تحولات كبيرة يشهدها ملف الحرب والصراع في سوريا جاءت بعد التدخل العسكري المباشر لروسيا، التي استطاعت وبحسب بعض المراقبين تغير المعادلة وقلب موازين القوى في المشهد السوري خصوصا وانها قد استطاعت اجبار قوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، على تغيير وتعديل بعض الخطط والإجراءات السابقة والقبول بالمعادلة الجديدة التي فرضها الروس، بخصوص رسم خارطة سياسية جديدة لمنطقة الشرق الاوسط بشكل عام، هذه التحولات والتطورات المهمة في المشهد السوري كما يرى بعض الخبراء يمكن ان تكون سببا في بروز مشكلات وازمات سياسية جديدة بين روسيا وبعض الدول الاقليمية، التي تصدرت سابقا مشهد القيادة والتوجيه في هذا الملف، من خلال دعم ومساعدة ما يسمى بمقاتلي المعارضة او تسهيل دخول المجاميع والتنظيمات الارهابية الى سوريا بهدف استمرار امد الصراع، والتي ادركت اليوم انها اصبحت اكثر ضعفا بسبب تغير الادوار، وهو ما دفع تلك الدول الى تصعيد حربها الاعلامية ضد العمليات العسكرية الروسية في سوريا، فقد اثار هذا التدخل العسكري الروسي المباشر بشكل خاص قلق تركيا والسعودية، حيث ترى تركيا وكما تنقل بعض المصادر أن التدخل العسكري في سوريا قد ينقل العلاقات التركية الروسية إلى مرحلة حساسة بات فيها الاقتصاد الذي كان ركيزة لهذه العلاقة جزءا من البعد السياسي الأمني للمعركة الجارية.

فالجانب التركي يشعر بأن أحد أهم أهداف التدخل العسكري الروسي هو منع إقامة منطقة أمنية عازلة طالبت بها تركيا مرارا، ولعل نوعية بعض الأسلحة والمعدات تشير إلى هذا الأمر، فنشر نظام الدفاع الصاروخي SA22 هدفه يتجاوز محاربة داعش أو استهداف الفصائل المسلحة أو حتى حماية المنشآت الروسية, وترى تركيا أن ثمة مخاطر حقيقية ستترتب على أمنها الداخلي من التدخل الروسي، ولعل في مقدمة هذه المخاطر أن هذا التدخل قد يشكل ضوءا أخضر لتقدم وحدات حماية الشعب الكردية وبتالي الحصول على فرصة لإقامة اقليم كردي في شمال سوريا وشرقها، وهو ما يعني انتقال استراتيجية حزب العمال الكردستاني إلى مرحلة جديدة في ظل تصاعد وتيرة المواجهة بين الجانبين وعلى أبواب الانتخابات البرلمانية المبكرة.

اما الجانب الخليجي الذي تورط في حرب اليمن والمتهم اصلا بدعم الارهاب فقد اصبح وكما يرى بعض المراقبين في وضع صعب، خصوصا وان القيادة الروسية قد اعلنت ان التدخل في سوريا جاء لمحاربة تنظيم داعش الارهابي، لذا فان اي تصعيد رسمي من قبل الحكومات الخليجية ضد روسيا، ربما سينعكس سلبا عليها ويعرضها لإحراجات وانتقادات دولية، هذا الامر قادها الى اتباع طرق واساليب وقنوات جديدة في سبيل الضغط على روسيا، التي حذرت السعودية وقطر بعد اصدار 55 عالما سعوديا بيانا دعوا فيه الى الجهاد ضد القوات الروسية في سوريا.

تركيا غاضبة بشأن التوغلات الروسية

في هذا الشأن فقد تكون تركيا غاضبة بشأن التوغلات الروسية في مجالها الجوي لكن ماعدا كلمات الاحتجاج لا يمكنها عمل شيء يذكر إذ أن اعتمادها على الطاقة والتجارة مع روسيا يقيد يديها وسياستها إزاء سوريا أصبحت في حالة من الفوضى. وقال الرئيس رجب طيب اردوغان ان صبره يوشك أن ينفد على عبور طائرات روسية الحدود وحذر من أن "أي هجوم على تركيا يعد هجوما على حلف شمال الاطلسي".

