سعت الولايات المتحدة الامريكة في السنوات الأخيرة، الى بناء تحالفات جديدة مع العديد من دول العالم في وقت يشهد فيه النظام الدولي جملة من التطورات والمتغيرات المتسارعة والتحولات العميقة التي لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، فقد دفعت التطورات الإقليمية والدولية الولايات المتحدة الامريكية في السنوات القلية الماضية وكما يقول بعض الخبراء، الى تعزيز وتطوير علاقتها مع اليابان ورفدها بأبعاد جديدة، تتجاوز الطابع الثنائي الذي بدت عليه لأعوام عديدة، لتلتصق بقضايا الأمن الإقليمي في إطاره الأكثر اتساعاً. وقد قالت هيلاري كلينتون في وقت سابق "لاغنى عن اليابان اقتصادياً ودبلوماسياً، وفي ميادين أخرى كثيرة، في حل المشكلات العالمية. والتحالف الأميركي - الياباني لاغنى عنه أبداً للأمن والتقدم العالميين. وعلى نحو تقليدي، تشكل العلاقات الأميركية - اليابانبة الركيزة الأهم في استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة آسيا الباسفيك.

واتفقت الولايات المتحدة وحليفتها اليابان على تحديث التحالف الدفاعي بينهما للمرة الأولى منذ 16 عاما لمواجهة مخاوف متنامية بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية والارهاب الدولي والهجمات الالكترونية وغيرها من تهديدات القرن الحادي والعشرين. وتأتي خطوة تحديث التحالف الدفاعي بين اليابان والولايات المتحدة بعد قرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما إعادة توجيه استراتيجية القوات الأمريكية نحو منطقة اسيا والمحيط الهادي بعد عشرات السنين من الحرب في العراق وأفغانستان.

وتتماشى رغبة واشنطن في أن تلعب اليابان دورا أكبر في الدفاع عن نفسها مع صعود رئيس الوزراء الياباني ذي النزعة القومية شينزو ابي الذي تبنى موقفا أقوى تجاه قضايا أمنية منها نزاع على الأراضي مع الصين وتهديد من كوريا الشمالية المجاورة. وقد اكد وزير الدفاع الأمريكي ان هدفنا هو تحالف أكثر توازنا وفعالية. وتعهدت اليابان والولايات المتحدة في بيان من عشر صحفات بمراجعة قواعد التعاون وبدء نشر دوري لطائرات جلوبال هوك الأمريكية للاستطلاع في اليابان والعمل على مواجهة تحديات الفضاء الالكتروني. كما تم الاتفاق على نشر نظام الرادار الدفاعي الصاروخي الامريكي الجديد إكس-باند في قاعدة كيوجاميساكي الجوية في الساحل الغربي لليابان ووافقوا رسميا على اعادة نشر 5000 جندي من مشاة البحرية الامريكية من اوكيناوا الى جوام.

ويرى بعض المراقبين ان هذه التحركات تهدف وبشكل اساسي الى تامين مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية وتحديد تحركات الخصوم، خصوصا القوى الآسيوية الصاعدة التي عدها البعض خطر جديد على الزعامة الأمريكية في العالم، الامر الذي قد يسهم بخلق مشكلات وازمات جديدة خصوصا مع استمرار المنافسة و سباقات استعراض القوة والنفوذ فى العالم، حيث شهد حوض البحر المتوسط، وبحر الصين، والبحر الأسود خلال الفترة السابقة أضخم مناورات عسكرية بين تكتلات دولية عظمى، فجاءت المناورات المشتركة بين الصين وروسيا تحت اسم "بحر التعاون" ردا على مناورات الولايات المتحدة المشتركة مع حلف الناتو، وفى الوقت ذاته اعتبر البعض المناورات اليابانية - الفليبينية المشتركة ردا على توسع النفوذ الصينى فى منطقة بحر الصين والنفوذ الروسى فى أوكرانيا. وأكد خبراء عسكريون ومحللون دوليون أن تلك المناورات تشير إلى توتر فى العلاقات بين الدول الكبرى، أو بين "الشرق" و"الغرب"، وفقاً لما يتضح من خلال نوعيتها، ومكانِ حدوثها، ووصفوها بأنها رسائل ساخنة بين الدول الكبرى.

