أصوات عديدة في الساحة السياسية الفرنسية من المعسكرين اليميني واليساري تصاعدت خلال الأيام الأخيرة لمطالبة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بإعادة فرض الخدمة العسكرية الإجبارية على الجميع (النساء والرجال) كما كان عليه الحال قبل 1997، لمواجهة شبحي الجهاد والإرهاب اللذين يهددان أمن فرنسا واستقرارها في الفترات الأخيرة. فبقرار من الرئيس اليميني السابق جاك شيراك، ألغت فرنسا في 1997 الخدمة العسكرية الإجبارية التي كان معمولا بها منذ 1798 بموجب قانون "جوردان" (5 سبتمبر 1798) إبان الثورة الفرنسية، حيث نصت مادته الأولى "كل فرنسي هو جندي، ويجب عليه الدفاع عن وطنه".

ووضع الماريشال جان باتيست جوردان (1762-1833) مفهوم "الجندي المواطن"، حيث تعود الدولة إلى "أبنائها" لتزويد الجيش بالطاقات البشرية لحمايتها والدفاع عنها في وجه أي عدو خارجي، وكانت إجبارية على الرجال من سن 20 إلى 25 عاما، مدتها خمس سنوات كاملة. وأراد شيراك بتخليه عن مفهوم الخدمة العسكرية الإجبارية أواخر التسعينات، تحويل الجيش الفرنسي إلى جيش احترافي، مهني وقوي يعتمد في طاقاته على مبدأ "التطوع" بدل "الإجبارية"، مع فتح باب الحوار الوطني حول القضية، واستبدالها ب"يوم تحضيري للدفاع" ، و"يوم الدفاع والمواطنة".

وبين قانون جوردان وقرار شيراك، عرفت الخدمة العسكرية طيلة قرنين من الزمن بفرنسا، مراحل وتطورات كثيرة، حيث تغيرت تسميتها عام 1971 بعد حرب الجزائر (1954-1962) إلى الخدمة الوطنية (بدل العسكرية) وصارت تدوم في صيغتها الأخيرة عشرة أشهر فقط. وزير العمل السابق في عهد نيكولا ساركوزي كزافييه برتران، الذي يحضر حاليا لمشروع قانون سيقترحه على السلطات المسؤولة لإعادة إدماج الخدمة الوطنية في المجتمع الفرنسي، اعتبر في حوار ليومية "لوبارزيان" الفرنسية أن الأمر "مستعجل".

واقترح النائب اليميني عن الاتحاد من أجل حركة شعبية أن تدوم الخدمة الوطنية ثلاثة أشهر فقط، وأن تكون إجبارية على النساء والرجال، لتعيد إحياء ذلك الشعور بالانتماء للأمة، وتساهم بشكل كبير في إلغاء الانتماءات السياسية، الدينية أو الاجتماعية لديهم أو حتى التي "توارثوها" عن ذويهم، مع ترسيخ فكرة أن "كل شخص يجب عليه أن يمنح شيئا لوطنه"، وستذكرهم كذلك بأن هنالك قواعد، وهم مجبرون على احترامها والعمل بها. بحسب فرانس برس.

وستكلف الخدمة الوطنية الجديدة التي يعتبرها كزافييه برتران "حلقة" ضرورية في سلسلة البناء الجمهوري، 1.5 مليار يورو، عوض الـ3.5 مليار التي كانت تكلف الدولة من قبل، ويمكن أن يتكفل بها عسكريون أو جنود سابقون. وزير المالية اليميني السابق فرانسوا باروان، المحسوب على اليمين الوسط، وأحد المقربين من جاك شيراك، هو الوجه الآخر المدافع عن فكرة عودة الخدمة العسكرية الإجبارية في فرنسا، خاصة غداة الهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا مطلع العام الجاري وقتل فيها 17 شخصا. حيث طالب في حوار مع جريدة فرنسية جهوية غداة هجوم أسبوعية "شارلي إيبدو" بضرورة فرض خدمة وطنية تتلائم مع النساء والرجال وتدوم عدة أشهر".

