حظى الاستفتاء على بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمتابعة عالمية واسعة، خصوصا ان هذا الاستفتاء وبحسب بعض الخبراء سيحسم مستقبل البلاد والاتحاد الأوروبي، فقد

وجه قرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سلسلة من الصدمات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية لأوروبا وحلفائها ابرزهم أمريكا مما يثير تساؤلات بشأن استعداد لندن وقدرتها على تحدي الأزمات الدولية بدءا من الشرق الأوسط وانتهاء بأوكرانيا.

أن الخروج البريطاني سيؤدي إلى فترة من انعدام الوضوح في أوروبا ستؤثر بشكل سلبي على معظم دول الاتحاد، كما ستواجه بعض الدول تحديات مثل الانخفاض الحاد في الصادرات وزيادة في الشكوك الداخلية بشأن الاتحاد.

من المخاطر التي ستنجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد بروز حالة من الغموض السياسي، خصوصا في الدول التي تحكم فيها حكومات هشة، حيث ستعاني من مزيد من الضعف والهشاشة، الأمر الذي سيتسبب بظهور مخاطر مالية واقتصادية.

ولعل المخاطر المالية من أبرز المخاطر التي ستنجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد، إذ إن الدول التي تعاني من عجز مالي وديون ونظم مصرفية هشة ستتعرض لضغوط مالية أكبر، كما ستكون هناك مخاطر اقتصادية، حيث قد تتأثر الدول التي تعتمد على التصدير إلى بريطانيا بشكل سلبي جراء انسحابها من السوق المشتركة.

كان الاستفتاء، الاجابة على سؤال "هل يجب أن تظل المملكة المتحدة عضوا في الاتحاد الاوروبي او ان تغادره؟" ولديهم خيار بين خانتي "البقاء" او "الخروج". والتحدي لا يستهان به وجميع القادة الاوروبيين تدخلوا لدعوة البريطانيين الى البقاء لأن خروج بلادهم يمكن أن يؤدي الى تفكك الاتحاد الأوروبي. وحذرت كل المؤسسات الدولية من صندوق النقد الدولي الى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من أن خروج بريطانيا سيؤدي الى عواقب سلبية على المدى البعيد علاوة على التبعات الاقتصادية الفورية على البلاد مثل التقلبات القوية في الاسواق واحتمال انهيار الجنيه الاسترليني.

كما ان خروج البلاد يمكن ان يؤدي الى اضطرابات سياسة مع رحيل محتمل لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي دعا الى الاستفتاء وخاض حملة من اجل البقاء في أوروبا. كما يمكن أن يؤدي خروج البلاد الى تفكك المملكة المتحدة اذا قررت إسكتلندا المؤيدة للاتحاد الاوروبي تنظيم استفتاء جديد حول استقلالها. وفي هذه الاجواء المشحونة، فقد أثار مقتل النائبة جو كوكس بيد رجل يطالب بـ"الحرية لبريطانيا" صدمة عارمة في البلاد التي لا تزال تبحث عن أجوبة حول دوافع المأساة، التي استغلت ايضا من قبل بعض الاطراف.

كما يترقب صانعو القرار في الولايات المتحدة نتائج الاستفتاء المتعلق ببقاء بريطانيا أو خروجها من الاتحاد الأوروبي. وقال القيادي الديموقراطي في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي تيم كين إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون له تداعيات وجودية على أوروبا. وأشار الجمهوري البارز في اللجنة ليندسي غراهام إلى أن خروج المملكة المتحدة يمثل الخطوة الأولى لتفكيك التحالف الأمني الأميركي-الأوروبي، مضيفا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيكون أكبر المستفيدين من ذلك.

وتبدو المواقف لدى المشرعين الأميركيين متوافقة مع مواقف الإدارة الأميركية التي ركزت خلال الأشهر الماضية على أهمية بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد. وحذرت رئيسة الاحتياطي الفدرالي الأميركي جانيت يلين من تداعيات خروج بريطانيا، وقالت إن ذلك قد يتسبب في زعزعة استقرار الأسواق المالية. وقالت مديرة برنامج الدراسات الأوروبية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن هيدر كونلي إن مواقف الإدارة الأميركية لم تتحول إلى خطوات على الأرض للاستعداد لخروج بريطانيا المحتمل من الاتحاد الأوروبي.