معايير دفاعية جديدة

وفي هذا الشأن اتفقت الولايات المتحدة مع اليابان على تعزيز تعاونهما العسكري، وسط تنام للقوة الصينية، ورغبة اليابان باداء دور عسكري اكبر. واتفق وزيرا خارجية البلدين جون كيري وفوميو كيشيدا، ووزيرا الدفاع اشتون كارتر وغين ناكاتاني في نيويورك على صياغة جديدة "للخطوط التوجيهية" الخاصة بالتعاون العسكري بين البلدين. وتعود الصيغة السابقة الى العام 1997 وكانت تحدد دوري الشريكين بمواجهة التهديد النووي لكوريا الشمالية.

اما الصيغة الجديدة فتأخذ في الاعتبار قرار الحكومة اليابانية اعطاء تفسير جديد لدستورها السلمي للتمكن من ارسال قواتها العسكرية في مهمات تتجاوز الدفاع فقط عن الاراضي اليابانية. كما ان الصيغة الجديدة رد غير مباشر على تنامي القوة العسكرية للصين التي باتت طموحاتها في بحر الصين تقلق دول المنطقة. وتأمل الولايات المتحدة بان يزداد دور اليابان على الساحة الدولية، بحسب ما قال جيمس شوف من مجموعة كارنيغي للسلام. واضاف ان اليابان ترى في الاتفاق الجديد "تعزيزا للرد في مواجهة الصين".

وكان رئيس الحكومة شينزو آبي اعلن في تصريح للتلفزيون الياباني "ان التحالف الاميركي الياباني سيصبح اكثر فاعلية وقوة. وسيزداد بالتالي الردع قوة ولن تكون المنطقة الا اكثر استقرارا". وعندما قدم الخطوط التوجيهية الجديدة في نيويورك حرص كيري على التذكير بان معاهدة الدفاع بين الولايات المتحدة واليابان تغطي ايضا جزر سينكاكو التي تديرها اليابان، الا ان الصين تطالب بها وتطلق عليها اسم ارخبيل دياوو.

كما ذكر وزير الدفاع الاميركي بدوره بان اعادة النظر هذه في التحالف الدفاعي بين طوكيو وواشنطن "لا يستهدف الصين بالتحديد". وتابع "هناك ملفات اخرى تستطيع الولايات المتحدة واليابان التعاون بشأنها، ويجب عليهما القيام بذلك" مشيرا بشكل خاص الى التهديد الذي تمثله كوريا الشمالية. واضاف الوزير الاميركي ان اليابان والولايات المتحدة ستعملان ايضا على تعميق تعاونهما في مجالات اخرى مثل الامن المعلوماتي والقضاء.

وبشكل عملي اكثر فان هذه الخطوط التوجيهية الجديدة تتضمن مثلا، بحسب ما افاد مصدر اميركي، امكان تدخل اليابان لمساعدة القوات الاميركية في حال تعرضها لهجوم من دولة ثالثة، او ارسال سفن كاسحة للالغام الى الشرق الاوسط. كما تتضمن امكان قيام اليابان "باسقاط صاروخ يتجه الى الولايات المتحدة حتى لو لم تكن اليابان مستهدفة"، وفق المسؤول نفسه. بحسب فرانس برس.

ووقع البلدان معاهدة دفاعية عام 1960 تجبر الولايات المتحدة على الدفاع عن اليابان في حال تعرضها لهجوم، ما يمنح الاميركي بالمقابل قواعد عسكرية في اليابان. ويوجد حاليا نحو 47 الف جندي اميركي في اليابان. من جهة ثانية عمدت الصين خلال السنوات ال15 الماضية الى زيادة ميزانيتها العسكرية سنويا بنسبة كانت على الدوام اكثر من 10 بالمئة، ما عدا العام 2010 عندما كانت سبعة بالمئة فقط. وتقلق المطامع الصينية في بحر الصين دول المنطقة. ودعت الفيليبين دول جنوب شرق اسيا "الى التعبئة في نهاية المطاف" بمواجهة الصين المتهمة بانها "تسيطر بحكم الامر الواقع" على بحر الصين الجنوبي.

هيروشيما واوباما

على صعيد متصل يقوم الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي شارفت ولايته على الانتهاء بزيارة مثقلة بالرمزية الى اسيا تقوده الى هانوي ثم هيروشيما التي تعرضت قبل سبعة عقود لاول قنبلة ذرية في التاريخ. وينوي الرئيس استغلال رحلته العاشرة الى المنطقة التي جعلها من اولوياته، للاشادة بمقومين اساسيين في سياساته. الاول هو اتفاق "الشراكة عبر المحيط الهادئ" للتجارة الحرة وتعزيز العلاقات مع دول المنطقة في مواجهة تشدد مواقف الصين في خلافات على اراض.

