المتغيرات السياسية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، يمكن ان تلقي بظلالها على دول الاتحاد الأوروبي الذي يعاني اليوم من مشكلات وأزمات كبيرة، كانت سببا في خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد والذي تسبب بحدوث حالة واسعة من الإرباك واسهم بتفاقم تحديات القارة العجوز، يضاف الى ذلك صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي استفادت كثيرا من أزمة اللاجئين وما تبعها من تطورات، وهو ما اثار قلق ومخاوف العديد من دول الاتحاد خصوصا وانها تخشى اليوم من حدوث تحول كبيرا في السياسات الأوروبية، التي قد تتأثر بسبب المتغيرات والتحالفات العالمية الجديدة، وهو ما قد يجبر دول الاتحاد على فتح صفحة جديدة وبناء شراكات وتحالفات دولية جديدة.

وفي هذا الشأن فقد دعا وزير خارجية فرنسا جان مارك ايرولت دول الاتحاد الاوروبي الى ان "تؤثر مجتمعة" في "الوضع العالمي الجديد"، على وقع تصاعد النزعة الشعبوية والتهديد الارهابي وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي والشكوك حيال المواقف الاميركية. وقال الوزير "ان العالم باسره قد تغير" منذ ولادة المشروع الاوروبي الذي يحتفظ بالاهداف والقيم ذاتها. واضاف "يجب ان نكون معا لنؤثر على هذا الوضع العالمي الجديد".

من جهته اعتبر وزير الخارجية الهولندي بيرت كوندرز اننا ازاء "مرحلة استراتيجية" نتجت من "نوع جديد من عدم الاستقرار" وان "الراحة السياسية انتهت بالنسبة لاوروبا". وبعدما دعا الى اوروبا "اكثر ديموقراطية ووضوحا ونجاعة" اعرب ايرولت عن الامل في ان تكون الذكرى الستون لمعاهدة روما مرحلة وليست مجرد احياء لذكرى. وقال "رغم بريكست ورغم عدم وضوح السياسات الاميركية. ولان العالم يتطور وتنشأ قوى جديدة، علينا ان نقول للمواطنين اننا فهمنا الرسالة واننا سنكون محددين اكثر (في عملنا) واننا لم نفقد المثل الاوروبية، لكننا نريد منحها آفاقا جديدة".

ولفت الى انه يرغب في "العمل على كيفية عمل الاتحاد الاوروبي ذاته"، مشيرا خصوصا الى امن الحدود الخارجية والاغراق الاجتماعي. من جانبه قال الوزير الهولندي ان الاتحاد الاوروبي "يجب ان يتحول من آلية تنظيم الى آلية نتائج" مضيفا "نحن بحاجة الى مفوضية حكيمة لمواجهة الظروف السائدة في الدول الاعضاء، وتتفاوض مع البرلمانات الوطنية وتنصت اليها".

وتابع الوزير الهولندي الذي وصف خروج بريطانيا من الاتحاد بانه "فشل"، ان اوروبا "تفرط في التركيز على الشكل المناسب" لكافة الدول الاعضاء وعليها بالتالي ان تتحلى بمزيد من المرونة حين تكون مثل هذه الوحدة مستحيلة. واوضح "علينا ان نقبل التعاون داخل كوكبة الطليعة، هذه الكوكبة التي لا تشارك بعض الدول الاعضاء فيها" رافضا مع ذلك مبدا "اوروبا على القياس". وقال "اوروبا ليست مكانا يتناول فيه كل شخص ما يحلو له. لا بد من احترام التعهدات". ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا والتشريعية في هولندا، دعا الوزير الفرنسي الى التصدي لتنامي النزعات الشعبوية و"عدم ترك مساحات لمن يستغلون مخاوف" المواطنين. واضاف "لقد خبرنا الآلام بما فيه الكفاية حتى لا نمنح فرصة لعودة (السياسات) القومية (..) كان الرئيس (فرنسوا) ميتران يقول ان القومية تعني الحرب. فلنعمل على عدم انبعاث القومية من جديد".

خطر الطغاة

الى جانب ذلك دعا النائب الاوروبي الليبرالي غي فيرهوفشتات الأوروبيين الى الدفاع عن انفسهم في مواجهة "حلقة الطغاة" الذين يهددون الاتحاد الاوروبي وقيمه، ذاكرا الرئيسين التركي رجب طيب اردوغان والروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب. وقال رئيس الوزراء البلجيكي السابق للصحافيين خلال جلسة موسعة للبرلمان الاوروبي في ستراسبورغ "يبدو لي بشكل متزايد أننا محاطون بالطغاة: بوتين وأردوغان، كما أن تعيينات ترامب الأولى تثير لدي قلقا كبيرا".