وهب الحلف العسكري - بالكلمات على الأقل - للدفاع عن تركيا ووصف الانتهاكات الروسية بأنها "خطيرة للغاية" وتثير احتمال وقوع صدام مباشر بين خصمي الحرب الباردة سابقا. والأفعال الروسية تسبب انزعاجا شديدا لأردوغان الذي دعا حثيثا دون جدوى لإزاحة الأسد. وقال جوناثان فريدمان محلل الشؤون التركية في ستروز فريدبرج وهي مؤسسة استشارية بشأن المخاطر "تدخل روسيا يبين ان سياسات تركيا في سوريا غير ناجحة." وقال "لقد شاهدتم بمرور الوقت قيام روسيا والولايات المتحدة بأدوار قوية في المنطقة. وهذا يقيد قدرات اللاعبين الإقليميين في التأثير على التطورات."

وتشترك تركيا في حدود تمتد 900 كيلومتر مع سوريا وتحملت أعباء الكثير من التداعيات الإنسانية التي نجمت عن الحرب الأهلية التي دخلت الآن عامها الخامس. واتبعت سياسة الحدود المفتوحة طوال الصراع واستقبلت أكثر من 2.2 مليون لاجئ بتكلفة بلغت 7.6 مليار دولار آخذة في الازدياد. وبصفتها عضوا في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش فقد أيدت مثلما فعلت السعودية وقطر المعارضين المسلحين المناهضين للأسد والذين استهدفت الضربات الجوية الروسية بعضهم. وسعت جاهدة من أجل اقامة "منطقة طيران محظور" قرب حدودها مع شمال سوريا وهو اقتراح لم يلق قبولا في واشنطن.

وقال دبلوماسي غربي مقره أنقرة "بالنسبة لتركيا لا يوجد مجال كبير للمناورة ... كل ما تبقى لها هذه التصريحات الصارمة." وتركيا التي ترددت طويلا في القيام بدور عسكري على خط الجبهة ضد داعش في يوليو تموز أدخلت تغيرا جذريا في سياستها وفتحت قواعدها الجوية أمام الضربات الجوية للتحالف وارسال طائراتها في مهام في شمال سوريا.

وقال وزير خارجيتها آنذاك في اغسطس اب ان ضربات جوية مشتركة "شاملة" مع الولايات المتحدة ستبدأ قريبا وهي خطة تأمل أنقرة ان تؤدي الى اقامة منطقة آمنة بامتداد حدودها. لكن لم يتحقق تقدم يذكر. وقال الدبلوماسي "يجب أن يكون لتركيا دور عميق في أي حل لسوريا في ضوء موقعها الإستراتيجي والجغرافي لكنها ما زالت لاعبا ثانويا في التحالف وتسعى من أجل أهداف سياسة غير قابلة للتحقيق." وتابع "للمرة الاولى تعمل تركيا باعتبارها حاملة طائرات ضخمة من قواعدها التي تتمتع بموقع جيد."

الضربات الجوية الروسية التي تعني ان طائرات روسية وطائرات الولايات المتحدة وحلفائها تطير في مهام قتالية فوق نفس البلد للمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية جعلت احتمالات اقامة "منطقة طيران محظور" تطالب بها تركيا منذ زمن طويل أبعد مما كانت في أي وقت مضى. وقد يكون ذلك نعمة مقنعة بالنسبة لأنقرة وفقا لما قاله ايكان اردمير وهو زميل غير مقيم في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومقرها واشنطن.

وقال "وجود روسيا يحد بشدة من الخيارات المتاحة لتركيا ويجبر أنقرة على ان تتحلى بقدر أكبر من الحرص والحذر في الشرق الاوسط." وأضاف "أعتقد ان اقامة منطقة آمنة غير مطروح على مائدة البحث وهذا بالنسبة لتركيا ربما يكون كارثة تم تجنبها. في نهاية الأمر كانت ستخرج عن نطاق السيطرة ... كانت تركيا ستنجر الى حرب تستمر إلى الأبد." وتركيا حساسة بدرجة كبيرة ازاء التهديدات لأمن حدودها واردوغان بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة عدواني لا يتقبل التهديدات. وقال مسؤول رفيع "لا يوجد تردد بشأن حماية الحدود. العلاقات بين تركيا وروسيا جيدة لكن من المستحيل تجاهل ما حدث في الايام القليلة الاخيرة ولن نفعل ذلك."

وتشك تركيا ان روسيا التي تشن غارات جوية في سوريا تقدم الدعم أيضا لوحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي. وقال احد المسؤولين "مع تأييد روسيا يحاول حزب الاتحاد الديمقراطي السيطرة على أراض تقع بين جرابلس واعزاز إلى الغرب من الفرات. ولن نقبل بهذا مطلقا." وصرح بان تركيا عبرت عن مخاوفها هذه خلال اجتماعات رفيعة المستوى مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا. وشنت انقرة غارات ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني ولهم قواعد في جبال بشمال العراق لكن شن هجمات على الاكراد في سوريا سينطوي على مخاطر أكبر كثيرا وسيدفع انقرة الى مواجهة محتملة مع سلاح الجو الامريكي وأيضا الروسي. وأعلنت وحدات حماية الشعب الكردية انها انضمت الى مقاتلين عرب في تحالف جديد وعد بالحصول على اسلحة جديدة من الولايات المتحدة لشن هجوم على مقاتلي تنظيم داعش في الرقة التي يتخذها التنظيم قاعدة لهم ويعتبرونها عاصمته الفعلية. بحسب رويترز.

