وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف المولود في طهران عام 1960، اسم برز بشكل كبير في المحادثات النووية بين إيران والقوى الغربية، فلأكثر من 20 شهراً وكما تشير بعض المصادر، قاد ظريف وبأسلوب سياسي مميز ادش الجميع، فريق المفاوضين الإيرانيين خلال المباحثات مع مجموعة 5 + 1 ليحقق بعد ذلك نجاحا مهما استطاع من خلاله ان يفتح أمام بلاده آفاقاً جديدة في السياسة الدولية وفتح صفحة جديدة في علاقة ايران بالغرب. وكان واضحاً منذ تعيين ظريف الذي يتميز بالحنكة والبشاشة وهدوء الأعصاب، في منصب وزير الخارجية آب 2013 أنّ سياسة البلاد الخارجية اختارت منح فرصة للحل الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي.

ويعتبر ظريف شخصية من صلب النظام الإسلامي ومن مؤيدي الدبلوماسية العلنية وذلك بعد أن أمضى أكثر من اثنين وعشرين عاما في الأمم المتحدة، كما انه شارك منذ نهاية الثمانينات في كل جولات المفاوضات الدولية التي خاضتها الجمهورية الإسلامية. ويتمتع ايضا بشعبية كبيرة في بلاده خاصة بين الشباب والمثقفين، ويحمل ظريف شهادة دكتوراه في القانون الدولي من جامعة دينفر في كولورادو بالولايات المتحدة، كما يحمل درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة سان فرانسيسكو. لكن وعلى الرغم من النجاح السياسي الكبير الذي حققه ظريف فهو يواجه انتقادات من العديد من معارضيه في الداخل، الذي وجهوا اليه الكثير من الاتهامات بسب تحركاته وانفتاحه الكبير مع الغرب، وحاولوا عرقلة مسيرته الدبلوماسية وافشالها.

كيري وظريف

وفي هذا الشأن وللوهلة الاولى لا يبدو ان هناك العديد من النقاط المشتركة بين مؤيد سابق للثورة الاسلامية في ايران وبين سناتور ديموقراطي سابق الا ان محمد جواد ظريف وجون كيري توصلا رغم كل العقبات الى ترك بصمتهما في التاريخ. وحتى جسديا فان الرجلين على طرفي نقيض تقريبا، فوزير الخارجية الاميركي طويل ونحيف بينما نظيره الايراني اقصر قامة واكثر امتلاء.

لكن وعلى مر 20 شهرا من المفاوضات الماراثونية المكثفة التي وضعت حدا لازمة دولية مستمرة منذ 12 عاما، تبين ان الرجلين على القدر نفسه من الثبات والحنكة. ومنذ المصافحة التاريخية بينهما في الامم المتحدة في ايلول/سبتمبر 2013، تعارف الوزيران جيدا بعد 50 لقاء حتى انهما باتا يناديان بعضهما البعض باسميهما "جون" و"جواد". لكن اذا كانت الاجواء الودية واضحة وانهما يتبادلان المزاح احيانا، الا ان العلاقة بينهما ظلت رسمية دون ان تؤدي الى صداقة اكثر عمقا.

ولا غرابة في الامر فبلديهما لا يقيمان علاقات دبلوماسية منذ 35 عاما ولا يزالان على خلاف حول عدة مسائل اساسية من بينها دعم ايران لمجموعات مسلحة تصنفها واشنطن ارهابية في الشرق الاوسط. الا ان ظريف على اطلاع واسع بالسياسة الاميركية فقد تابع دراسته في الولايات المتحدة وشغل منصب سفير لبلاده لدى الامم المتحدة بين 2002 و2007 مما يشكل نقطة لصالحه في هذه المفاوضات الشاقة.

وقالت المحللة سوزان مالوني من معهد بروكينغز "لديه قدرة الترويج لسياسات تطرح من وجه النظر الاميركية مشاكل، لكن بطريقة تجعلها مقنعة تماما لا بل مغرية". وظريف ورغم حيازته دكتوراه في القانون الدولي من احدى جامعات الولايات المتحدة الا انه من صلب النظام الايراني "فالامر ليس صدفة ان يكون بلغ منصبا رفيعا كهذا في مرحلة حاسمة مثل الان"، مضيفة ان ظريف شخصية "لامعة".

