هزيمة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في الجولة الأولى من الانتخابات التمهيدية لانتخابات الرئاسة التي تجري في فرنسا في 2017، واعتزاله الحياة السياسية بسببها، قضية اثارت الكثير من التوقعات والتكهنات حول السقوط المبكر وغير المتوقع لساركوزي، حيث اكد بعض الخبراء ان هناك جهات فرنسية عمدت الى اسقاط ساركوزي ومنعه من العودة الى قصر الاليزية، من خلال اثارة بعض القضايا المتعلقة بفضائح الفساد والسياسات الفاشلة التي اتبعاها سابقا، فقبل أيام قليلة من هذه الانتخابات تجدد الحديث وكما نقلت بعض المصادر، عن تلقي ساركوزي أموالًا ليبية أثناء حملته الانتخابية الرئاسية لعام 2007، مما تسبب في دعاية مضادة للرجل، تُرسخ للإساءة لسمعته. كما اتُهم ايضا بتمويل غير قانوني في حملته لانتخابات الرئاسة لعام 2012 التي خسر فيها.

ففي وقت مبكر من العام الجاري، وجه القضاء الفرنسي رسميًا لساركوزي تهمة تمويل حملته الانتخابية عام 2012 بشكل غير شرعي، وفي فبراير (شباط) الماضي، خضع ساركوزي للتحقيق بشأن تخطي حملته الانتخابية الحدود القانونية للإنفاق الانتخابي، واستخدام حملته فواتير وحسابات مزورة لإخفاء تجاوز السقف القانوني. ويبلغ السقف القانوني لنفقات حملات الانتخابات الرئاسية في فرنسا 22.5 مليون يورو، وقد بلغت نفقات الفواتير المشكوك في صحتها حوالي 18.5 مليون يورو، وضعت في حساب حزب ساركوزي وكانت ستدخل في حملته، وأمرت السلطات القضائية باستمرار التحقيق مع ساركوزي في هذا الشأن، لتمثل تلك القضية عقبة أخرى ساعدت على خسارة ساركوزي.

من جانب اخر علقت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية على نتائج الجولة الأولى من السباق التمهيدي في انتخابات الرئاسة الفرنسية، وقالت إن خروج الرئيس السابق نيكولا ساركوزي والصعود المفاجئ لرئيس حكومته السابق فرانسوا فيون قد قلب السباق التمهيدي، والذى سيكون له تداعيات هائلة على الانتخابات المقررة العام المقبل. وأوضحت الصحيفة خسارة ساركوزي، كانت بمثابة مفاجأة أخرى في عام الاضطرابات الانتخابية في المؤسسة السياسية بالغرب.

فساركوزي الذى ركز حملته على تعهدات بفرض إجراءات أمنية مشددة وقف الهجرة، قد تراجع في سباق المحافظين أمام فرانسوا فليون الذى كان يوم حليفه المقرب والذى تعهد بإحداث صدمة في الاقتصاد الفرنسي بقطع النفقات بشكل كبير وإجراء إصلاحات عمالية، بينما حل جوبيه وهو رئيس وزراء سابق أيضا في المركز الثاني بعد فيون.

ويعد انتصار فيون مفاجأة، فقبل أقل من شهر منحت استطلاعات الرأي لفيون أقل من 15% من أصوات الجولة الأولى. لكنه حصل على 44% من الأصوات في الانتخابات التمهيدية التي تنافس فيها سبعة مرشحين، أما جوبيه فقد حصل على 28.5%، في الوقت الذى كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أنه الأوفر حظا، بينما حصل ساركوزي على 20.6% من الأصوات. ورأت وول ستريت أن إقصاء ساركوزي فى الجولة الأولى وصعود فيون المفاجئ يقلب السباق المحافظ الذى تركز على كيفية وقف زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان.

حلم وهزيمة

من الواضح أن الامر هو اتجاه معين بالضبط مثلما في الولايات المتحدة، ففي فرنسا ايضا لم يتعاطى الناخبون مع توقعات وسائل الاعلام والاستطلاعات، وفضلوا اتخاذ قرار مستقل في انتخابات اليمين التمهيدية. في الوقت الذي توقع فيه الخبراء مواجهة بين الرئيس السابق نيكولا ساركوزي وبين رئيس بلدية بوردو ورئيس الحكومة السابق آلان جوبيه، جاء فرانسوا فيون وأخذ كل الأوراق. 44 في المئة للمنتصر فيون، 28.6 في المئة لجوبيه وفقط 20 في المئة لساركوزي المُقال.

في فرنسا ايضا يريدون التغيير. إلا أن الامر هناك قد يكون تهديدا. من يقترح التغيير الكبير في المجتمع والسياسة الفرنسيين هو حزب اليمين المتطرف، الموجود خارج البنية الجمهورية – الجبهة القومية بقيادة مارين لوبين. من الافضل البحث عن التغيير في الاحزاب الممأسسة. فيون هو رئيس حكومة سابق في فترة ساركوزي، وتتوفر لديه المعايير كرجل تغيير – ولكن من الداخل المطلوب هو علم الاحياء وليس علم الجمهورية.