هولاند والأحداث الأخيرة

في السياق ذاته تتطرق الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند خلال مؤتمر صحفي لعدة مواضيع أساسية تتعلق بسياسة فرنسا الخارجية والداخلية على حد سواء، كالأزمة الأوكرانية والتهديدات الأمنية ومكافحة الإرهاب وتنمية الضواحي. وقال الرئيس الفرنسي فرانسوا إن التهديدات الأمنية لفرنسا ما زالت قائمة، وأن بلاده سترد بقوة وعزم على أي اعتداء. وأضاف أن فرنسا ستكثف من عملياتها العسكرية ضد الدولة الاسلامية في العراق لكنها لن تتدخل في سوريا.

أوروبيا، كشف هولاند عن مبادرة ثنائية فرنسية - ألمانية لإنهاء الأزمة الأوكرانية، وأعلن عن سفره برفقة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى أوكرانيا ثم إلى روسيا لاقتراح خطة جديدة تهدف إلى إنهاء الأزمة السياسية والعسكرية التي عكرت الأجواء بين البلدين منذ سنة تقريبا. ويعول هولاند كثيرا على هذه المبادرة الثنائية الفرنسية - الألمانية الجديدة لإقناع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتن، والأوكراني، بترو بوروشنكو، بضرورة إيجاد حل نهائي "لأزمة تدور وقائعها على مسافة ساعات فقط من باريس".

وقال هولاند: "نريد أن نتوصل مع الطرفين (كييف وموسكو) إلى خطة ننهي بموجبها الأزمة. فإذا نجحنا فهذا سيؤدي إلى تخفيف أو إنهاء العنف، أما في حال فشلنا، فعلى الأقل نكون قد قمنا بكل ما في وسعنا من أجل تغيير الوضع". ورفض هولاند فكرة تقديم فرنسا أسلحة لأوكرانيا كما تسعى الولايات المتحدة.

التهديدات الأمنية لم تنته وسنرد بحزم وقسوة على أي هجوم ويعتبر هذا القرار من بين القرارات المهمة التي كشف عنها الرئيس الفرنسي وشكل هذا اللقاء فرصة لكي يتطرق الرئيس مرة أخرى إلى الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في بداية شهر كانون الثاني/ يناير، حيث أوضح أن التهديدات الإرهابية لم تنتهي بعد، بل ما زالت قائمة بقوة، والدليل على ذلك الهجوم الذي تعرض إليه ثلاثة جنود فرنسيين في مدينة نيس الجنوبية، مؤكدا أن قوات الأمن ستتصدى لأي اعتداء "بعناد وقسوة" لكنها ستضمن في نفس الوقت " الحريات العامة والفردية"٠.

وأعلن هولاند أن ١٠ آلاف عسكري يقومون بحراسة الأماكن الحساسة في فرنسا وسيواصلون القيام بذلك طالما التهديدات موجودة. وواصل "رغم التهديدات الأمنية التي تواجهها فرنسا، إلا أنها ستكثف من عملياتها العسكرية ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق". إلى ذلك، جدد الرئيس الفرنسي رفضه إرسال قوات عسكرية إلى سوريا، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن فرنسا ستواصل دعمها العسكري واللوجستي لقوات المعارضة الديمقراطية.

وفي ما يخص محاربة الاٍرهاب في أفريقيا، لا سيما في منطقة الساحل ونيجيريا حيث تنشط جماعة "بوكو حرام" أكد هولاند أَن فرنسا تقدم مساعدات تقنية وعسكرية لبعض الدول التي قررت إرسال قواتها إلي نيجيريا للقضاء على بوكو حرام، وهي الكاميرون وتشاد ونيجيريا نفسها. وأضاف الرئيس الفرنسي أنه "لا يمكن لفرنسا أن تتدخل في كل المناطق"، داعيا الاتحاد الأفريقي إلى تشكيل قوة عسكرية مشتركة بسرعة، ودعى بعض الدول الكبرى الأخرى، مثل روسيا والولايات المتحدة، إلى الانخراط في عمليات عسكرية تهدف إلى القضاء على جماعة بوكو حرام خصوصا وعلى الاٍرهاب في منطقة الساحل وليبيا عموما. "فرنسا لا تستطيع حل كل مشاكل العالم. يحب أيضا على دول أخرى أن تقوم بواجبها في ما يتعلق بمحاربة الإرهاب".