ولم يتردد الرئيس الايراني حسن روحاني في الاشارة الى فريق المفاوضين مع ظريف بانهم "فنانون" في مهاراتهم الدبلوماسية. الا ان السنوات التي امضاها ظريف في الولايات المتحدة جعلته عرضة لانتقادات المحافظين المتشددين واستبعاده من قبل الرئيس السابق محمود احمدي نجاد في 2007. ورغم عودته الملفتة بعد انتخاب روحاني في 2013، الا ان الصقور الايرانيين لا يزالون ينتقدون "سياسة الابتسامة" التي يقولون انه ينتهجها لانها تقدم تنازلات كبيرة امام الغرب حتى انهم انتقدوا ايضا قيامه بنزهة في شوارع جنيف بصحبة كيري.

وظريف من المسؤولين الايرانيين القلائل الذين لديهم حساب رسمي باللغة الانكليزية على تويتر وهو امر ممنوع مبدئيا في ايران، حتى انه لم يتردد في استخدام موقع يوتيوب لتوصيل رسائله الى الغرب. في الجانب الاميركي، كيري هو بلا شك الدبلوماسي الاميركي الذي اجرى اكبر عدد من الاتصالات مع الايرانيين باستثناء مساعدته ويندي شيرمان. فقد كان منذ 2012 ضمن فريق الدبلوماسيين الذين قاموا بمشاورات سرية مع ايران في عمان حول امكان اطلاق مفاوضات حول ملفها النووي.

وهناك نقطة مشتركة بين ظريف وكيري وهي ان كلاهما مؤمن. وغالبا ما شهدت المفاوضات في فيينا توقفا قصد خلاله كيري الكاثوليكي الكنيسة او ظريف الشيعي المسجد للصلاة. كما ان ظريف لا يتردد في القول انه لا يخشى سوى "الله في العالم". ورغم الاحترام المتبادل الا ان الحوار بينهما غالبا ما كان حاميا وترددت اصداء اللقاءات على حدة في اروقة قصر كوبورغ الذي استضاف المحادثات في فيينا، دون ان يؤدي ذلك الى تهديد الحوار في اي لحظة. بحسب فرانس برس.

الا ان الرهان كان كبيرا. وقالت مالوني ان الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين "المعسكرين الخصمين هو انتصار شخصي ومهني معا". ويشكل هذا الانتصار بالنسبة الى كيري (71عاما) دون شك نجاحا قياسيا في مسيرة شهدت خسارته في الانتخابات الرئاسية امام جورج بوش في 2004 وعدم التوصل الى اتفاق سلام في الشرق الاوسط رغم انه عول عليه كثيرا. اما ظريف الذي يصغره ب16 عاما فالطريق لا تزال طويلة امامه لتحقيق انجازات عدة.

الدبلوماسية الباسمة

الى جانب ذلك فمن الصعب تصوير المحادثات النووية بين إيران والقوى الدولية الست دون وجه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف المبتهج الذي أظهر من خلال التوصل للاتفاق النووي قوة يطلق عليها الإيرانيون تعبير "الدبلوماسية الباسمة". قاد الدبلوماسي البالغ من العمر 55 عاما فريق التفاوض الإيراني لإبرام اتفاق مع القوى الدولية في فيينا بعد مفاوضات دامت قرابة عامين بهدف الحد من برنامج الجمهورية الإسلامية النووي مقابل رفع العقوبات عنها بعد عقود من التوتر مع الغرب.

وقال كريم سجادبور المحلل بمؤسسة كارنجي للسلام الدولي "ظريف هو أنجح دبلوماسي حظت به إيران منذ الثورة." وتابع بقوله "هو الرجل الوحيد في العالم الذي يستطيع أن يتحدث إلى (وزير الخارجية الأمريكي) جون كيري في يوم ثم إلى علي خامنئي في اليوم التالي وأن يقنع كلا منهما بأنه يشاركه وجهة نظره."

واستطاع بوجهه الباسم وإتقانه اللغة الانجليزية أن يبني علاقة وثيقة مع الدبلوماسيين الأجانب ولا سيما كيري الذي ينادي كل منهما الآخر باسمه الأول. وكان أبعد ما يكون عن النبرة التصادمية التي كانت سمة مسؤولي الجمهورية الإسلامية. وقال جون ليمبرت وهو نائب سابق لمساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون إيران "عندما بدأ ظريف وفريقه المفاوضات في 2013 تغيرت الأجواء في الغرفة تماما." وتابع "لكيري وظريف نهج مشابه في الدبلوماسية. ما يثير إعجابي فيهما هو أنهما يدركان أهمية التحلي بالصبر. لديهما قدرة على الإنصات والمثابرة وعدم الاستسلام."