ينتظر وصول اوباما الى فيتنام في زيارته الاولى الى البلد العدو سابقا. وسيكون بعد بيل كلينتون في 2000 وجورج دبليو بوش في 2006 الرئيس الاميركي الثالث الذي يزور البلاد منذ نهاية حرب فيتنام في 1975. قال المستشار المقرب للرئيس الاميركي بين رودز "عندما زار الرئيس كلينتون هذا البلد كان الهدف اطلاق التطبيع. اليوم تشهد العلاقات تقدما على جبهات عدة، التجارة، الامن البحري، مسائل استراتيجية". تتوارد التساؤلات حول احتمال استغلال اوباما الزيارة للاعلان عن رفع تام لحظر مبيعات السلاح الذي تطالب به هانوي باصرار، لكنه يثير التردد في الولايات المتحدة امام بطء التقدم في مجال حقوق الانسان.

لكن الحكومة الاميركية اشاعت الغموض في المسألة. لكن المؤكد ان العقود، حتى بعد اجتياز هذه المرحلة العالية الرمزية، لن تحضر بين ليلة وضحاها. ذكر موري هايبرت من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان الفيتناميين يرون ان "التجهيزات الاميركية باهظة الكلفة وعملية اجازت المبيعات صارمة جدا"، مضيفا "لذلك يبقى الشراء من الروسي اقل كلفة واكثر سهولة".

كما ينتقل اوباما الى اليابان حيث يشارك في قمة مجموعة السبع في ايسي-شيما (وسط الارخبيل) قبل ان يصبح الرئيس الاميركي الاول الذي يزور في اثناء ولايته حديقة نصب السلام التذكاري، وهو مكان يحرك المشاعر قدر ما يذكر بالاتون النووي الذي ابتلع المدينة في 6 اب/اغسطس 1945.

ولم يثر الاعلان عن الزيارة المرتقبة في اليابان عن ردود فعل رافضة في الاوساط السياسية الاميركية. قال استاذ الانتروبولوجيا في جامعة جورج واشنطن هيو غاسترسن "قبل 20 او 30 عاما كانت زيارة كهذه غير واردة اطلاقا". ويسود الغموض برنامج الزيارة واحتمال لقاء اوباما في الحديقة التذكارية بناجين من القنبلة. واكد البيت الابيض ان اوباما الذي لن يلقي خطابا بل كلمة وجيزة، سيترك الجدل حول صوابية استخدام الرئيس الاميركي انذاك هاري ترومان السلاح الذري للمؤرخين، نافيا ان تكون الزيارة من اجل تقديم الاعتذار.

وترمي زيارة اوباما في الواقع اولا الى تاكيد تمسكه بهدف قد يبدو غير واقعي، وهو التوصل الى عالم خال من الاسلحة النووية. ففي بداية ولايته اثار الرئيس الاميركي تطلعات كبرى بهذا الشان، ابان خطاب شهير القاه في براغ في نيسان/ابريل 2009. قال انذاك ان "الولايات المتحدة، بصفتها القوة النووية الوحيدة التي استخدمت سلاحا نوويا، تتحمل مسؤولية اخلاقية تدفعها الى التحرك".

وفيما يمكن لاوباما ان يضع في رصيده الاتفاق المبرم في صيف 2015 بشأن البرنامج النووي الايراني، تبدو المحادثات لنزع السلاح النووي مع روسيا برئاسة فلاديمير بوتين في طريق مسدود. حتى في الطرف الاخر من المحيط الهادئ يتوقع ان تلاحق اوباما تساؤلات حول المرشح الجمهوري المرجح للانتخابات الرئاسية في 8 تشرين الثاني/نوفمبر. بحسب فرانس برس.

فالملياردير يكرر بلا كلل ان الانتشار العسكري الاميركي في اسيا يكلف الكثير واقترح تزويد طوكيو وسيول بالسلاح النووي في مواجهة كوريا الشمالية. وقال مايكل غرين من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان "تصريحات ترامب التي كررها وعاد عنها مرارا تواصل اثارة القلق الكبير في المنطقة" مضيفا انه "سيكون ماثلا في الاذهان، لا سيما في اليابان، في اثناء هذه الزيارة".