على الصعيد الفرنسي، أكد الرئيس الفرنسي أنه سيركز جهوده خلال السنتين المتبقيتين من عهدته الرئاسية على "التربية" من خلال إعطاء إمكانيات أكثر للمدارس والمؤسسات التربوية والمعلمين، إضافة إلى ادراج مفهوم العلمانية وشرحه للتلاميذ من السنة الأولى ابتدائي لغاية الباكالوريا. وأشار هولاند أن فرض مبدأ العلمانية في المدارس ومؤسسات الدولة لا يعني إنكار الديانات، بل على المدارس أن تشرح مضمون الديانات للتلاميذ لكي يتسنى فهمها، خاصة الديانة الإسلامية.

كما وعد أيضا بوضع خطط تنموية من أحل إخراج الضواحي الفرنسية من سباتها العميق، ومن المشاكل العديدة التي يعاني منها سكان هذه الضواحي مثل البطالة والتمييز العنصري والاحتقار. وقال هولاند "من واجبات الجمهورية الفرنسية أن تقدم يد العون لسكان هذه المناطق (الضواحي) المعزولة والفقيرة. الجمهورية الفرنسية تعترف بكل أولادها وستساعدهم مهما كانت معتقداتهم السياسية والدينية، لأن الهدف الأسمى هو أن يجد كل شاب أو شابة مكانته في الجمهورية ويكون له مستقبل زاهر".

وكشف هولاند عن سلسلة من الإجراءات للتوصل إلى ذلك مثل بناء وحدات سكنية في أحياء غنية من أجل خلط العائلات الفقيرة مع الغنية، ومساعدة الجمعيات التي تنشط في الأحياء الشعبية ووضع خطة اقتصادية ووظيفية شاملة من أجل إخراج الضواحي والمناطق المعزولة من المشاكل التي تعاني منها منذ سنوات، والتي خلقت نوع من الاختلال داخل المجتمع الفرنسي. بحسب فرانس برس.

كما تطرق هولاند إلى الملف اليوناني قائلا بأنه يسعى مع رئيس الحكومة الجديدة، ألكسيس تسيبراس، إلى إيجاد حل معتدل يحترم كلمة الشعب اليوناني الذي صوت بغالبيته ضد سياسة التقشف، والقرارات الأوروبية المتعلقة مثلا بدفع الديون وبتقليص العجز المالي. وأنهى هولاند المؤتمر الصحفي بالقول أنه تغير كثيرا بعد الهجمات الإرهابية التي استهدفت فرنسا، مضيفا أنه يريد استغلال ما وقع من أحداث صعبة من أجل مصلحة فرنسا ووحدتها ومستقبلها الاقتصادي والاجتماعي.

تساؤلات ومخاوف

على صعيد متصل تحول وسط ساحة الجمهورية في باريس، ملتقى التظاهرات بعد اعتداءات كانون الثاني/يناير، ما يشبه النصب التذكاري الذي تتناثر حوله الزهور والشموع وشعار "انا شارلي". وقالت سوزان التي لم تكشف اسم عائلتها ان تلك الاعتداءات "تحمل على اعادة طرح التساؤلات والتعبير عن مخاوف. فالمشاكل التي كنا نتهرب منها، تفرض نفسها علينا بقوة" اليوم.

وجاءت برقفة ابنتها التلميذة الى هذا المكان الرمز: من هنا انطلقت في 11 كانون الثاني/يناير مسيرة شارك فيها اكثر من 1،5مليون شخص.

