مع استمرار الحرب في اليمن التي خلفت آلاف القتلى والجرحى والنازحين، تفاقمت معاناة الشعب اليمني، حيث اسهمت هذه الحرب التي اصبحت تدار من قبل اطراف وقوى خارجية تسعى الى تحقيق مصالحها الخاصة كما يقول بعض المراقبين، بتدمير مؤسسات الدولة والبنى التحتية واستنزاف مصادر التمويل،مكين في الوقت ذاته على ان الوضع في اليمن دخل مرحلة جديدة ومعقدة، بسبب تعثر في المفاوضات وغياب الحلول، يضاف الى ذلك التطورات والقرارات الاخرى التي اعلنت عنها بعض اطراف الصراع، ومنها تأسيس المجلس السياسي بين الحوثي وصالح، وقرارات ومطالب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بقيادة رئيس الوزراء أحمد عبيد بخصوص منع إدارة البنك المركزي من استخدام حسابات الدولة في الخارج وهو ما قد تكون له اثار سلبية خطيرة على الاقتصاد اليمني الذي وصل إلى مرحلة تدهور كبيرة، بسبب توقفت إيرادات النفط والحصار الاقتصادي وتوقف الدول المانحة عن الوفاء بالتزامتها بمساعدة اليمن، وفيما يخص بعض التطورات فقد اعلن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح إن مجلس الحكم الذي تشكل حديثا في اليمن قد يعمل مع روسيا لمكافحة الإرهاب من خلال السماح لموسكو باستخدام القواعد العسكرية بهذا البلد الذي مزقته الحرب. وأضاف صالح الذي كان حليفا للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب والذي أطيح به في احتجاجات شعبية حاشدة عام 2011 لقناة روسيا 24 المملوكة للدولة إن اليمن مستعد لمنح موسكو حرية استخدام قواعد جوية وبحرية.

وقال صالح: نحن على استعداد لتفعيل الاتفاقات مع روسيا الاتحادية في مكافحة الإرهاب. نحن نمد أيدينا ونقدم كافة التسهيلات في قواعدنا ومطاراتنا وفي موانينا ونحن جاهزون لتقديم كل التسهيلات لروسيا الاتحادية. وربما يفتقر الرئيس السابق للنفوذ اللازم لتنفيذ مثل هذا العرض. لكن مسؤولين من الحزب الذي يرأسه يديرون الآن مجلسا سياسيا يسيطر على الكثير من أراضي البلاد مع الحوثيين المتحالفين مع إيران. وكانت إيران قد سمحت وللمرة الأولى لطائرات روسية بالإقلاع من أراضيها لقصف الجماعات المسلحة في سوريا.

وتعتبر روسيا البلد الكبير الوحيد الذي أبقى على وجود دبلوماسي في اليمن الذي يشهد منذ 16 شهرا حربا بين تحالف تقوده السعودية والحوثيين أودت بحياة أكثر من 6500 شخص وزادت احتمالات حدوث مجاعة في أفقر بلد عربي. وأتاحت الحرب لمتشددين إسلاميين مثل تنظيمي القاعدة وداعش فرصة للتمدد حتى على الرغم من قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربات باستخدام طائرات بدون طيار ضد هذه الجماعات في اليمن. وامتنعت روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي صدر عام 2015 وقضى بفرض حظر للسلاح على الحوثيين. وتعود علاقات موسكو باليمن إلى عدة عقود وقبل تفكك الاتحاد السوفيتي السابق كان آلاف المستشارين العسكريين والمدربين السوفيت يعملون في اليمن الجنوبي الذي كان دولة مستقلة آنذاك.

مجلس الحكم

الى جانب ذلك خرج عشرات الآلاف من اليمنيين في مسيرة إلى وسط العاصمة صنعاء لإظهار التأييد للتجمع الذي يقوده الحوثيون في الوقت الذي تعهد فيه رئيس مجلس جديد للحكم أسسته الجماعة بتشكيل حكومة كاملة في غضون أيام. وفي استجابة واضحة لاستعراض الحوثيين لقوتهم أصدر سفراء 18 دولة تدعم محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة والهادفة لإنهاء الحرب الأهلية في اليمن بيانا يندد "بالإجراءات غير الدستورية والأحادية الجانب في صنعاء."