واتهمت تركيا القوات الكردية بالسعي الى "تغيير التركيبة السكانية" في شمال سوريا باجبار السكان العرب والتركمان على النزوح من المنطقة. وتخشى انقرة من قيام دولة كردية مستقلة على مناطق متلاصقة تمتد عبر العراق وسوريا وتركيا. واتهمت منظمة العفو الدولية وحدات حماية الشعب الكردية التي انتزعت اراضي في شمال سوريا من داعش بارتكاب جرائم حرب حين طردت الاف المدنيين غير الاكراد ودمرت بيوتهم.

مستقبل العلاقات التجارية

من جانب اخر قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إن بلاده تستطيع أن تحصل على الغاز الطبيعي من أماكن أخرى غير روسيا وإن دولا أخرى قد تبني المحطة النووية الأولى لتركيا. ونقلت صحف من بينها صباح التركية اليومية عن اردوغان قوله للصحفيين أثناء توجهه إلى اليابان في زيارة رسمية "لا يمكن أن نقبل بالوضع الحالي. التفسيرات الروسية لانتهاكات المجال الجوي غير مقنعة." وقال إنه مستاء مما حدث لكنه لا ينوي في الوقت الحالي التحدث إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وقال "على روسيا أن تأخذ هذه الأمور في الحسبان. إذا لم يشيد الروس ‘أكويو‘ فسيأتي آخرون ويشيدونها"، مشيرا إلى المحطة النووية المزمع إقامتها في جنوب تركيا. كانت تركيا كلفت في 2013 روساتوم المملوكة للحكومة الروسية ببناء أربعة مفاعلات قدرة 1200 ميجاوات لكن موعد بدء تشييد أول مشروع محطة نووية تركي لم يتحدد بعد. وقال اردوغان "نحن أكبر مستهلك للغاز الطبيعي الروسي. فقد تركيا سيكون خسارة كبيرة لروسيا. إذا اقتضى الأمر فبمقدور تركيا الحصول على الغاز الطبيعي من أماكن أخرى عديدة." وتلبي روسيا نحو 28 إلى 30 مليون متر مكعب من الطلب التركي على الغاز الطبيعي البالغ نحو 50 مليار متر مكعب سنويا. ولم يصدر رد فعل فوري من موسكو على تصريحات اردوغان.

ومن الصعب التحول من مورد للغاز إلى آخر نظرا للطبيعة غير المرنة للبنية التحتية للغاز الطبيعي. وتستورد تركيا الغاز الروسي عبر خطي أنابيب يمر أحدهما بمنطقة تراقيا في الشمال الغربي ويدخل الآخر تركيا عبر البحر الأسود. وقال مسؤول غاز بالقطاع الخاص "تصريحات اردوغان بشأن الغاز غير واقعية بالمرة. تعتمد تركيا على الغاز الروسي في المديين القصير والمتوسط. "عدم وصول الغاز من تراقيا يعني نهاية تركيا لأن خط أنابيب الغاز هذا يغذي كل اسطنبول ومنطقة مرمرة. لا توجد شبكة أنابيب بديلة يمكنها أن تجلب هذا الغاز." بحسب رويترز.

وقد تتطلع تركيا إلى تعزيز مشتريات الغاز الطبيعي المسال من نيجريا والجزائر لسد نقص محتمل لكنه سيكون خيارا باهظ التكلفة لبلد تتجاوز فاتورة وارداته السنوية من الطاقة 50 مليار دولار. وتدرس تركيا بالفعل زيادة واردات الغاز من تركمانستان المورد الهامشي حاليا لكن محللي الطاقة يقولون إن روسيا عرقلت تلك الخطوة. لكن فائض توليد الكهرباء في تركيا يسمح لها بالاستغناء عن محطة الكهرباء النووية لعدة سنوات. وقال مسؤول طاقة تركي "تركيا لا تعتمد على الطاقة النووية حاليا.. هناك فائض في الكهرباء وسيستمر حتى 2020... لذا فعدم بناء المحطة النووية على الفور لن يتسبب في مشكلة".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4