ولم تشهد العاصمة الفرنسية مثيلا لها منذ تحرير باريس. فبعد شهر على الاعتداءات التي اسفرت عن 17 قتيلا ، تغيرت ملامح وجه فرنسا. ففي باريس والمناطق، يقوم آلاف من عناصر الشرطة والدرك او الجنود بدوريات في محطات القطار، ويراقبون المدارس او المتاجر اليهودية، ويتمركزون امام مقرات وسائل الاعلام. وهذا الانتشار الامني هو النتيجة الملموسة للاعتداءات التي ادت الى مقتل عدد كبير من اعضاء هيئة التحرير في صحيفة شارلي ايبدو الساخرة، وثلاثة من عناصر الشرطة واربعة من الزبائن اليهود في متجر للمأكولات اليهودية.

وقلب هذا الانفلات للعنف رأسا على عقب حياة فرنسا التي باتت التساؤلات والمخاوف شغلها الشاغل. وتسعى فرنسا الى فهم لماذا وكيف وصل الى هذه الحدود القصوى من التطرف، المنفذون الثلاثة للاعتداءات، وهم شبان مسلمون ولدوا ونشأوا في فرنسا. وانصرف الفرنسيون الى التدقيق في مسيرة حياتهم: طفولة احمدي كوليبالي في ضاحية صعبة، وتطرفه في السجن، والنبذ العائلي للاخوين كواشي والتدرب على الجهاد في اليمن. والذهول شديد الوقع من جراء "المعاداة الجديدة للسامية" لدى جزء كبير من المسلمين الذين يدفع مزيدا من الفرنسيين على الهجرة الى اسرائيل.

او البؤس الاجتماعي للاحياء الشبيهة بأحياء "التمييز العنصري"، كما قال رئيس الوزراء مانويل فالس، حيث تناهز نسبة البطالة 40% لدى الشبان الذين تقل اعمارهم عمن 25 عاما. وقال الطالب ماكسانس هامار (23 عاما) "لم اكن من قبل اطرح على نفسي تساؤلات. اما الان فدائما ما أغير رأيي. اشعر بالضياع الى حد ما". وقام مع والديه بالالتفاف على الشارع الذي تتخذ منه شارلي ايبدو مقرا لمكاتبها. ويتولى عناصر من الدرك حماية طرفي الشارع على مدار الساعة.

وحرصت ناتالي ميهيسم التي وصلت الى باريس للاحتفال بعيد ميلادها الخميس، على الاشادة برسامي الكاريكاتور الذين قتلوا في الاعتداءات. وبتأثر قالت ناتالي مديرة حضانة للاطفال "حتى نتعلم العيش سوية، يجب ان تبدأ هذه المسيرة منذ الطفولة". واوضح عالم الاجتماع ميشال فيفوركا ان "قضية مثل هذه تضغط على جميع المشاكل الراهنة". وتفتح باب النقاش على مصراعيه.

ومن المتوقع ان يعلن الرئيس فرنسوا هولاند خطوات، فاذا كان الفرنسيون قد اجمعوا على ضرورة تشديد التدابير الامنية وتطوير مواد التربية المدنية في المدارس، والتي اعلن عنها حتى الان، فان النقاش حول حرية التعبير لا يزال محتدما. كيف ينبغي التصرف مع بعض التلامذة الذين يرفضون الوقوف دقيقة صمت تكريما للضحايا؟ وكذلك الاستفزازات التي تمجد القتلة على الانترنت؟ و"تمجيد الارهاب"؟ واستدعاء طفل في الثامنة من عمره الى مفوضية الشرطة مع والده.

وقال ماكسانس هامار "لقد اضعنا قدرا كبيرا من الحرية". واعربت غالبية الفرنسيين في الوقت ذاته، عن استعدادها للقبول بتقليص الحماية في حالة التنصت على المكالمات الهاتفية او عمليات التفتيش ... ومن اجل تعزيز "التزام المواطن" في فرنسا، اعلن هولاند تمديد الخدمة المدنية وتدابير لمكافحة الهرب من المدرسة او العزلة في المدن. لكن ميشال فيفوركا يقول ان المناقشات على كل المستويات والتدابير المتفرقة "لا تكفي"، مشددا على ضرورة أن لا يقتصر النقاش على المشاكل التي يواجهها المجتمع. وقال "لم يطرح سياسيونا حتى الان رؤية على المدى البعيد من اجل بلدنا".