واضاف "بدل أن تكون اوروبا محاطة بحلقة اصدقاء، أرى بصورة متزايدة حلقة من الاشخاص الذين لا يتشابهون فحسب، بل لديهم ايضا وجهة نظر مشتركة" هي برأيه العزم على "تدمير نمط تفكيرنا وقيمنا والاتحاد الاوروبي الذي يجسد هذه القيم". وأخذ على بوتين انه "يمول بشكل مكشوف شعبويين ومتطرفين معارضين لأوروبا، وأحزابا معادية لأوروبا في كل انحاء اوروبا" فيما اتهم اردوغان بالتصدي لأي حركة تركية معارضة تنشط في اوروبا.

اما بالنسبة للرئيس الاميركي المنتخب، فأشار الى أولى تعييناته المثيرة للجدل، مثل تعيين جيف سيشنز المتشدد وزيرا للعدل، ومايك بومبيو على رأس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ومايكل فلين مستشارا للأمن القومي، لافتا الى انهم "تصدروا الأخبار في السنوات الأخيرة لإدلائهم بتعليقات مسيئة" استهدفت أقليات عدة. بحسب فرانس برس.

وأشار خصوصا الى تعيين ستيف بانون، الرئيس السابق لموقع برايتبارت الإخباري اليميني المتطرف، كبيرا للمستشارين الاستراتيجيين في البيت الابيض، محذرا من أنه يسعى "للتأثير على الانتخابات في المانيا وفرنسا" بالسعي لإطلاق هذا الموقع في باريس وبرلين. وقال "علينا ان ندافع عن انفسنا، إنها لحظة محورية في تاريخ الاتحاد الاوروبي"، مضيفا "هذا هو الوقت المناسب لبناء اتحاد سياسي حقيقي، قوي وفعال".

تحذيرات ومخاوف

في السياق ذاته قال رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون ان الفوز المحتمل لمارين لوبن برئاسة فرنسا في انتخابات ايار/مايو 2017 من شأنه ان يوجه "ضربة قوية" للمشروع الاوروبي. واعتبر من جهة اخرى ان شعبية الاحزاب المتطرفة في غرب اوروبا على قاعدة "رفض النظام" القائم وتنامي "الشعبوية"، لا يعني نهاية العولمة بل يشكل تحذيرا بشان ضرورة "ادخال تعديل مهم في ادارة" التحديات الاقتصادية والثقافية.

وقال في مؤتمر نظمته صحيفة هندوستان تايمز "اذا اصبحت مارين لوبن رئيسة، فسيوجه ذلك ضربة قوية للمشروع الاوروبي"، مضيفا انه يامل ان يفوز احد الاحزاب التقليدية. وكان كاميرون استقال من منصبه اثر هزيمة معسكره في استفتاء حول بقاء المملكة المتحدة او خروجها من الاتحاد الاوروبي. واكد كاميرون "لازلت اعتقد انه كان من الافضل للمملكة المتحدة ان تبقى في الاتحاد الاوروبي".

واضاف "كنا نعتقد مع حلفائنا وشركائنا واصدقائنا انه من الافضل ان نبقى في الغرفة التي تتخذ فيها قرارات تهمنا". وفي فرنسا تتفق استطلاعات الراي على ان ممثلة اليمين المتطرف مارين لوبن ستصل الى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي ستنظم في ايار/مايو 2017.

الى جانب ذلك قال إيدي راما رئيس وزراء ألبانيا إن روسيا والمتشددين الإسلاميين قد يحاولون مد نفوذهم في دول البلقان إذا لم يضمها الاتحاد الأوروبي لعضويته. وقال راما لصحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج إن من مصلحة الاتحاد الأوروبي أن يحاول ضم دول البلقان إلى صفه. وتابع راما "إذا أردنا الأمان والاستقرار للاتحاد الأوروبي ولأوروبا لا يستحب أن تكون هناك ثغرات." وأضاف "إضافة إلى ذلك يجب ألا ننسى أن هناك كذلك أطراف ثالثة تلعب لعبتها ويمكنها الاستفادة إذا ترك الاتحاد الأوروبي فراغا هناك." ومضى يقول "أنا أتحدث عن روسيا وأتحدث كذلك عن التطرف الإسلامي."