قفزة في الظلام

وفي ما يخص التوقعات حول هذا الاستفتاء التاريخي فالزمان ما بعد فرز الأصوات. أدلى البريطانيون بدلوهم في الاستفتاء على عضوية الاتحاد الاوروبي واختاروا الخروج. هذا تصور يخطط له زعماء أوروبا بكل جدية ويتمنون في الوقت نفسه ألا يحدث. ويقول مسؤولون ودبلوماسيون مطلعون إن لقاءات سرية في بروكسل ومختلف أنحاء أوروبا تكشف عن غموض هائل يكتنف ما سيعقب الاستفتاء الذي يسميه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون "قفزة في الظلام" كما تكشف عن قلق ليس بالهين مما سيحدث إذا بقيت بريطانيا في الاتحاد. وفيما يلي خريطة طريق لأوروبا بعد 23 يونيو حزيران بناء على محادثات مع العديد من الدبلوماسيين والمسؤولين وقلة من هؤلاء تتحدث علنا عن الموضوع رغم المخاوف من إذكاء نار النقاش المشتعل في بريطانيا.

اليوم الأول - الجمعة 24 يونيو حزيران، تغلق مراكز التصويت في العاشرة مساء (21 بتوقيت جرينتش). ليس من المقرر استطلاع آراء الخارجين منها لكن عمليات فرز الأصوات خلال الليل ستسفر عن نتيجة بحلول موعد شروق الشمس في سماء بروكسل تقريبا. وبغض النظر عن النتيجة نفسها فثمة عدد من العناصر التي يستحيل تخمينها أو تقديرها إذ يقول كاميرون إنه سيخطر الاتحاد الاوروبي "على الفور" إذا كانت بريطانيا ستخرج من عضويته. لكنه قد يستغرق على الأقل بضعة أيام. فإذا خسر الاستفتاء سيكون تحت ضغط هائل من حزب المحافظين المنقسم الذي ينتمي إليه لتقديم استقالته. وربما يكون هذا هو الحال أيضا إذا فاز في الاستفتاء.

وستشهد أسواق المال تقلبات. ولدى بنك انجلترا والبنك المركزي الأوروبي خطط طارئة للتعامل مع أثر "صدمة خروج بريطانيا" على كل من الجنيه الاسترليني واليورو. وسيجتمع وزراء شؤون الاتحاد الاوروبي وسفراء الدول الأعضاء في لوكسمبورج قبل الساعة العاشرة لإجراء محادثات عادية ستكون أول فرصة بالنسبة لكثيرين لإبداء رد فعلهم. ويقول مسؤولون إن من المتوقع صدور بيانات مشتركة من ألمانيا وفرنسا ومن مؤسسات أوروبية. وسيلتقي وزراء خارجية الدول الست المؤسسة لهذا التكتل وهي ألمانيا وفرنسا وايطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج في برلين.

وأيا كان تصويت البريطانيين فإن جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية سيستضيف دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي الذي يرأس اجتماعات القمة في الاتحاد الاوروبي وكذلك مارتن شولز رئيس البرلمان الاوروبي في مقره ببروكسل. وسيشارك في اللقاء أيضا مارك روته رئيس وزراء هولندا الذي تتولى حكومته الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي.

ومن المتوقع أن تسود مشاعر مختلفة تتمثل في الشعور بالندم لفقدان ما يقرب من خمس الاقتصاد الاوروبي وأكثر من ذلك من نفوذه العسكري والعالمي وكذلك الشعور باحترام رغبة الشعب البريطاني وبالتصميم على مواصلة العمل من أجل التكامل الاوروبي. وقال مسؤول كبير بالاتحاد الاوروبي "يجب أن تستمر الحياة."

اليوم الثاني - السبت 25 يونيو حزيران، أشار بعض وزراء المالية في منطقة اليورو إلى أن مجموعة اليورو قد تعقد اجتماعا طارئا لكن مسؤولين كبارا يستبعدون ذلك. وستكون إدارة ما يحدث في البنوك والأسواق من اضطرابات من مهام البنك المركزي الاوروبي وغيره من المؤسسات التنظيمية.

اليوم الثالث - الأحد 26 يونيو حزيران، يقول المسؤولون إنه بعد التصويت بخروج بريطانيا من عضوية الاتحاد سيرأس يونكر رئيس المفوضية اجتماعا طارئا للمجمع التنفيذي المكون من 28 مفوضا بينهم المفوض البريطاني جوناثان هيل. ويؤكد مسؤولو الاتحاد الاوروبي عدم وجود خطة بديلة لمواجهة خروج بريطانيا. لكن أحدهم تحدث عن "الغرفة ب" التي يوجد فيها فريق جاهز "لمكافحة الحرائق" من محاميي الاتحاد الاوروبي والخبراء. "والفكرة هي أن يكون كل شيء جاهزا ليوم الاثنين."