وقال السفراء في البيان الذي نشر في صفحة السفارة الأمريكية على فيسبوك "مجموعة السفراء تجدد مخاوفها من أن الإجراءات التي اتخذها عناصر المؤتمر الشعبي العام والحوثيون ومؤيدوهم تجعل البحث عن حل سلمي أكثر صعوبة." وبينما احتشد الحوثيون في مظاهرات ملأت ميدان السبعين في صنعاء ملوحين بأعلام اليمن ومرددين هتافات أكد صالح الصماد رئيس ما أطلق عليه الحوثيون المجلس السياسي الاعلى عزم المجلس إدارة البلاد. وقال إن الشؤون الاقتصادية ستكون لها الأولوية في الفترة المقبلة.

وفي خطاب آخر أذاعه تلفزيون يديره الحوثيون أمر الصماد وفد الحوثيين المشارك في مفاوضات السلام في مسقط بعدم التحدث إلى مبعوث الأمم المتحدة الذي يرأس المحادثات والعودة إلى صنعاء لإجراء مشاورات مع المجلس. وأضاف قائلا "أيدينا ممدودة للسلام". وجاء إعلان ليضفي صبغة رسمية على تعهد في وقت سابق من جانب الحوثيين وحلفائهم في المؤتمر الشعبي العام -حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح- بإنشاء كيان لحكم العاصمة والمناطق الاخرى التي تحت سيطرتهم في اليمن. بحسب رويترز.

وخرجت المظاهرة -وهي واحدة من أكبر المظاهرات في اليمن منذ اندلاع الحرب الأهلية العام الماضي- في وقت كثف فيه التحالف الذي تقوده السعودية ضرباته الجوية وقتاله على الأرض. وقال سكان إنه مع بدء المسيرة استهدفت ثلاث ضربات جوية المجمع الرئاسي الواقع على بعد 600 متر من الميدان دون وقوع خسائر في الأرواح. وقال التلفزيون السعودي إن صواريخ اطلقت عبر الحدود من اليمن أسفرت عن مقتل شخص واحد وإصابة خمسة آخرين في مدينة نجران بجنوب المملكة. وقال تلفزيون المسيرة الذي يديره الحوثيون إن الصواريخ استهدفت قاعدة جوية سعودية.

خسائر كبيرة

من جانب اخر ذكر تقرير سري عن الجهود المطلوبة لإعادة بناء اليمن الذي يعاني أكثر من نصف سكانه من سوء التغذية إن الخسائر الناجمة عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخسائر الاقتصادية في الحرب الأهلية تتجاوز 14 مليار دولار حتى الآن. وأوضح تقرير السادس من مايو الذي شارك في إعداده البنك الدولي والأمم المتحدة والبنك الإسلامي للتنمية والاتحاد الأوروبي "أن الصراع تسبب حتى الآن في أضرار (لا تزال جزئية) تصل تكلفتها إلى نحو سبعة مليارات دولار وأضرار اقتصادية بأكثر من 7.3 مليار دولار تتعلق بالإنتاج وتوفير الخدمات."

وتخوض الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي حربا ضروسا ضد الحوثيين المتحالفين وتتصدى أيضا لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وتسبب الصراع في مقتل أكثر من 6500 شخص وتشريد أكثر من 2.5 مليون وكارثة إنسانية في بلد سجل فيه الناتج المحلي الإجمالي للفرد 1097 دولارا فقط في 2013 وفقا لتقديرات البنك الدولي. والتقرير الذي يحمل عنوان "التقييم المبدئي للأضرار والاحتياجات" وثيقة عمل داخلية لن تكون متاحة للعلن.

وذكر التقرير أن "النتائج الأولية ليست جزئية وحسب لكن تطرأ عليها تطورات أيضا" مضيفا أنه أجرى التقييم خلال الفترة بين أواخر 2015 وحتى مطلع العام الجاري. وأظهر مسح أجرته وزارة التعليم اليمنية وذكره التقرير أن 1671 مدرسة في 20 محافظة تعرضت لأضرار منها 287 مدرسة تحتاج لعمليات بناء رئيسية وتستغل 544 مدرسة أخرى كمراكز إيواء للنازحين بينما تحتل جماعات مسلحة 33 مدرسة. وبناء على عينة مؤلفة من 143 مدرسة فإن التكلفة التقديرية للأضرار تبلغ 269 مليون دولار.