نظرا لأن الاشتراكيين برئاسة فرانسوا أولاند منقسمون، ونظرا لأن الجبهة القومية للوبين تجد صعوبة في اجتياز نسبة 22 في المئة على المستوى القومي، فان المنتصر في اوساط اليمين التقليدي هو المرشح للفوز في الانتخابات الرئاسية في شهر أيار القادم. وبسبب ذلك تابعت فرنسا باهتمام انتخابات اليمين التمهيدية، وكلف 4 ملايين شخص أنفسهم عناء المجيء للصناديق من اجل انتخاب مرشحين يصلان الى المرحلة النهائية.

في فرنسا، مثلما في الولايات المتحدة وفي اسرائيل ايضا، المحللون مقطوعون عن الميدان. كما قالت أمس صحيفة “لا بارزيان”. فيون الذي وضع في المرتبة الرابعة من بين مرشحي اليمين قبل عشرة ايام فقط، تجاوز الجميع وفاز على خصومه (ازداد بنسبة 30 في المئة في عشرة ايام). وفي المقابل، الرئيس السابق ساركوزي هُزم وانسحب من السياسة من البوابة الخلفية. ومن حلم بالعودة الى قصر الأليزيه هُزم في معركتي الانتخابات الاخيرتين اللتان شارك فيهما: الاولى قبل خمس سنوات في مقابل الرئيس أولاند، وأمس كانت الهزيمة أكبر حيث كانت في داخل البيت.

عمليا، الانتخابات التمهيدية كانت هامة جدا. في الوقت الذي ينتصر فيه اليمين في بريطانيا وفي الولايات المتحدة وبعد بامتيازات اجتماعية للمواطنين، فقد جاء مرشح اليمين في فرنسا ليفوز تحت عنوان التاتشرية. فيون يقترح نظرة ليبرالية جدا وهو ينوي فصل نصف مليون موظف من موظفي الدولة لتحسين الاقتصاد واخراج فرنسا من الوحل الموجودة فيه، وتحويلها في العقد القادم الى رائدة في اوروبا. وكان فيون هو الوحيد ايضا الذي منح الناخبين اطار صحيح. ففي الوقت الذي تحدث فيه الجميع عن المشكلات، تحدث هو عن الأمل، هو الوحيد الذي تحدث عن فرنسا بمفاهيم القاطرة التي تقود القطار. يبدو أن المصوتين لا يريدون التغيير فقط، بل الأمل ايضا. وقد ساعد ذلك اوباما وترامب. فلماذا اذا لا يساعد فيون؟.

لا يمكن الحديث عن الانتخابات التمهيدية في فرنسا دون الحديث عن نهاية السيرة السياسية لساركوزي الذي تعرض للاهانة. السياسي المواظب الذي بدأ سيرته السياسية في جيل صغير كرئيس بلدية نويي في باريس، كان على قناعة بأن الامر مضمون مثل هيلاري كلينتون. إلا أنه لم يأخذ في حسابه غياب تأييد الجمهور له، الامر الذي دفع كثير من الاشتراكيين الى التصويت ضده في الانتخابات التمهيدية لليمين. وقد اعتقد ساركوزي أن موجة العمليات الاخيرة في فرنسا ستدفع المواطن الى تأييده لأنه المرشح الأمني، ولم يعتقد أن الخوف من داعش ومن المهاجرين سيدفع الناخب الى التصويت للمرشح الذي يتحدث عن خط متشدد وأسنان في القانون الفرنسي. ولكن ما لم يأخذه ساركوزي في الحسبان هو أن الحياة اليومية هامة ايضا للمواطن.

ترك الحياة السياسية

على صعيد متصل وبعد خسارته في الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليمين والوسط، أعلن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي انسحابه من الحياة السياسية. كما أعلن دعمه للمرشح فرانسوا فيون في الدورة الثانية التي من المقرر أن يخوضها الأخير المقبل أمام ألان جوبيه. وقد أعلن نيكولا ساركوزي (2007-2012) عن مشاركته في الانتخابات التمهيدية في 21 آب/أغسطس الماضي عبر تغريده على حسابه على تويتر وعبر صفحته على فيس بوك.

وشدد ساركوزي في حملته الانتخابية على ثلاثة محاور يعتقد أنها أساسية، هي الهوية الوطنية والإسلام والهجرة. وهي المحاور التي تحدث عنها بالتفصيل في كتابه " كل شيء من أجل فرنسا" الذي صدر في 24 آب/أغسطس 2016. في هذا الكتاب، قال نيكولا ساركوزي إن مسألة الهوية الوطنية ومستقبلها ستكون في قلب النقاشات السياسية خلال الحملة الانتخابية، منوها أنه لا يؤمن كثيرا بما يسمى "بالهوية الفرنسية السعيدة" التي يدافع عنها منافسه آلان جوبيه. بحسب فرانس برس.