اليوم الرابع - الاثنين 27 يونيو حزيران، تشهد بداية الأسبوع الجديد في أسواق المال العالمية مطالبة المستثمرين والناخبين بإجابات عن الاتجاه الذي تسير فيه بريطانيا والاتحاد الاوروبي. ومن المتوقع أن يقدم الطرفان تطمينات تتعلق بإجراء محادثات منظمة في حين أنه لن يحدث أي تغيير على الفور بالنسبة للشركات والمواطنين.

اليوم الخامس - الثلاثاء 27 يونيو حزيران، من المقرر عقد قمة للاتحاد الاوروبي تستغرق 24 ساعة. وبعد التصويت على الخروج من أوروبا ستنتهي الحياة السياسية لكاميرون لكنه سيبقى على الأقل إلى أن ينتخب حزبه المنقسم زعيما جديدا. وسيتوقع منه حضور عشاء يعقد في بروكسل. وهنا يثور التساؤل المهم: هل سيقوم كاميرون بإخطار دونالد توسك رئيس القمة الاوروبية أنه يستدعي المادة 50 من معاهدة الاتحاد الاوروبي وهي الأساس القانوني أمام بريطانيا للخروج من عضوية الاتحاد؟ وفي لندن ربما يحاول من يسعون لخلافته من مؤيدي خروج البلاد من الاتحاد المماطلة.

ويقول مسؤولو الاتحاد الاوروبي ودبلوماسيوه إنهم يريدون أن تبدأ بريطانيا العملية على الفور وتستبعد إجراء مفاوضات جديدة وذلك رغم أنهم لا يرون الآن أي وسيلة قانونية لإرغامها على ذلك. ولا تسمح معاهدة الاتحاد الاوروبي بطرد أي بلد عضو لكن الضغوط السياسية ستكون شديدة مع حث لندن على احترام رغبة الناخبين وربما تبدأ الدول الأخرى وعددها 27 دولة مباحثات دون مشاركة بريطانيا. وإذا حقق معسكر كاميرون الفوز في الاستفتاء ستبحث القمة بسرعة تطبيق مجموعة الإصلاحات التي اقتنصها رئيس الوزراء البريطاني من الدول الأخرى في مارس آذار الماضي لمنح بلاده وضعا خاصا في جهود وقف الهجرة إلى الاتحاد الاوروبي.

اليوم السادس - 29 يونيو حزيران، اليوم الثاني في القمة إذا كان مآل بريطانيا هو الخروج. سيتباحث قادة الدول السبع والعشرين الأخرى دون وجود كاميرون في القاعة - وهو أمر سيتعين على البريطانيين الاعتياد عليه. المادة 50 تحدد عامين لمحادثات الانفصال. وسيتعين على الاتحاد الاوروبي أن يسد ثغرة بحجم بريطانيا في ميزانيته وطمأنة الملايين من مواطنيه الذين يعيشون في بريطانيا ومن البريطانيين الذين يعيشون في القارة الاوروبية بشأن حقوقهم مستقبلا.

ربما يضغط زعماء الاتحاد الاوروبي من أجل استعراض سريع للوحدة بشأن مزيد من التكامل. ومن المحتمل أن تؤدي الانقسامات بين برلين وباريس بشأن إدارة منطقة اليورو إلى استبعاد اتخاذ خطوة كبيرة على تلك الجبهة قبل الانتخابات التي تجري في البلدين العام المقبل. وربما يتم إحياء مساع لتعزيز التعاون الدفاعي بين دول الاتحاد الاوروبي دون بريطانيا المتشككة. ويتضمن جدول أعمال القمة بالفعل مراجعة رئيسية للسياسات الأمنية في الاتحاد.

ومن المحتمل أن يكون السعي لخلق مزيد من الوظائف لاسيما للشباب من المبادرات الأخرى - التي تهدف لإفساد مسعى مارين لوبان اليمينية المتطرفة والمشككة في الوحدة الاوروبية للفوز بالرئاسة الفرنسية. ومع ذلك فإن آخرين من بينهم رئيس القمة توسك البولندي يحذرون من استعداء الناخبين من خلال التحرك بسرعة كبيرة. وعلى قادة الاتحاد الاوروبي أن يمنحوا المفوضية الاوروبية تفويضا بالتفاوض.