ولم يناقش الجانب الجيوبوليتكي للاعتداءات، مع العلم ان تنظيم الدولة الاسلامية دعا مجددا انصاره الى شن هجمات جديدة في فرنسا. وفي الوقت نفسه، اسفر اعتداء بالسكين على جنود امام مركز للطائفة اليهودية، عن جريحين في نيس (جنوب شرق). ويرى كثيرون ان من الضروري مساءلة النموذج الجمهوري الفرنسي. واعتبر المؤرخ باتريك فيل ان المبدأ الاساسي، اي العلمانية "يحتاج الى تجديد لأن لدينا تنوعا دينيا لم يكن موجودا" من قبل. وقال "نحن لا نفترض حقيقة ان يكون الاسلام جزءا من فرنسا". بحسب فرانس برس.

وهذا ما يؤكده استياء نحو اربعة ملايين فرنسي مسلم اضطروا الى التبرؤ من الاعتداءات. وقال فاتح كيموش، منشىء مدونة الكنز التي يتابعها الشبان المسلمون، "نحن بين نارين، فمن جهة نحن متهمون ظلما لان الارهابيين ينتمون الى الديانة نفسها التي ننتمي اليها، ومن جهة ثانية نحن ضحايا". ومحاولات الخلط قوية في فرنسا. فاذا كانت شعبية السلطة التنفيذية قد ارتفعت بعد الاعتداءات، ما زال حزب اليمين المتطرف، الجبهة الوطنية التي تعتبر ان التصدي للإسلام المتطرف غير كاف، يتصدر استطلاعات الرأي تمهيدا للانتخابات الرئاسية في 2017.

دعوات لهجمات جديدة

من جانب اخر اشادت حركة الشباب المجاهدين في الصومال من جديد ب"الابطال" الذين هاجموا اسبوعية شارلي ايبدو الفرنسية الساخرة في باريس ودعت المسلمين الى الاقتداء بهم و"الانتقام" من الذين يسخرون من "الله وانبيائه". واكدت الحركة انها "تهنىء وتبارك العملية التاريخية التي استهدفت وكر الشر ومركز الكفر مكتب شارلي ايبدو المجلة التي اهانت النبي محمد".

وقالت "نشجع المسلمين جميعا، ولا سيما المقيمين في اوروبا، على اتباع خطى اشقائهم سعيد الكواشي وشريف الكواشي واحمدي كوليبالي" مضيفة "ندعوهم الى الانتقام من كل من ينتهك حرمة الله ويسب رسله". واكدت انه "اذا تابعت فرنسا السير في هذا الطريق فانها لن تعرف ابدا الامان وستكون شوارع باريس وتولوز ساحة لعمليات المجاهدين وهدفا لغزواتهم".

ورغم سلسلة الهزائم التي منوا بها منذ اب/اغسطس 2011 وطردهم من مقديشو ومن معظم معاقلهم في جنوب ووسط الصومال لا يزال الشباب الصوماليون يسيطرون على مناطق ريفية واسعة. وفي السنوات الاخيرة حولوا دفة هجماتهم الى اوغندا وكينيا وجيبوتي، الدول التي تقدم اكبر عدد من الجنود في القوة الافريقية في الصومال. بحسب فرانس برس.

وتبنت الحركة خصوصا الهجوم الدامي على مركز وستغيت التجاري في نيروبي في ايلول/سبتمبر 2013 (67 قتيلا على الاقل) وهجوما انتحاريا في ايار/مايو الماضي على مطعم في جيبوتي التي يوجد فيها لفرنسا والولايات المتحدة قواعد عسكرية مؤكدة انها استهدفت "الصليبيين الفرنسيين".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0