خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذه القضية المهمة التي اثارت العديد من ردود الافعال، وكما يرى بعض المراقبين ربما ستكون بداية لتفكك وانهيار الاتحاد، خصوصا وان ما حدث دفع قادة الأحزاب اليمينية في أوروبا، إلى المطالبة بإجراء استفتاءات ماثلة في بلدانهم.

حيث سعت بعض الاحزاب للاتحاد الأوروبي لتشكيل تحالف يهدف إلى تغيير الاتحاد من الداخل. ووجهت هذه الأحزاب التهنئة للبريطانيين لأنهم اختاروا الخروج من الاتحاد. ويعد خروج بريطانيا بحسب بعض المصادر، أقوى ضربة تلقاها الاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه وخاصة أن القرار البريطاني يأتي في أحنك الظروف التي يمر بها الاتحاد الأوروبي، من أزمة اللاجئين إلى الأزمة الاقتصادية في اليونان مروراً بالأزمة الأوكرانية، وقد قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك لصحيفة بليد الألمانية أخشى أن يكون خروج بريطانيا مؤشرا ليس فقط على بداية انهيار الاتحاد الأوروبي وانما الحضارة الغربية.

من جانب اخر قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إن الأحزاب المعادية للهجرة فى أوروبا تتحد فى معركتها ضد وحدة القارة العجوز، مشيرة إلى أن تلك الأحزاب تستغل النجاحات الانتخابية التى حققتها مؤخرا، وأوضحت الصحيفة أن الأحزاب الشعوبية المناهضة للهجرة فى أوروبا تعمل على تعزيز تحالفاها العابر للحدود، وتأمل الاعتماد على مكاسبها الانتخابية واستفتاء بريطانيا للبدء فى التراجع عن الجهود التى استمرت لأكثر من خمس عقود من أجل اندماج القارة.

وتجلى التنسيق المتزايد بين الأحزاب وطموحاتها المتصاعدة فى العاصمة النمساوية في وقت سابق، مع استضافة حزب الحرية فى البلاد، والمنتمى إلى اليمين المتطرف، حلفاء من فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وبريطانيا والتشيك وبولندا ورومانيا. والتقت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسى مارين لو بان مع رئيس حزب الحرية النمساوى نوربرت هوفر، الذى خسر فى معركة الرئاسة مؤخرا بفارق ضئيل للغاية، لكنه كان واحدا من أكبر النجاحات الانتخابية يحققه مرشح اليمين المتطرف فى أوروبا الغربية منذ الحرب العالمية الثانية. وتابعت الصحيفة قائلة إن تدفق المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا قد عزز الأحزاب اليمينة عبر القارة، والتى تريد وقف الهجرة، لاسيما من الدول الإسلامية، وتريد أيضا إضعاف أو تفكيك أواصر الاتحاد الأوروبى.

صحيفة لابانجورديا الإسبانية قالت إن بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى يستعد الاتحاد إلى التفكك لأول مرة فى تاريخه رغم تمسك البعض بالوحدة إلا أن البعض الآخر سيطالب باستفتاء مماثل لبريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبى. وأشارت الصحيفة إلى أن الكيان الاقتصادى والسياسى المتكامل يتحول إلى رماد بعد أسوأ حدث من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، رغم تصريحات بعض القادة والمسولين عن تماسك ووحده الاتحاد إلا أن بعض الدول ستقدم على فكرة استفتاء مماثل للخروج من الاتحاد الأوروبى الذى أصبح على وشك الانهيار. وأشارت الصحيفة إلى أن المؤسسات الأوروبية والحكومات ستحتاج وقت لتخفيف تلك الضربة القوية التى أصابت الاتحاد الأوروبى والتى تلوح فى الأفق فى الأسواق المالية، مع الأخذ بالاعتبار أنه لا يوجد الآن خطة بديلة.

على خطى بريطانيا

وفي هذا الشأن أعطى تأييد بريطانيا للانسحاب من الاتحاد الأوروبي في استفتاء زخما للأحزاب الشعبوية المشككة في الاتحاد الأوروبي عبر أنحاء القارة لتتجدد دعواتهم بالرحيل عن التكتل أو عن منطقة اليورو. وطالبت أحزاب يمينية مناهضة للهجرة في هولندا والدنمرك والسويد وفرنسا بإجراء استفتاءات على عضوية الاتحاد الأوروبي بينما قالت حركة خمسة نجوم الإيطالية إنها ستضع مقترحا خاصا بها للتصويت على العضوية في منطقة اليورو.

وكتب نائبها فلوريان فيليبوت قائلا "حان دورنا الآن." وقالت لوبان في وقت سابق إنها إذا فازت في الانتخابات الرئاسية المقبلة فستبدأ على الفور مفاوضات بشأن عدد من قضايا السيادة بما في ذلك العملة الموحدة. وإذا فشلت هذه المفاوضات فستطلب من الناخبين أن يصوتوا للانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ولوبان هي المرشحة الأوفر حظا بين المرشحين المرجحين قبل الانتخابات رغم أن استطلاعات الرأي تتوقع هزيمتها في جولة إعادة.