واكتفى بالقول إن الهوية الوطنية هي الهوية الوطنية، وبالتالي لا يمكن أن تكون سعيدة أو حزينة. من جهة أخرى، اقترح الرئيس الفرنسي السابق تعليق قانون "لم الشمل العائلي" الذي يسمح للمهاجرين باستقدام عائلاتهم إلى فرنسا. كما دعا المهاجرين إلى الاندماج في المجتمع الفرنسي بشكل كلي وإنكار ثقافتهم الأصلية وتقاليدهم.

ويثير الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي (2007-2012) بين الناخبين وكذلك داخل معسكره مشاعر متضاربة، حتى انه باتت هناك عبارة شهيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تعرف اختصارا ب "تي اس اس" اي "تو سوف ساركوزي" (اي شيء عدا ساركوزي). وبحسب الباحث برونو كوتريس فان المناظرتين التلفزيونيتين للانتخابات التمهيدية عكست هذا الشعار. وبالفعل فقد تعرض ساركوزي لانتقادات خصومه. واضاف الباحث ان المناظرة الثالثة التي جرت قبل ثلاثة ايام من الانتخابات التمهيدية كانت باهتة نسبيا "وتفادى المرشحون التعبير بشكل مباشر عن اي شيء عدا ساركوزي".

اتهامات وفساد

في السياق ذاته كرر رجل اعمال فرنسي لبناني اتهم الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بتسلم اموال ليبية لتمويل حملته في 2007، اقواله امام محققين فرنسيين. وتم الاستماع الى زياد تقي الدين في مكتب الشرطة القضائية لمكافحة الفساد في المنطقة الباريسية.

وفي مقابلة عبر الفيديو بثها موقع ميديابارت الاعلامي، اكد انه نقل بنفسه "خمسة ملايين يورو بالاجمال" نقدا وعدا من ليبيا الى فرنسا، بين تشرين الثاني/نوفمبر 2006 ومطلع 2007، في ثلاث حقائب خلال ثلاث رحلات. وقال انه سلم هذه الاموال، مرة بصورة مباشرة الى نيكولا ساركوزي، الذي كان وزيرا للداخلية، وفي المرتين الاخريين الى مدير مكتبه في تلك الفترة كلود غيان. وتسلم الحقائب في طرابلس من رئيس جهاز الاستخبارات السرية الليبية عبدالله السنوسي أيام نظام معمر القذافي. بحسب فرانس برس.

وقال "اتيت لأتعاون، ولأؤكد كل ما قلته من قبل... جئت لأثبت كل ذلك بعد العناصر الاخيرة التي توصل اليها قاضي التحقيق". وكان رجل الاعمال وجه في السابق اتهامات حول تمويل ليبي للحملة اليمينية في 2007، لكنه لم يعلن عن دور مباشر في تسليم الاموال. وقدم ساركوزي "نفيا رسميا" لهذه الادعاءات الجديدة، منتقدا "مناورة قذرة للتدخل في الانتخابات التمهيدية لليمين" التي ترشح اليها. وبعد ثلاث سنوات من التحقيقات، يتوافر لقضاة فرنسيين عدد كبير من الشهادات لمسؤولين ليبيين كبار تدعم فرضية التمويل السري، لكن لم يتم تقديم دليل لتأكيد هذه الاتهامات.

وظهرت المزاعم ضد ساركوزي اول مرة في اذار/مارس 2011 عندما كان القادة الفرنسيون يدفعون باتجاه التدخل العسكري في ليبيا الذي ادى الى الاطاحة بالقذافي. وبعد ذلك بعام وفيما كان ساركوزي يقوم بحملة للفوز بولاية ثانية، نشر موقع "ميديابارت" وثيقة وقعها رئيس الاستخبارات الليبية السابق موسى كوسا تشير الى الموافقة على منح 50 مليون يورو (54 مليون دولار بالسعر الحالي) لحملة ساركوزي.

من جانب اخر قبلت محكمة التمييز الفرنسية في وقت سابق صحة التسجيلات الهاتفية للرئيس السابق نيكولا ساركوزي والتي أدت إلى اتهامه بالفساد وإساءة استخدام النفوذ، ما يعني أن زعيم "الجمهوريون" اليميني المعارض سيخضع للمحاكمة، وفي هذه المكالمات الهاتفية مع محاميه تيري هرتزوغ على هاتف مسجل باسم "بول بيسموث" المستعار، يعرب ساركوزي عن قلقه مما سيفعله القضاء بمفكراته التي صودرت في إطار ملف التحقيق في إساءة الأمانة بحق المليارديرة ليليان بيتانكور.

ويتحدث كذلك فيها عن مشروع الحصول من القاضي السابق في محكمة التمييز جيلبير أزيبر على معلومات مصنفة سرية مقابل التدخل لصالح الأخير لشغل منصب مرموق في موناكو. لكنه لم يفعل في نهاية المطاف. وتقرر التنصت على المكالمات في إطار ملف آخر يتعلق بالحصول على تمويل لحملته الانتخابية في 2007 من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. ويقول ساركوزي إن المقايضة لم تتم وإنه ليس هناك ما يؤاخذ عليه. لكن المحققين يقولون إنها لم تتم لأنه ومحاميه عرفا أنه يتم التنصت عليهما.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1