ويألف ظريف الحضارة الغربية نظرا لأنه عاش في الولايات المتحدة مرة عندما كان طالبا في السابعة عشر من العمر وكان يدرس في سان فرانسيسكو ودنفر ثم عندما كان دبلوماسيا لدى الأمم المتحدة في نيويورك حيث كان مندوبا عن بلاده من عام 2002 إلى عام 2007. وأجرى ظريف اتصالات مباشرة مع مسؤولين أمريكيين رغم أن ذلك كان من المحرمات السياسية في إيران الأمر الذي خدمه بقوة خلال التسعينيات عندما شارك في مفاوضات لتحرير رهائن أمريكيين احتجزتهم جماعة حزب الله اللبنانية الموالية لإيران في لبنان.

تآلفه مع النهج الغربي جعله شخصية مثيرة للانقسام في إيران وانهال عليه المتعصبون بالانتقاد لحديثه المباشر مع أعداء الدولة. وقال حسين رسام مستشار الشؤون الإيرانية السابق بوزارة الخارجية البريطانية "أمضى ظريف كل حياته الدبلوماسية تقريبا خارج إيران ولديه فهم جيد للشؤون الدولية.. لكن هذه أيضا نقطة ضعفه." وأظهرت لقطات صورت سرا في مايو أيار وزير الخارجية الإيراني وهو يتجادل بغضب مع نائب وصفه بأنه خائن خلال جلسة برلمانية مغلقة. وفي الشهر الماضي حاول البرلمان الذي يهيمن عليه المحافظون أن يكبله باستصدار قانون جديد يفرض شروطا على أي اتفاق نووي.

ووصفه بعض المتعصبين بالجبن لأنه كان يدرس في الولايات المتحدة خلال الثمانينيات بدلا من الدفاع عن بلده خلال الحرب مع العراق والتي دارت من عام 1980 إلى 1988 حين كان صدام حسين يتمتع بدعم غربي وخليجي. وكرر توم كوتون السناتور الجمهوري الذي يعارض الاتفاق النووي نفس الأقاويل عندما كتب تغريدة لظريف في أبريل نيسان قال فيها "اختبأت في الولايات المتحدة خلال حرب إيران والعراق بينما كان الفلاحون والأطفال يسيرون نحو الموت."

لكن ظريف رد بتهنئة كوتون على الابن الذي كان قد رزق به في الآونة الأخيرة وقال "الدبلوماسية الجادة وليس التشويه الشخصي الاستعراضي هو ما نحتاجه." وكان هذا مثالا على ما وصفه حسين موسويان المفاوض النووي الإيراني السابق بأنه نهج ظريف القائم على عدم التوتر إطلاقا والذي طبقه في المفاوضات.

وبينما ساعد هذا النهج على التقريب بين ظريف ونظرائه الغربيين كان حريصا على ألا يتجاوز سلطاته ودائما ما كان يرجع إلى خامنئي الذي كان يعتمد على دعمه. وواجه ظريف انتقادات من نشطاء إيرانيين في أبريل نيسان عندما قال في مقابلة مع التلفزيون الأمريكي إن إيران "لا تسجن الناس لآرائهم" في تلميح إلى أن الصحفيين والنشطاء المسجونين انتهكوا القانون. وقال سجادبور إن ظريف "لا يملك سلطة وضع الأهداف الاستراتيجية الإيرانية لكنه بارع في إبراز تلك الأهداف في سياق المصالح الوطنية وليس الأيديولجية الثورية." بحسب رويترز.

أما منتقدوه في الداخل الذين يتهمونه بتقديم مسألة تحسين العلاقات مع الغرب على تلك المصالح الوطنية فلهم أن يقرأوا مذكراته الشخصية التي نشرت في عام 2013 تحت عنوان (السيد السفير). كتب ظريف في مذكراته "ينبغي أن تبتسم دائما في المساعي الدبلوماسية .. لكن على ألا تنسى أبدا أنك تحادث عدوا."

وبعد هجمات 11 سبتمبر ايلول 2001 والغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان لعب ظريف دورا رئيسيا في تشكيل الحكومة الافغانية الجديدة وأقنع الاطراف المتحاربة في الدولة الفقيرة المجاورة لايران بالتفاوض. وقال جيمس دوبينز الدبلوماسي الأمريكي الرئيسي في مؤتمر بون الذي مهد لمستقبل أفغانستان "حقق ظريف الانفراجة النهائية التي بدونها ما كانت حكومة (حامد) كرزاي لتتشكل أبدا." وقال دبلوماسي غربي كبير تعامل عدة مرات مع ظريف "كان دوما يحاول فعل كل ما هو ممكن لتحسين العلاقات بشكل بارع وواضح وصريح." واضاف "إنه شخص يعرف الولايات المتحدة جيدا جدا وبرغم كل الاخفاقات في الماضي لا يزال شخصا يعرفونه في واشنطن."