وتقع دول البلقان بين اليونان والمجر العضوان بالاتحاد الأوروبي. وانضمت كرواتيا وسلوفينيا لحلف شمال الأطلسي وللاتحاد الأوروبي في حين مازالت صربيا والبوسنة وكوسوفو ومقدونيا والجبل الأسود وألبانيا تسعى للانضمام للاتحاد الأوروبي. ودول البلقان الست في مراحل مختلفة من محادثات الانضمام. وتأمل صربيا في استكمال محادثات الانضمام في 2019. غير أن ضم أعضاء جدد تراجع على قائمة أولويات الاتحاد الأوروبي. بحسب رويترز.

ويقول دبلوماسيون من المنطقة منذ فترة إن روسيا تحاول مد نفوذها في دول مثل الجبل الأسود وصربيا ومقدونيا والآن في ألبانيا كذلك. وقال راما إن بلاده ستستمر في التحرك باتجاه الانضمام للاتحاد الأوروبي لكنه تشكك في قدرة الاتحاد على قبول أعضاء جدد. وقال "لا يتعلق الأمر باستمرار قوة احتياجنا لذلك بل بكيف سيستمر الاتحاد الأوروبي في التطور. ومن ناحية أخرى نحن في وضع جيد نسبيا سياسيا لكن الاتحاد الأوروبي ليس كذلك في الوقت الراهن."

خارطة طريق مبتكرة

على صعيد متصل دعت ثلاثون شخصية تنتمي إلى الأوساط الثقافية والمجتمع المدني والسياسي، في مقالة نشرتها سبع صحف أوروبية، بينها صحيفة "جورنال دو ديمانش" الفرنسية، إلى "إعادة ابتكار أوروبا". وكتب موقعو المقالة "نحترم تصويت المواطنين البريطانيين، ونأسف له. لكن من المهم جدا ألا ندع خروج بريطانيا يحرف طاقتنا عن مسارها، بل على العكس، يمكن أن يكون التصويت وسيلة يتعين استخدامها لإنعاش هذه الطاقة. وعلى الأوروبيين أن يعيدوا ابتكار أنفسهم، ومواجهة التحديات الجماعية الكبيرة".

وتتضمن هذه المقالة التي أعدها غيوم كلوسا، مؤسس مركز "يوروبا نوفا" للدراسات، "خريطة طريق من أجل نهضة أوروبية جديدة". وتتمحور هذه الخريطة التي يمكن تطبيقها اعتبارا من الخريف المقبل، حول عدد من المبادرات الملموسة:

1- تعزيز الديمقراطية والثقافة المدنية الأوروبية.

2- مرحلة جديدة على صعيد الأمن والدفاع والحماية المدنية للمواطنين الأوروبيين.

3- إستراتيجية لاستضافة اللاجئين وإدماجهم، أو تهيئة الشروط لعودتهم على المدى البعيد إلى بلدانهم.

4- سياسة صناعية أوروبية جديدة تقوم على نمو يراعي البيئة، وقادر على تحديث اقتصادنا واستحداث فرص عمل في أقرب وقت.

5- إنجاز إنشاء منطقة اليورو، حتى تؤدي عملها بنشاط وحيوية، وليس كآلة تزيد من عدم المساواة

6- إنشاء "مركز تبادل الطلبة والأساتذة بين الجامعات" (إيراسموس) ليضم الشبان من الجيل نفسه. بحسب فرانس برس.

وقد نشرت هذه المقالة في وقت واحد صحيفة "جورنال دو ديمانش" و"بيلت ام سونتاغ" (ألمانيا) و"لو سوار" (بلجيكا) و"لا ستامبا" (إيطاليا) و"بوبليكو" (البرتغال) و"تاغبلات" (اللوكسبورغ) و"غازيتا فيبورزا" (بولندا). وبين الموقعين المفوض الأوروبي السابق والوزير السابق ميشال بارنييه، ودانيال كوهن-بنديت، ويوشكا فيشر، وزير الخارجية الألماني السابق، والكاتب الإيطالي روبرتو سافيانو وعالم الرياضيات الفرنسي سيدريك فيلاني. وأضافت المقالة "حتى يتحقق طموحنا، نطلب منكم يا مواطني بلداننا في الاتحاد، أن تولوا هذه المبادرة عنايتكم: ناقشوها، عارضوها أو أكملوا مقترحاتنا. يجب أن يعود الاتحاد الأوروبي الشغل الشاغل للجميع، وليس الشغل الشاغل للذين يريدون تدميره".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0