عامان مرا على احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر. أيام ويختار العراقيون برلمانا جديدا، فهل يكون مختلفا؟ ولمن يمنح العراقيون أصواتهم، بعيدا عن "دكاكين" توزيع الثروة والسلطة بين أحزاب وكتل سياسية ترى في "الديمقراطية وسيلة لها"؟

للمرة الخامسة يتجه العراقيون لانتخاب برلمان يمثلهم منذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003. أولى الانتخابات جرت في عام 2005 وتلتها انتخابات ولدت عنها برلمانات لم تغير كثيرا في ألوان التوزيع السياسي تحت قبة البرلمان العراقي، فالانقسام المذهبي والقومي هو نفسه لم يتغير، عدا أن المتغير الوحيد يكمن في تحالفات تعقد كل مرة لغرض حجز حصة الكتلة الأكبر، صاحبة الحظ الأوفر لترشيح اسم رئيس الحكومة.

وصانع الملوك فيها هو التيار الصدري بقيادة زعيمه السيد مقتدى الصدر، الذي ما إن ينأى بنفسه عن العملية السياسية، حتى يعود من جديد مؤثرا على قرار تحديد رئيس الحكومة. أما بالنسبة لمنصبي رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، فجرى عُرفا توزيعهما على الكرد والعرب السنة. خريطة سياسية واضحة المعالم ومقسمة على ثلاث جهات، غير أنها معقدة في تفاصيلها.

الكاظمي وتشظي المحتجين

في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2019 خرج المئات وتلاهم الآلاف من الشباب في البصرة وبغداد ومدن جنوبية أخرى وبعد مدة في كردستان العراق، مطالبين بمكافحة الفساد وتوفير فرص العمل، في بلد نفطي توزع ثرواته على رواتب الموظفين وتضيع أكثرها بسبب الفساد المرتبط بأشخاص يتهمون أنهم على صلة مباشرة أو غير مباشرة بأحزاب سياسية ممثلة في البرلمان.

احتجاجات عام 2019 أدت إلى استقالة الحكومة السابقة برئاسة عادل عبد المهدي ووصول رئيس المخابرات السابق مصطفى الكاظمي إلى المنصب، لكن الكثير من مطالب المتظاهرين في مدن الجنوب الغنية بثرواتها، والفقيرة بخدماتها، لم يتغير منذ ذلك الحين.

ورغم دعوة بعض النشطاء الذين شاركوا في الاحتجاجات إلى مقاطعة الانتخابات، إلا أن آخرين شكلوا أحزابا أو انضموا إلى ائتلافات تعتبر معتدلة مثل تحالف العبادي والحكيم. فيما لجأ البعض منهم إلى تشكيل حركة "امتداد"، التي قدمت مرشحين، ويرأسها الصيدلاني علاء الركابي وهو من أبناء مدينة الناصرية في الجنوب، التي شهدت بعض أشرس الهجمات ضد المتظاهرين في عام 2019 سقط نتيجتها عشرات القتلى من المتظاهرين. أما بعض الشخصيات التي قدمت نفسها في بداية الحراك فقد راهنت على وصول الكاظمي إلى السلطة وتعمل حاليا في الحكومة، ما اعتبره متظاهرون خيانة لمطالبهم. وبحسب المحللين فإن "الكاظمي نجح في تقديم نفسه كعنصر تهدئة، وهو كشخص لا ينحدر تماما من الطبقة السياسية الشيعية التقليدية أو من الجيل القديم ولا ينتمي تماما إلى نسق الإسلام السياسي الشيعي الذي انحدر منه رؤساء الوزراء السابقين، كالمالكي، والعبادي وعادل عبد المهدي". ولأن له علاقات جيدة مع بعض الجماعات بين المحتجين تمكن من التواصل معهم.

ويوضح هؤلاء المحللون، أن الكاظمي بشكل عام تمكن من إبقاء السفينة طافية فوق سطح المياه ومنع الانهيار الشامل وأسهم في تهدئة الأزمة، عدا ذلك لم يكن يملك تفويضا واسعا ولا هو نفسه حاول الحصول على تفويض واسع "طرح نفسه كمفكك للأزمات وليس كفاعل مستقل يغير بنية النظام السياسي وطريقة عمله".

الإقبال على التصويت في صالح المستقلين

عامل جديد طرأ على عملية الانتخابات هذه المرة، إنه قانون الانتخابات الذي أقر بعد تأجيل. والذي يضمن نظام الدوائر المتعددة المغلقة، والترشح الذي لا يتطلب الانضواء في قائمة حزب ما، وكذلك تقسيم المحافظات إلى عدة دوائر انتخابية صغيرة. يرى البعض أن في ذلك فرصة للإفلات من سلطة الأحزاب والكتل السياسية الكبيرة، فيما يرى آخرون أن هذا النظام الجديد لن يغير الكثير من دون قانون ونظام يقيد سلطة الأحزاب وأذرعها المسلحة التي بمقدورها التأثير على أصوات الناخبين.