وقال التقرير أيضا نقلا عن وزارة الصحة العامة والسكان أن 900 بين 3652 منشأة تقدم خدمات التطعيم ضد الأمراض لم تكن تعمل في مطلع 2016. وهو ما تسبب في ترك 2.6 مليون طفل تحت سن 15 عرضة للإصابة بالحصبة. وفي تعز ثالث أكبر مدينة يمنية بات النظام الصحي الحكومي على وشك الانهيار مع تعرض نصف المستشفيات العامة للدمار أو لأضرار يتعذر معها دخولها. وقال التقرير "هناك زيادة في نسبة انتشار المرض والوفيات بين المدنيين كنتيجة غير مباشرة للصراع."

ولم يتمكن التقرير من تقييم الأضرار التي تعرضت لها المناطق السكنية إلا في مدن صنعاء وعدن وتعز وزنجبار وتوقف جمع البيانات في أكتوبر تشرين الأول 2015 - بعد نحو سبعة أشهر من بداية الصراع. وبلغت كلفة الأضرار التي أحصتها هذه البيانات وحدها 3.6 مليار دولار. ووصلت كلفة إعادة بناء منشآت الطاقة المدمرة في المدن الأربع 139 مليون دولار ذهب معظمها إلى إصلاح محطات الكهرباء التي تعرضت لأضرار جزئية أو كلية.

ودخل وقف هش لإطلاق النار بين الحكومة والحوثيين الشيعة حيز التنفيذ في أبريل نيسان موقفا بعض الشيء الحرب التي بدأت عندما أجبر المتمردون الحكومة على الذهاب إلى المنفى في مارس آذار 2015. بيد أن محادثات السلام انهارت في وقت سابق هذا الشهر واستؤنفت الغارات الجوية التي تقودها السعودية على الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء. وقال التقرير إنه يتعين على الفور تركيز الاهتمام على استعادة تمويل الواردات خاصة الغذاء والوقود والذي تأثر جراء صراع بين الحكومة المدعومة من السعودية والبنك المركزي في صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

وطلبت الحكومة من المؤسسات المالية الدولية منع البنك من استخدام أموال الدولة في الخارج زاعمة أنه يسيء استخدام أموال الدولة. وينفي البنك -الذي يوفر العملة الصعبة للواردات- تلك المزاعم. وقال ألبرت جايجر رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى اليمن "ما دام الصراع مستمرا.. من الضروري مواصلة الواردات الأساسية اللازمة لتفادي حدوث أزمة إنسانية. هذه قضية بالغة الأهمية في الوقت الحالي." وأضاف "أفضل ما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي والمانحون هو إيجاد سبيل لإقناع الحكومة والبنك المركزي بالتعاون كي تستمر على الأقل العمليات المتعلقة بالجانب الإنساني." بحسب رويترز.

قال متحدث رسمي إن الضربات الجوية التي شنها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن والتي أصابت مدرسة ومستشفى تخضع للتحقيق على يد هيئة شكلها التحالف للنظر في الخسائر المدنية. وقتل عشرة أطفال تتراوح أعمار أغلبهم بين السادسة والثامنة عندما أصيبت مدرستهم الواقعة بمحافظة صعدة في شمال اليمن في قصف يوم السبت بينما قتل 14 شخصا في ضربة أصابت مستشفى تديره منظمة أطباء بلا حدود في محافظة حجة المجاورة.

البنك المركزي

في السياق ذاته ذكرت وكالة أنباء سبأ التي تديرها الحكومة اليمنية أن الحكومة طلبت من المؤسسات النقدية الدولية والبنوك منع "إدارة البنك المركزي الحالية" من استخدام حسابات وأرصدة الدولة في الخارج. وقد تؤدي تلك الخطوة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن. ويقع البنك المركزي اليمني في العاصمة صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون بينما تتمركز الحكومة المعترف بها دوليا بقيادة رئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر في مدينة عدن الساحلية الجنوبية. ولا تلوح في الأفق أي نهاية للصراع الدائر منذ 16 شهرا.

