بقلم: أديتي فيرما، وعلى أحمد، وفرانشيسكا جيوفانيني

في الوقت الذي تشتدُّ فيه الحاجة إلى خفض انبعاثات الكربون، يتعين على قطاع الطاقة النووية الانخراط في حوار مجتمعي بشأن أبحاث المفاعلات، وتصميماتها، وتشريعاتها، فضلًا عن مواقع إنشائها، ونفاياتها.

في شهر مارس الماضي، عَبَرَتْ بنا الذكرى العاشرة لكارثة محطة "فوكوشيما دايتشي" النووية في اليابان، التي تسبَّب فيها زلزال عنيف، وما تبعه من موجات تسونامي العاتية، فيما يُعَد أسوأ حادث نووي بعد كارثة تشرنوبل في عام 1986.

وقع الحادث في وقتٍ كانت تتجدَّد فيه الآمال، ويسوده تفاؤلٌ سابقٌ لأوانه بشأن موجةٍ جديدة من تقنيات الطاقة النووية، والدور الذي يمكن أن تؤديه في تشكيل ملامح مستقبل تنخفض فيه انبعاثات الكربون. وقد أسفر الحادث عن تقليص الإنفاق على تلك الصناعة، وسط تجدُّد المخاوف من الثغرات التقنية والمؤسسية والثقافية التي تعتري البنى التحتية النووية، وإمكانية وقوع أخطاء بشرية عند تصميم تلك النظم المعقدة، وإدارتها، وتشغيلها.

والآن، بعد مرور عقدٍ من الزمان على تلك الكارثة، لا تزال هذه التساؤلات الجادة عالقة، حتى مع احتدام أزمة المناخ أكثر من أي وقت مضى، يصف الكثيرُ من الأكاديميين الطاقة النووية بأنها خيارٌ حتمي، في ظل الحاجة الملحَّة إلى الحد من ظاهرة الاحترار العالمي1. وهناك آخرون يتخذون موقفًا أكثر تحفظًا من الطاقة النووية، أو لا يزالون معارضين لها نظرًا للمخاوف البيئية والاجتماعية2 فقد أقرَّت "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ"، في تقريرها الصادر في عام 2018 بشأن الاحترار العالمي، بالدور الذي يمكن أن تؤديه الطاقة النووية في الحدِّ من ارتفاع درجات الحرارة العالمية، غير أنها سلَّطت الضوء في الوقت ذاته على الدور الحاسم الذي سيلعبه القبول الجماهيري في تعزيز الاستثمارات المخصَّصة لهذا المجال، أو تحويلها إلى مجالات أخرى.

كثيرًا ما يُنظَر إلى مسألتَي السلامة والتكلفة بوصفهما التحديين الرئيسين أمام قطاع الطاقة النووية. صحيحٌ أن التقنيات الجديدة تتصدى لهاتين المسألتين، لكن المفاعلات المبنية استنادًا إلى تلك التقنيات قد لا تدخل حيز الانتفاع التجاري حتى منتصف القرن الحالي. فقد يؤدي بها هذا الإطار الزمني إلى أن تصبح مُتقادمة، مع تزايد هيمنة التقنيات المنافسة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح (إضافةً إلى وسائل تخزينها)3.

ومن وجهة نظرنا، نرى أن ثمة مشكلة أكبر تلوح في الأفق، تتمثل في النُهُج الغامضة والجائرة، القائمة على المصلحة الذاتية، والتي سلكها قطاع الطاقة النووية لأمدٍ طويل في تطوير التقنيات وصنع القرارات. ومن ثمَّ، يجب أن يُطرَح سؤالان حاسمان بشأن مستقبل الطاقة النووية، أولهما: هل سيكون بمقدور هذه الصناعة التغلب على الاستهجان الذي تتعرَّض له من الرأي العام في يوم من الأيام؟ وثانيًا: هل المكاسب التي ستتحقق جديرةٌ بالمخاطر والتكاليف التي سيتكبدها البشر والبيئة على السواء؟

يتعين على القائمين على هذه الصناعة أن يجيبوا عن هذين السؤالين إذا ما أرادوا المضي قدمًا في هذا المجال. وهذا سيتطلب تحوُّلًا جوهريًا في المواقف ووجهات النظر نحو قطاع أكثر شمولًا، ومسؤولية، واستشرافًا للمستقبل.

كيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم؟

في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بدا وقف انتشار الطاقة النووية أمرًا مُستبعدًا، إلى الحد الذي جعل واضعي السياسات والمطوِّرين يتنبؤون بأنها ستصبح "زهيدة التكلفة، حتى أن قياس استهلاكها لن يُفيد في شيء". إلا أن عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين شهدا انخفاضًا حادًا في الاستثمارات الموجَّهة إلى هذه الصناعة. فقد شهدَتْ فترة ركود، بسبب تصاعد المواقف المناهضة للطاقة النووية، والتي تأججت بفعل حادثتي جزيرة ثري مايل (في عام 1979) وتشرنوبل، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التشييد، وتراجع الدعم الحكومي.