وقال محللون وعدد من مسؤولي الحزب وحلفائه إن سياساته التي تقوم على تقييد التجارة بين الدول ومعاداة اليورو هي من أسباب تأخر الحزب في الماضي. لكن فريدريدك دابي المحلل بمؤسسة أيفوب للاستطلاعات قال إن التصويت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يساعده في التغلب على ذلك. ودعا حزب الشعب الدنمركي الشعبوي المناهض للهجرة والمتحالف مع الحكومة التي تميل لليمين أيضا لإجراء استفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي.

وقال زعيم الحزب كريستيان ثولسن دال "أعتقد أنه ينبغي أن يجري الدنمركيون استفتاء بشأن إن كانوا يريدون السير على خطى بريطانيا أو إبقاء الأمور على ما هي عليه الآن." والحزب ليس عضوا في الحكومة لكنه واحد من ثلاثة أحزاب تدعم حكومة الحزب الواحد. وكرر زعيم تحالف الحمر والخضر اليساري هذه الدعوة. ورفض رئيس الوزراء لارس لوك راسموسن هذه الدعوات لكنه أقر بأن التصويت البريطاني أثار احتمال "اتحاد أوروبي أصغر حجما".

وفي السويد قال حزب الديمقراطيين السويديين المناهض للهجرة الذي يتمتع بدعم نحو 17 في المئة من الناخبين وفقا لاستطلاع رأي إنه سيزيد الضغط من أجل التغيير. وقال زعيم الحزب جيمي أكيسون "نطالب بأن تبدأ السويد على الفور إعادة التفاوض على صفقات الاتحاد الأوروبي التي أبرمناها وأن يكون للشعب السويدي كلمة بشأن مستقبل العضوية في الاتحاد الأوروبي ضمن استفتاء."

ودعا حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا لاستقالة رئيسي المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي بعد تصويت بريطانيا وقال إنه قد يدعو أيضا لاستفتاء ما لم يجر إصلاح الاتحاد. ووصفت حركة خمسة نجوم ثاني أكثر حزب يتمتع بشعبية في إيطاليا النتيجة بأنها درس في الديمقراطية ووعد بالسعي لطرح مقترحه الخاص لاستفتاء إيطالي على اليورو. ويريد الحزب الذي يعتبر منافسا جديا للحكومة في الانتخابات العامة المقبلة من إيطاليا أن تجري استفتاء غير ملزم بشأن إن كانت ستبقى في منطقة اليورو. بحسب رويترز.

وقال أليساندرو دي باتيستا أحد أعضاء مجلس النواب وعضو في لجنة قيادة الحركة "سواء أعجبكم ذلك أم لا فقد اختار الشعب البريطاني." وتحدث حزب الرابطة الشمالية اليميني وهو عضو في المعارضة التي تنتمي لتيار يمين الوسط بشكل أكثر صراحة. وقال ماتيو سالفاني زعيم الحزب "شكرا لبريطانيا العظمي. الخطوة المقبلة هي دورنا."

خروج هولندا

على صعيد متصل وعد النائب الهولندي من اليمين المتطرف غرت فيلدرز بالقيام بكل ما في وسعه لتنظيم استفتاء في هولندا حول احتمال خروجها من الاتحاد الاوروبي رغم الاضطرابات التي سببها خروج بريطانيا من الاتحاد، وباغلاق الحدود امام المهاجرين المسلمين. ورغم محاولة اولى فاشلة بعد تقديم مذكرة في البرلمان رفضتها غالبية ساحقة، وعد فيلدرز بتنظيم استفتاء حول "نيكست" (خروج هولندا من الاتحاد) سيكون محور حملة حزبه للانتخابات التشريعية المقبلة. وقلل من اهمية عواقب اقتراع 23 حزيران/يونيو بعد ان تراجع الجنيه الاسترليني الى ادنى مستوى له منذ ثلاثين عاما وشهد القطاع العقاري حالة من الهلع في موازاة تحذيرات من استقرار بريطانيا المالي.

وقال "انه فوز كبير. استعادت بريطانيا سيادتها وعادت بلدا حرا ومستقلا". واضاف ان التأقلم البريطاني سيكون موقتا. وتابع "على الاجل البعيد على المستويين السياسي والاقتصادي سيتبين ان خيار بريطانيا كان صائبا وانها تخلصت من كل الشخصيات السياسية في بروكسل التي لم تنتخب والتي اتخذت قرارات تتعلق بسياساتها في مجالات النقد والموازنة والهجرة". وقال النائب ان هولندا، خامس اقتصاد في منطقة اليورو، ستكون في وضع افضل اذا خرجت من الاتحاد الاوروبي مضيفا انه حتى من المفيد العودة الى العملة المحلية.