ويرى البعض في بريطانيا أن مفاوضات الخروج ستستمر أكثر من عامين لتشمل المحادثات بشأن الشروط التجارية الجديدة. لكن إطالة أمد الفترة يتطلب إجماع أعضاء الاتحاد الاوروبي وهو أمر غير متوقع في بروكسل. ويشير البعض إلى أن المحادثات مع بريطانيا على شروط تجارية مستقبلية يمكن أن تسير بالتوازي. وسبق ليونكر القول إن الأولوية بالنسبة للاتحاد الاوروبي ستكون لاستمرار محادثات الانفصال لعامين ثم تبدأ المحادثات لفترة مفتوحة.

من اليوم السابع - لا شيء (وكل شيء) يتغير - أهلا استونيا، بعد التصويت بخروج بريطانيا ستظل كل قوانين الاتحاد الاوروبي سارية في بريطانيا لعامين تبدأ لندن بعدهما عملية الخروج. وبعدها لن يطبق أي قانون منها. وفي الوقت نفسه سيواصل النواب البريطانيون حضور جلسات البرلمان الاوروبي ويواصل آلاف البريطانيين العمل كموظفين عموميين لدى الاتحاد الاوروبي ويشارك الوزراء البريطانيون في أعمال مجالس الاتحاد. لكن لن يكون لهم صوت حقيقي وستتخلى بريطانيا عن رئاستها للاتحاد الاوروبي في النصف الثاني من عام 2017 وربما تتقدم إستونيا لرئاسة الاتحاد للمرة الأولى قبل ستة أشهر من الموعد المقرر لها. ومن الحلول الأخرى إشراك كرواتيا العضو الجديد في الاتحاد.

ويرصد البعض ضغوطا كبيرة لاستبعاد الأعضاء البريطانيين في البرلمان الأوروبي من التصويت على قوانين الاتحاد وحرمان هيل الذي عينه كاميرون من المهمة الحساسة التي يشرف من خلالها على تنظيم قطاع الخدمات المالية. وأيا كانت نتيحة الاستفتاء فستطفو على السطح مجموعة من خطط الاتحاد الاوروبي الأخرى التي أرجئت خشية استعداء الناخبين البريطانيين ومنها قواعد ترشيد استخدام الطاقة. وسيعود التعامل مع آثار استفتاء سويسري على الهجرة إلى الاتحاد الاوروبي ورفض هولندا للاتفاق التجاري الأوروبي مع أوكرانيا بالاضافة إلى مراجعة ميزانية الاتجاد لفترة سبع سنوات تغطي الفترة حتى عام 2020.

وإذا قررت بريطانيا البقاء في الاتحاد فإن البعض لاسيما في فرنسا يخشى أن تقود بريطانيا حملة جديدة لتحرير أسواق الاتحاد والحد من القواعد التنظيمية. ويرى بعض المسؤولين البريطانيين تفويضا بذلك بعد الفوز في الاستفتاء رغم أن آخرين يتشككون في استعداد كاميرون للمجازفة بتعميق العلاقات مع الاتحاد الاوروبي وسط خلافات بين المحافظين هذا إذا ظل باقيا على الساحة.

والعنصر المجهول هو العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الاوروبي بعد خروج الأولى. إذ أن كثيرين من زعماء الاتحاد الذي يخشون من الناخبين المتشككين في بلادهم عازمون على ألا تحصل بريطانيا على امتيازات للتجارة ودخول أسواق المال إذا كانت تريد الاستمرار في إبعاد عمال الاتحاد الاوروبي ورفض المساهمة في ميزانية الاتحاد. وستضر الحواجز التجارية الجديدة بالاقتصاد على الجانبين. لكن الاتحاد الاوروبي يخشى أن تؤدي التأثيرات السياسية المترتبة على ذلك إلى مزيد من التكاليف في الأجل الطويل.