جائزة نوبل للسلام

على صعيد متصل أثار إبرام إيران والقوى الدولية الست لاتفاق نووي أنهى مفاوضات دامت لأكثر من عقد الحديث عن منح جائزة نوبل للسلام مناصفة بين طهران وواشنطن هذا العام رغم الاعتراضات المتوقعة من بعض الأطراف. وكال الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي نال جائزة نوبل في 2009 لدوره في الترويج لمعادة حظر الانتشار النووي المديح للاتفاق مع إيران واعتبره خطوة نحو "عالم أكثر أملا." لكن إسرائيل تعهدت بمحاولة إيقاف ما وصفته "استسلاما تاريخيا."

وسيبدو منح الجائزة المرموقة لكل من واشنطن وطهران سيرا على نهج تقديمها لأسباب تتعلق بالطاقة النووية في سنوات تنتهي بالرقم خمسة في احتفاء بالقصف الذري لمدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في 1945. وقال كارل بيلدت رئيس الوزراء السويدي السابق في تغريدة عبر موقع تويتر بعد الإعلان عن الاتفاق الإيراني "أعتقد أن عمل لجنة نوبل.. هذا العام قد أصبح أكثر سهولة."

لكن تظل شكوك كثيرة بشأن إمكانية منح الجائزة لإيران التي لا تعترف بإسرائيل وتدعم أعداءها وتواجه دائما انتقادات دولية تتعلق بحقوق الإنسان كما قد يصعب مكافأة واشنطن بعد ست سنوات فقط من منح الجائزة لأوباما في أيام رئاسته الأولى وهو قرار اعتبر أصلا لدى اتخاذه غير مبرر. وقد يعتبر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي قاد الفريق الأمريكي في المفاوضات مع إيران وثيق الصلة بأوباما لدرجة يصعب معها منحه الجائزة.

وقال كريستيان بيرج هاربفيكن مدير أوسلو لأبحاث السلام "هناك قيود جادة حين يتعلق للأمر بمرشح إيراني ومرشح أمريكي. "لكني واثق أن لجنة نوبل النرويجية ستدرس الأمر بجدية." وقال آسلي سفين المؤرخ النرويجي والخبير في شؤون الجائزة إن لجنة نوبل ستدرس أيضا على الأرجح جهود السلام بين الحكومة الكولومبية والمعارضة الماركسية المسلحة. وقال "سيصبح لدينا مرشحان أحق إذا سار كل شيء على ما يرام في كلا الاتفاقين."

وأضاف هاربكفين إن الجائزة سيحيط بها شك كبير لو كرم بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أو رئيسه حسن روحاني. وليست وحدها إسرائيل من يرى في إيران تهديدا أبديا لأمنها وللسلام في المنطقة. فحلفاء إيران من الشيعة وحلفاء السعودية من السنة قاتلوا لعشرات السنوات في حروب طائفية بالوكالة في لبنان والعراق وسوريا واليمن. بحسب رويترز.

لكن البعض أشار للتسلسل الذي منحت بموجبه الجائزة كل عشر سنوات بما يخلد ذكرى هيروشيما. وذهبت الجائزة في 2005 للوكالة الدولية للطاقة الذرية وفي 1995 للعالم جوزيف بوتبلات الذي نادى بمنع القنابل وفي 1985 لمجموعة فيزيائيين دوليين من أجل منع الحروب النووية وفي 1975 لأندريه ساخاروف الناشط في مجال حقوق الإنسان والطاقة النووية. وضمت قائمة المرشحين للجائزة في 2015 والتي يبلغ عدد أسماءها 276 مرشحا صحيفة روسيا تنتقد الرئيس فلاديمير بوتين والبابا فرنسيس. ولا شيء يمنع وضع أسماء مسؤولين إيرانيين وأمريكيين في قائمة المرشحين التي ستغلق في فبراير شباط. ويحق لآلاف الأشخاص وبينهم أعضاء في برلمانات وطنية وفائزون سابقون وعدد من الأكاديميين التقدم بترشيحات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0