ورفضت مذكرته لتنظيم استفتاء ب124 صوتا معارضا و14 مؤيدا. ويرى المحللون ان الاحزاب السياسية الاخرى غير متحمسة للتعاون مع حزب الحرية الهولندي. واضاف زعيم الحزب "رغم انه لا يمكننا مقارنتها بالاتحاد السوفياتي فان بروكسل مؤسسة توتاليتارية من الطراز السوفياتي". وردا على سؤال حول امكان تغيير الاتحاد الاوروبي من الداخل قال النائب "تغيير كوريا الشمالية اسهل من تغيير الاتحاد الاوروبي". وعلى وقع اسوأ ازمة هجرة في اوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، اظهرت استطلاعات الرأي تقدم حزب الحرية الهولندي في الاشهر الاخيرة وخصوصا على حزبي الائتلاف الحكومي: الحزب العمالي والحزب الشعبي للحرية والديموقراطية بزعامة رئيس الوزراء مارك روتي.

والعام الماضي اظهرت استطلاعات الرأي ان حزب الحرية سيحصل على 38 مقعدا من مقاعد البرلمان ال150 لكن هذا الاتجاه تباطأ. واظهر استطلاع لايبسوس انه سيحصل على 28 مقعدا اي اكثر ب16 مقعدا من مقاعده ال12 الحالية. وقضية اللاجئين تثير قلقا في بلد يدعي انه يرحب بتعدد الثقافات. فقد تخلل النقاشات المحلية والوطنية تبادل للشتائم ورسائل تهديد وحتى عنف جسدي. واكد النائب الذي سيحاكم بتهمة التحريض على الحقد والتمييز، انه سيوقف تدفق اللاجئين و"سيغلق الحدود امام الاشخاص القادمين من الدول الاسلامية". واضاف "لسنا معادين للاجانب لكننا نعارض تدفق ثقافة تناقض كل ما نؤمن به" مؤكدا ان الثقافة المسيحية-اليهودية "متفوقة". بحسب فرانس برس.

وفيلدرز سياسي يحظى باهم حماية امنية في هولندا منذ ان اغتيل المخرج المثير للجدل والمنتقد للاسلام تيو فان غوغ العام 2004. وقد يكون وضع على لائحة القاعدة السوداء. ويؤكد انه يعارض اي شكل من اشكال العنف بما في ذلك ضد المسلمين رغم ان تعليقاته حول القرآن والاسلام يعتبرها العديد من المسلمين المعتدلين مهينة جدا. واكد ايضا انه يدعم دونالد ترامب المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الاميركية وانه تلقى دعوة لحضور مؤتمر الحزب الجمهوري.

هتلر من جديد

الى جانب ذلك وزعت صحيفة ايطالية يمينية نسخا مجانية عن كتاب ادولف هتلر "كفاحي"، في بادرة اثارت الصدمة والادانة. واكدت صحيفة "ايل دجورنالي" المحافظة التي يملكها باولو برلسكوني شقيق رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني، "اعرفوه كي ترفضوه"، تبريرا لمبادرتها. لكن سرعان ما ندد رئيس الوزراء الايطالي ماتيو رينزي بهذه المبادرة على موقع تويتر قائلا "ارى توزيع يومية ايطالية كفاحي لهيتلر عملا دنيئا. اتضامن مع الطائفة اليهودية بمحبة".

وادانت مجموعة يهود ايطاليا التي تعد حوالى 30 الف نسمة مبادرة الصحيفة، وقال رئيس اتحاد الجمعيات الايطالية اليهودية رينزو غاتينيا "انه فعل مشين يبعد كل البعد عن تعميق التعلم او الدراسة بشأن الهولوكوست". لكن الصحيفة بررت قرارها بدافع الاطلاع. وكتبت ان "قراءة كفاحي ترياق فعال ضد سموم القومية الاشتراكية"، علما انها نشرت نسخة تعود الى 1937 للكتاب تحوي ملاحظات المؤرخ فرانشيسكو بيرفيتي، مشيرة الى ان المقتطف الذي وزع مجانا هو الاول من سلسلة ثمانية كتب تاريخية حول الرايخ الثالث النازي ستباع مع الصحيفة لاحقا. بحسب فرانس برس.

لكن الصحيفة التي تبيع يوميا حوالى 200 الف نسخة معروفة بمواقفها اليمينية خصوصا في مسألة الهجرة، ولم توجه اليها، او الى مالكيها، اي اتهامات بمعاداة السامية. وتشكل الوثيقة التي كتبها هتلر في 1924 في جزء منها سيرة ذاتية، كما تحدد الخطوط العامة لفكره الايديولوجي الذي اسست للنازية ومنها كرهه لليهود الذي ادى الى قضاء المانيا النازية على ستة ملايين منهم. وفي ايطاليا يكتسي اي موضوع يتطرق الى القومية الاشتراكية حساسية خاصة نتيجة تحالف نظام بينيتو موسوليني الفاشي مع هتلر في تلك الحقبة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0