وسيجد القادة أمامهم مشاكل أخرى كثيرة تصرف انتباههم عن التفاوض مع بريطانيا بما في ذلك روسيا واليورو والوظائف واللاجئين. وربما تكون لدى لندن أولويات أخرى ليس أقلها احتمال أن تسعى اسكتلندا من جديد للانفصال. وثمة إجماع في بروكسل على أن بريطانيا ستواجه مستقبلا صعبا وربما تضطر لإجراء محادثات مرة أخرى فيما بعد للحصول على بعض الامتيازات التجارية مقابل تنازلات مثل حرية الهجرة من داخل الاتحاد وتقديم مساهمات في ميزانيته وهي أمور يريد الناخبون الساعون للخروج من الاتحاد أن تنتهي. لكن دبلوماسيين يتوخون الحذر لا يستبعدون أي تحولات مفاجئة. بحسب رويترز.

وقد تبدو قوانين الاتحاد الاوروبي واضحة غير أن زعماء الاتحاد ومنهم المستشارة الألمانية انجيلا ميركل يبغضون خروج بريطانيا وربما يسعون لإبقائها بطريقة أو بأخرى أيا كانت نتيجة الاستفتاء. وقال دبلوماسي كبير بالاتحاد الاوروبي "هل ستغلق ميركل الباب حقا؟ ربما يبدو الأمر قاطعا في بروكسل. لكن لا تستبعد أي شيء في السياسة."

الانسحاب وأفكار ترامب

بالنسبة للناخبين الأمريكيين الذين شهدوا صعود دونالد ترامب فإن الحملة الداعية لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد لا تبدو غريبة. فهناك المشاعر القومية والحنين إلى الماضي المصحوب بالرومانسية والتشكك في النخب السياسية والمالية والمخاوف من أن المهاجرين يأتون ومعهم الجرائم ويسرقون الوظائف. لنقل إنه فكر ترامب بدون دونالد ترامب قطب العقارات الأمريكي الذي أصبح المرشح الجمهوري المفترض لانتخابات الرئاسة الأمريكية التي تجري هذا العام.

وإذا صوت الناخبون البريطانيون لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي فإن هذا سيسمح لبلادهم بالتفاوض على اتفاقاتها التجارية ويزيد من قدرتها على التحكم فيمن يدخل البلاد بالإضافة إلى أمور أخرى. ويقود طرفا الجدل الذي هيمن عليه الاستقطاب حملات واسعة وتظهر استطلاعات الرأي أن المنافسة بين المعسكرين المؤيد والمعارض ستكون حامية. وسيزور ترامب بريطانيا وهو مؤيد للمعسكر الداعم للانسحاب من الاتحاد. وقال لصحيفة صنداي تايمز "أنا شخصيا أميل للانسحاب لأسباب كثيرة فالإجراءات البيروقراطية ستكون أقل كثيرا على سبيل المثال."

وقضى ترامب معظم حملته الانتخابية وهو يحذر من المخاطر التي يمثلها المهاجرون من المكسيك الذين لا يحملون وثائق رسمية واللاجئون من الشرق الأوسط واقترح بناء جدار على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. واحتلت قضية اللاجئين السوريين مكانا مهما في الجدل بشأن عضوية بريطانيا في الاتحاد فتقول القوى المؤيدة لها إن على بريطانيا بذل المزيد من الجهد للحد من تدفق المهاجرين لأسباب اقتصادية من الشرق الأوسط ومناطق أخرى.

وقالت ويندي ران أستاذة العلوم السياسية بجامعة مينيسوتا التي أجرت دراسات على ناخبي ترامب "أرى أفكارا متشابهة على جانبي الأطلسي... شعور قوي بالتهديد للهوية الوطنية ومناهضة للعولمة وحنين للماضي وشعور بأن النخب غير مسؤولة." وتعتبر حملة ترامب والحركة المؤيدة لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي اثنين من أكثر الأمثلة وضوحا لنوع جديد من الشعبوية المحافظة التي تتجاوز الولايات المتحدة وبريطانيا وتمتد إلى السويد وفرنسا وبولندا ودول أخرى في أوروبا.

وعلى غرار ترشح ترامب فإن القوى المؤيدة لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لاحقتها اتهامات بالخوف من الأجانب. فزعيم حزب الاستقلال البريطاني نايجل فاراج وهو رجل أعمال اتجه للعمل السياسي على غرار ترامب تعرض لانتقادات واسعة النطاق بسبب ملصق يظهر فيه عدد كبير من اللاجئين السوريين ويحمل تحذيرا من أن أوروبا وصلت إلى "نقطة انكسار". ويحتفظ الكثير من المؤيدين لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمسافة بينهم وبين شخصيات مثل فاراج. وكذلك فإن بعض كبار الجمهوريين في الولايات المتحدة مثل المرشحين السابقين لانتخابات الرئاسة الأمريكية جيب بوش وميت رومني حاولوا أن ينأوا بأنفسهم عن ترامب الذي جدد دعوته لحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة.