وقال مسؤول في مكتب رئيس الوزراء إن بن دغر "تلقى معلومات مؤكدة من مصادر محلية وخارجية أن قيادة البنك قد لجأت إلى الاحتياطات النقدية بالعملات الأجنبية المودعة في البنوك الخارجية في أمريكا وأوروبا بعد أن استنزفت ما كان تحت يدها من العملات الأجنبية في خزائن البنك المركزي في صنعاء والحديدة للمجهود الحربي وبأموال الشعب". واضاف حرصا من الحكومة اليمنية على أموال وممتلكات الشعب اليمني وحفاظا على ما تبقى من أموال عامة وفي ضوء توجيهات رئيس الجمهورية قررت الحكومة اليمنية اتخاذ هذا الإجراء والذي يشمل وقف التعامل مع محافظ البنك المركزي محمد عوض بن همام الذي لم يعد قادرا على ممارسة مهامه وصلاحياته بحيادية تامة لوقوع البنك المركزي تحت سيطرة المليشيات الحوثية وقوات صالح الانقلابية."

واستمر بن همام (69 عاما) في منصبه بعد أن أجبر تقدم الحوثيين الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته على الخروج من البلاد والتوجه إلى السعودية في مارس آذار من العام الماضي مما دفع السعودية إلى التدخل في الحرب على رأس تحالف عربي. بحسب رويترز.

وفي وقت سابق قال بن همام إن دفعة ثانية من التحويلات البنكية من الخارج متوقعة خلال أيام لتسهيل جلب الواردات. وأكدت تصريحاته ما قاله مسؤول في بنك حكومي يمني قبلها بأسبوع عن دفعة أولى من التحويلات التي تمت في وقت سابق من العام الجاري. وتتهم حكومة هادي الحوثيين بإهدار نحو أربعة مليارات دولار من الاحتياطات النقدية في البنك المركزي على الحرب بينما يقول الحوثيون إن تلك المبالغ استخدمت لتمويل واردات الغذاء والدواء. وانخفضت احتياطات النقد الأجنبي اليمنية إلى نحو 1.1 مليار دولار من 4.7 مليار دولار في نهاية 2014. ويقدر صندوق النقد الدولي أن تلك الاحتياطات أقل بكثير من أن تكفي واردات شهرين وهو ما قال عنه لرويترز إنه "منخفض جدا جدا."

ويقول مسؤولون بالبنك المركزي ودبلوماسيون أجانب ومصادر سياسية يمنية من طرفي الحرب إن البنك هو الحصن الأخير للنظام المالي للبلد الفقير. وقالت مصادر سياسية ومصادر بالبنك المركزي إن الحوثيين تلقوا على الأرجح مزيدا من أموال البنك المركزي لقواتهم لأنهم عندما استولوا على العاصمة أضيف آلاف من المسلحين إلى قوائم الجيش وأصبح لهم الحق في تقاضي أجور من الدولة. ويستورد اليمن أكثر من 90 في المئة من احتياجاته الغذائية بما في ذلك معظم احتياجاته من القمح وكل احتياجاته من الأرز. ويحتاج نحو 21 مليونا من سكان اليمن وعددهم 28 مليون نسمة إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية ويعاني ما يربو على نصف السكان من سوء التغذية.

وتشير وثيقة داخلية إلى أن إجمالي الاحتياطي في 31 ديسمبر كانون الأول 2015 بلغ 2.085 مليار دولار وانخفض إلى 1.318 مليار دولار بنهاية يونيو حزيران 2016 بعد أن قام البنك بمدفوعات شملت سلعا أساسية وخدمة ديون خارجية ودعما للسفارات اليمنية والمنح الدراسية. وفي يناير كانون الثاني 2016 أرسل البنك المركزي مذكرة إلى رئيس الوزراء بعنوان "وضع الاحتياطيات الخارجية" تحذر من تدهور الاحتياطيات. بحسب رويترز.

وانتقد مصدر دبلوماسي غربي يتابع الشأن اليمني محاولة الحكومة منع البنك المركزي من استخدام الأموال في الخارج. وقال المصدر "المثير للقلق أن الحكومة اليمنية وبشكل ضمني التحالف الذي تقوده السعودية يحاولان تسليح الاقتصاد من خلال منع البنك المركزي من التصرف في الأموال بالخارج." وأضاف المصدر "محافظ البنك المركزي اليمني خبير على درجة عالية من الكفاءة ويقوم بعمله إلى حد كبير في ظل ظروف صعبة لذلك فإن هذا لا يبشر بالخير... اليمن أحد أسوأ الأوضاع الإنسانية في العالم ويعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي ونقص الرعاية الصحية وتدهور الاقتصاد".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0