ويرى المحللون أن الانتخابات ربما تحصل بشروط إجرائية وتقنية أفضل، ووفق نظام انتخابي أكثر انفتاحاً لإمكانية صعود فاعلين جدد. لكنها تجري وفق شروط سياسية وأمنية تنصب بمصلحة القوى المهيمنة ذات الأذرع المسلحة والإمكانات المالية الضخمة. ويوضح لـوسائل الاعلام: "إنها تعكس فهم تلك الاحزاب لماهية التغيير باعتباره تقنيا، إجرائيا، سطحيا، لا يطال مصادر قوة تلك الأحزاب. وجزء كبير من تلك المصادر يقوم على قوة الأمر الواقع ولا يخضع للمعايير القانونية والدستورية، بل يكرس وضع تلك الأحزاب وقادتها كقوى فوق القانون والدستور". لكن المراهنة مازالت قائمة على مستقلين بإمكانهم إحداث الفرق، لكن هذا لن يحدث إلا في حال ارتفاع نسبة المشاركة، لخمسة وعشرين مليون عراقي يمكن لهم الإدلاء بأصواتهم.

دعوات للمقاطعة ورأي المرجعية

ورغم فقدان الأمل بالتغيير من قبل شريحة كبيرة من المجتمع العراقي ودعوتها إلى مقاطعة الانتخابات، إلا أن طريق صناديق الاقتراع يبقى الحل الوحيد لآخرين مازالوا يؤمنون بالعملية الديمقراطية وسلطة صناديق الاقتراع. هذه الطبقة وجدت أيضا دعما لها بعد بيان المرجعية الشيعية العليا في العراق بزعامة السيد علي السيستاني التي أعلنت دعوتها إلى إجراء الانتخابات في أجواء مطمئنة، بعيدا عن تأثير المال أو السلاح غير القانوني أو التدخلات الخارجية.

وبحسب مكتب المرجعية الشيعية العليا، فإنها "تشجّع الجميع على المشاركة الواعية والمسؤولة في الانتخابات القادمة، فإنها وإن كانت لا تخلو من بعض النواقص، ولكنها تبقى هي الطريق الأسلم للعبور بالبلاد إلى مستقبل يرجى أن يكون أفضل مما مضى، وبها يتفادى خطر الوقوع في مهاوي الفوضى والانسداد السياسي". كما طالبت المرجعية "الناخبين ...أن يستغلوا هذه الفرصة المهمة لإحداث تغيير حقيقي في إدارة الدولة وإبعاد الأيادي الفاسدة وغير الكفوءة عن مفاصلها الرئيسة، وهو أمر ممكن إن تكاتف الواعون وشاركوا في التصويت بصورة فاعلة وأحسنوا الاختيار، وبخلاف ذلك فسوف تتكرر إخفاقات المجالس النيابية السابقة والحكومات المنبثقة عنها". وكالعادة نأت المرجعية بنفسها عن دعم أي مرشح أو حزب أو كتلة سياسية، كما عادت وحذرت في بيانها من تمكين أشخاص غير أكفاء أو متورطين بالفساد.

يوضح المحللون أن التغيير الذي طرأ بعد الاحتجاجات أصبح محدودا، بسبب تراجع "الزخم الاحتجاجي"، فالظروف الاحتجاجية التي فرضت على القوى السياسية التضحية برئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وكذلك الاستعجال بالتحضير لقانون انتخابي جديد، وإعطاء وعد بتقديم الانتخابات، كل هذه الظروف لم تعد قائمة. إذ كانت توازنات القوى في حالة قلقة بسبب ضغط الشارع. ويرى المحللون أن "زخم الاحتجاجات تراجع، والطبقة السياسية استعادت الثقة بالذات، كما أن بعض الأطراف في القوى السياسية تمكنت من تفكيك الاحتجاجات من خلال استخدام أدوات الترهيب والترغيب، مثل الاغتيالات والاختطافات وما إلى ذلك. ولهذا لم تقم هذه القوى بعملية إصلاح جدية".

أما بالنسبة لأسس الديمقراطية المهمة مثل "حكم القانون ومؤسسات وسيطة وراسخة وقوية ومستقلة عن الأشخاص، أحزاب سياسية فيها تداول للسلطة وتملك مشروعا سياسيا واضحا. وليست مجرد دكاكين للحصول على مناصب في الدولة وتوزيع المصالح والتعاقدات الحكومية أو الفصائل المسلحة التي تفرض وجودها من خلال تشكيل أحزاب سياسية". كل هذه الأسس ومعظم عناصر ما يمكن إطلاق عليه نظام ديمقراطي "غير موجودة في العراق". فلماذا تمارس هذه الأحزاب العملية الديمقراطية؟

يجيب محللون آخرون: "الأحزاب السياسية تدخل الانتخابات ليس لأنها مؤمنة بالديمقراطية ولا تريد خرق الدستور، بل لأنها خرقت الدستور بالفعل عشرات المرات. لكن لأنها لا تستطيع فرض هيمنتها بسبب وجود الآخر، فإن قواعد اللعبة تفرض عليها القبول بتقاسم السلطة والموارد". ويختم بالقول: "الطريقة الوحيدة لحدوث هذا التقاسم هو من خلال المعادلة الانتخابية والمقاعد التي تفرزها. ولكن كل طرف يمتلك السلاح مستعد لأن يتجه للسلاح في حال حاول طرف ما فرض هيمنته".

اضف تعليق