وقال ترامب بعد أن قتل مسلح 49 شخصا بالرصاص في أورلاندو "نريد أن نظل مجتمعا حرا ومفتوحا" وأضاف "إذا فعلنا هذا فعلينا أن نمارس الرقابة على حدودنا." وكان من أسباب صعود ترامب الاستياء من النخب المالية والسياسية وهو عداء يشترك فيه المعسكر المؤيد لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي يقول إن العولمة أضرت بمصالحهم. وقال جاستن بيلهاوس وهو أحد منظمي حملة "الانسحاب" في براكنيل بانجلترا "الساسة مهتمون الآن من أجل مصالحهم وحسب." بحسب رويترز.

وليس بيلهاوس من معجبي ترامب الذي يصفه بأنه "سخيف" لكنه أشار إلى أن هناك حاجة لفرض قيود على الهجرة لتوفير المزيد من الفرص للعمال البريطانيين. واقتصار الوظائف في الولايات المتحدة على الأمريكيين من بين الأفكار التي يحبذها ترامب. ويقول تشارلز جرانت مدير مركز الإصلاح الأوروبي وهو مؤسسة بحثية مؤيدة للاتحاد مقرها لندن إن أنصار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي يتشابهون كثيرا مع مؤيدي ترامب في أن أغلبهم متقدمون في العمر ومن البيض وأقل ثراء ولا يعيش كثير منهم في المناطق الحضرية. وبينما يتعهد ترامب بأن "يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" فإن مؤيدي الانسحاب من الاتحاد يحنون لزمن ولى. وقال جرانت "هناك شعور بين البعض بأنهم يحاولون العودة إلى الوقت حين كانت بريطانيا بيضاء وحين كانت انجلترا أكثر أمانا."

تراجع الاسترليني

من جانب اخر قال جورج سوروس الملياردير الذي اكتسب الشهرة بمراهنته ضد الجنيه الاسترليني في 1992 إن تصويت البريطانيين لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيوقد شرارة تراجع أكبر وأشد تدميرا للجنيه الاسترليني من انخفاض "الأربعاء الأسود". وكان سوروس راهن بنجاح في 1992 على أن الاسترليني مقوم بأكثر من قيمته الحقيقية مقابل المارك الألماني مجبرا رئيس الوزراء آنذاك جون ميجور على سحب الاسترليني من آلية سعر الصرف الأوروبية.

وقال سوروس في مقال نشرته صحيفة جارديان إن الاسترليني سيتراجع في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي 15 بالمئة على الأقل وربما أكثر من 20 بالمئة إلى أقل من 1.15 دولار مقارنة مع مستواه الحالي البالغ نحو 1.46 دولار. وكتب سوروس (85 عاما) "أتوقع لهذا التراجع أن يكون أكبر وأشد تدميرا من تراجع سبتمبر (أيلول) 1992 الذي بلغ 15 بالمئة عندما حالفني الحظ لتحقيق ربح كبير لمستثمري صندوق التحوط الذي كنت أديره."

وقال سوروس الذي يحتل المرتبة الثالثة والعشرين على قائمة فوربس لأغنى أغنياء العالم بثروة قدرها 24.9 مليار دولار إن بنك إنجلترا المركزي سيخفض أسعار الفائدة إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وإن أدوات السياسة النقدية المتبقية لتخفيف الركود الاقتصادي أو تراجع أسعار المنازل البريطانية ستكون قليلة. وأشار أيضا إلى عجز "كبير جدا" في ميزان المعاملات الجارية البريطاني واستبعد أن يحسن تراجع قيمة العملة القطاع الصناعي لأن عدم التيقن سيثني عن القيام باستثمارات جديدة أو توظيف عمال. بحسب رويترز.

وقال سوروس المجري المولد إن تراجع الاسترليني سيضاهي ما حدث في 1967 عندما خفض رئيس الوزراء آنذاك هارولد ولسون قيمة العملة إلى 2.40 دولار من 2.80. وقال سوروس إن المضاربين سيرغبون في استغلال انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي للتربح. وقال "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيجعل بعض الناس أغنياء جدا - لكن معظم الناخبين سيصبحون أشد فقرا بكثير."