السلاح النووي

الى جانب ذلك اعرب مسؤولون يابانيون عن الامل في ان تساهم زيارة الرئيس الاميركي باراك اوباما الى هيروشيما التي دمرت بقنبلة ذرية اميركية في الحرب العالمية الثانية، في تعزيز الجهود لنزع الاسلحة النووية في العالم. وعبر رئيس بلدية المدينة كازومي ماتسوي عن الامل "في ان يحدد في هيروشيما الخطوات نحو عالم خال من السلاح النووي".

وقتل نحو 140 الف شخص عندما القت القوات الاميركية قنبلة ذرية على المدينة في السادس من اذار/اب 1945. وقتل عشرات الاف الاشخاص في كرة اللهب التي احدثها الانفجار، بينما توفي كثيرون اخرون متاثرين بالجروح والامراض التي تسببت بها الاشعاعات في الاسابيع والاشهر والسنوات اللاحقة. ودمرت القنبلة مساحات شاسعة من المدينة بينها العديد من المنشات العسكرية والصناعية بشكل كامل.

وبعد ثلاثة ايام، القى الجيش الاميركي قنبلة بلوتونيوم على مدينة ناغازاكي ما اوقع 74 الف قتيل وادى الى تسريع استسلام اليابان وانتهاء الحرب العالمية الثانية. ويبقى هذا القصف موضع جدل في الولايات المتحدة ومختلف انحاء العالم مع انقسام الرأي العام بشدة حول ما اذا كان استخدام القنبلة انهى وحشية الحرب وادى الى تجنب اجتياح اميركي لليابان، او ما اذا كان استخدام اسلحة ذرية ضد مدنيين يشكل جريمة حرب.

وصرح حاكم دائرة هيروشيما هيديهيكو يوزاكي لصحافيين انه يامل في ان "يرى اوباما فعلا الى اي حد تسببت القنبلة الذرية باذى للناس هنا وان يدرك مدى خطورة الاضرار". ومع ان العديد من الناجين لا يزالون ياملون بتلقي اعتذار، شدد يوزاكي على ان المهم هو الا "تتعرض الانسانية لمثل هذه المعاناة مرة اخرى".

وهيروشيما اليوم مدينة مزدهرة وحديثة، ولا تختلف عن سائر مدن اليابان. لكن حطام مبنى مع قبة في اعلاه لا يزال على حاله تكريما لضحايا اول هجوم ذري في التاريخ. وفي نيسان/ابريل الماضي، اصبح وزير الخارجية الاميركي جون كيري اعلى شخصية سياسية اميركية تزور هذا النصب.وقال كيري خلال زيارته هيروشيما في 11 نيسان/ابريل "تأثرت كثيرا ولن انسى ابدا صور ما حدث".

قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إن متحف هيروشيما الذي يخلد ذكرى ضحايا الهجوم النووي الأمريكي على المدينة اليابانية عام 1945 "يقطع الأحشاء" وقال إن على الجميع بما في ذلك الرئيس الأمريكي باراك أوباما زيارته. وزار كيري مع نظرائه من وزراء خارجية مجموعة السبع متحف هيروشيما التذكاري للسلام الذي يمتلئ بصور ضحايا الهجوم النووي الأمريكي الذين أصيبوا بحروق بالغة كما يعرض ملابسهم الممزقة والملطخة بالدماء إلى جانب تماثيل تذكارية تصف حالهم واللحم يذوب من أطرافهم.

وقام كيري بجولة في المتحف وقال "إنه عرض صادم. يقطع الأحشاء." وأضاف "إنه تذكرة بالمسؤولية الملقاة على كل من يعمل بالشأن العام... من أجل خلق عالم خالٍ من الأسلحة النووية." وبناء على اقتراح من كيري قام الوزراء أيضا بزيارة ارتجالية لموقع يسمى قبة القنبلة النووية وهو أطلال للمبنى الوحيد الذي بقي قائما بالقرب من موقع انفجار القنبلة وحاليا مدرج على قائمة التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو). وبعد زيارتهم للمتحف الذي يعكس حجم الكارثة بصور قاسية، توجه وزراء خارجية دول مجموعة السبع الى الحديقة المحيطة به. ووضعوا اكاليل من الورود امام القوس الذي يشرف على قبر دونت عليه اسماء الضحايا مع وعد حفر على الحجر "ارقدوا بسلام، فلن نسمح بتكرار هذه الفاجعة".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0