تكريم النائبة كوكس

الى جانب ذلك دعا رئيس الوزراء البريطاني المحافظ ديفيد كاميرون النواب الى "الاتحاد ضد الكراهية التي قتلت" زميلتهم العمالية جو كوكس، وذلك في تكريم لها في. وتسبب مقتل النائبة كوكس بصدمة في صفوف المؤيدين والمعارضين لخروج البلاد من الاتحاد الاوروبي، فيما اظهرت استطلاعات الراي تقارب النسبة بين المعسكرين قبل الاستفتاء ويمكن ان يقرر مستقبل اوروبا. وسجلت اسواق المال ارتفاعا بعد ان اظهرت استطلاعات الراي الاخيرة تقدم معسكر البقاء في الاتحاد. فقد ارتفع مؤشر فوتسي في بورصة لندن اكثر من ثلاثة بالمئة كما ارتفع الجنيه الاسترليني.

وظهرت انقسامات بين مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد بعد ان نشر نايجل فاراج زعيم حزب "استقلال بريطانيا"، ملصقا يظهر فيه المهاجرون وهم يزحفون باتجاه اوروبا مع عنوان "نقطة الانهيار". ويوم نشر الملصق كانت كوكس (41 عاما) وهي ام لطفلين، متوجهة للقاء عدد من السكان في شمال انكلترا عندما اطلق عليها مهاجم النار وطعنها حتى الموت وتركها تنزف على الرصيف، لتفارق الحياة بعد ذلك متاثرة بجروحها.

وسط صيحات التاييد دعا كاميرون السياسيين في البرلمان الى استذكار كوكس عن طريق "الاتحاد في مواجهة الكراهية التي قتلتها اليوم والى الابد". وقال كاميرون امام البرلمان الذي عقد جلسة استثنائية "فلنكرم ذكرى جو عبر الاثبات ان الديموقراطية والحرية اللتين ناضلت من اجلهما راسختان، وعبر مواصلة النضال من اجل ناخبينا وعبر اتحادنا ضد الكراهية التي قتلتها".

واستمع زوج كوكس وطفلاها (5 و3 سنوات) الى نقاش البرلمان فيما وضع النواب على صدورهم ورودا بيضاء. ومسح بعض النواب دموعهم، بينما تركت وردتان باللونين الابيض والاحمر على مقعد النائبة الضحية رمزا لحزب العمال الذي كانت تنتمي اليه. وقبل دقائق من افتتاح جلسة البرلمان، مثل توماس مير (52 عاما) المتهم بقتل كوكس امام المحكمة في لندن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة من سجنه بعد توجيه الاتهام له بالقتل. وخلال الجلسة القصيرة لم يسمح له سوى بتاكيد اسمه وبعد ذلك صدر امر باستمرار اعتقاله. وعندما طلب منه تحديد هويته في المحكمة الابتدائية، رد "الموت للخونة، الحرية لبريطانيا".

وقال ستيفن كينوك الصديق المقرب من كوكس في البرلمان ان النائبة كانت ستعرب عن غضبها بشان ملصق فاراج. واضاف "جو كانت تفهم ان للكلام تبعات. عندما يتم استخدام انعدام الامن والخوف والغضب لاشعال فتيل، فالانفجار حتمي". ورغم الانتقادات اللاذعة التي وجهت له الا ان فاراج قال ان الملصق كان تصويرا دقيقا لازمة اللاجئين في الاتحاد الاوروبي متهما خصومه باستخدام مقتل كوكس لدعم قضيتهم. واضاف "ان معسكر البقاء في الاتحاد الاوروبي يستخدم هذه الظروف المريعة لمحاولة ان يقول ان دوافع شخص واحد مختل وخطير تشبه دوافع نصف البلاد او ربما اكثر ممن يعتقدون ان علينا ان نخرج من الاتحاد الاوروبي". بحسب فرانس برس.

الا ان سيدة وارسي العضو البارز في حزب المحافظين بزعامة كاميرون، قالت انها سحبت دعمها للخروج من الاتحاد الاوروبي بسبب الملصق. وتساءلت "هل نحن مستعدون للكذب او نشر الحقد وكراهية الاجانب لمجرد الفوز بحملة؟". ووصف فاراج خروجها من الحملة بانه "طموح للحصول على وظيفة في الحكومة" مشككا في ما اذا كانت بالفعل جزءا من حملة الخروج من الاتحاد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1