وقد ذهبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في توقعاتها التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، إلى أن الطاقة النووية قد تضطلع بإنتاج 430 جيجاواط من الكهرباء، أي قرابة 12% من القدرة العالمية على توليد الكهرباء، بحلول عام 1990، و740-1,075 جيجاواط من الكهرباء، أي نحو 15% من قدرة توليد الكهرباء، بحلول عام 2000 (المرجع 4). وعلى أرض الواقع، لم يبلغ إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية بحلول عام 1999 سوى ثلث الإنتاج المتوقع تقريبًا، إذ وصل إلى 308.6 جيجاواط من الكهرباء5 ومع ذلك، ففي أواخر تسعينيات القرن ذاته، بدأت التوقعات العالمية بحدوث نهضة نووية تنتعش من جديد. وبحلول عام 2010، اتخذت أعمال التشييد منحنى الصعود مجددًا.

ثم حلَّت كارثةُ فوكوشيما! أدى هذا الحادث - جنبًا إلى جنب مع مجموعة عوامل اقتصادية وسياسية أخرى - إلى تفكيك المجمَّعات الصناعية القائمة على الطاقة النووية في العديد من البلدان. فقد صوَّت البرلمان الألماني بالموافقة على التخلص التدريجي من الطاقة النووية، بحيث تُطوى صفحتها تمامًا بحلول العام 2022، وقد جاء هذا التصويت بعد مرور أربعة أشهر على الكارثة التي حلَّت بالمُفاعل. وسار مجلس الوزراء السويسري على النهج نفسه، إذ دعا إلى وقف نشاط مفاعلات الطاقة النووية الخمسة في البلاد. وفي اليابان، نجد أنه من بين المفاعلات الأربعة والخمسين التي كانت تعمل وقت وقوع الحادث، تقرَّر إغلاق 12 مفاعلًا بشكلٍ نهائي، ولا يزال 24 مفاعلًا متوقفًا عن العمل (حتى الآن على الأقل)6.

وفي الولايات المتحدة، أجرت اللجنة التنظيمية النووية الأمريكية (NRC) مراجعةً على تشغيل محطات الطاقة النووية في أعقاب حادث فوكوشيما. وتمخضت هذه المراجعة عن إبراز العديد من المخاوف المتعلقة بالسلامة، غير أن الولايات المتحدة واصلت التزامها بتبني الطاقة النووية. وثمة بلدانٌ أخرى استأنفت إنتاج الطاقة النووية، أو اتخذت خطواتها الأولى نحو إنتاجها.

ويجري حاليًا تشييد نحو 50 مفاعلًا للطاقة النووية في 16 بلدًا حول العالم. وتأتي الصين في صدارة هذه البلدان، بعددٍ يصل إلى 16 محطة نووية تحت الإنشاء، تليها الهند وكوريا الجنوبية. وطبقًا لتقرير عن وضع الصناعة النووية العالمية (WNISR)، الصادر في نهاية شهر فبراير 2021، يوجد 414 مفاعلًا نوويًا عاملًا في 32 بلدًا، وهي تُسهم بنسبة 10.3% من إمدادات الكهرباء العالمية (انظر: go.nature.com/3khsxqj). وإجمالًا، يمكن القول إن صناعة الطاقة النووية ماضية في طريقها، لكنها تواجه الكثير من العثرات. فعلى سبيل المثال، يسلط تقرير وضع الصناعة النووية العالمية الضوء على الركود الكبير الذي يشهده هذا القطاع في الوقت الراهن.

وفي الوقت ذاته، ينظر كثيرون إلى الطاقة النووية باعتبارها جزءًا ضروريًا من حل مشكلة تغيُّر المناخ. وهم يتخذون من تطوير تقنيات جديدة أساسًا لوجهة نظرهم هذه؛ فعلى سبيل المثال، تولِّد مفاعلاتُ الوحدات الصغيرة (SMRs) أقل من 300 ميجاواط من الكهرباء لكل وحدة (ما يكفي لإمداد 200 ألف منزلٍ في الولايات المتحدة بالطاقة). ويقلِّص حجم هذه المفاعلات من احتمالات وقوع الكوارث، وفي الوقت ذاته يتيح تقنين التصميم وإمكانية خفض التكلفة.

وفي الولايات المتحدة، تقترب بعض مفاعلات الوحدات الصغيرة المبرَّدة بالماء من تحقيق الجدوى التجارية. فقد أصبح التصميم الذي ابتكرته شركة "نوسكيل" NuScale، في مدينة تيجارد بولاية أوريجون الأمريكية، أول تصميم يتلقى تقييم السلامة النهائي في عام 2020؛ ومن المُزمع إنشاء أول محطة في ولاية أيداهو بحلول عام 2030. وتعكف شركات أخرى على تصميم جيل جديد (الجيل الرابع) من المفاعلات الأكثر كفاءة وأمانًا، يعتمد أغلبها على مبرداتٍ أخرى غير الماء. ويتعين على هذه المفاعلات أن تقطع شوطًا طويلًا قبل وصولها إلى مرحلة الجدوى التجارية.

ثمة تطوُّرات مثيرة للاهتمام، لكن الجانب الأكبر من الدعم الموجَّه للطاقة النووية يركز على الخصائص الفنية والاقتصادية على سبيل الحصر تقريبًا، على حساب التعاطي مع الشواغل الأخلاقية والمعنوية العالقة. فكثيرًا ما يَغفل أنصار الطاقة النووية عن أوجه التفاوت في كيفية توزيع المنافع والمخاطر الناجمة عن التقنيات النووية على الأصعدة المحلية والإقليمية والعالمية. كما أنهم لا يلقون بالًا للذين يُحرَمون من المشاركة في عمليات صنع القرار بشأن المنشآت النووية المزمع تشييدها، والذين سيطالهم التأثير الأكبر جراء المشكلات الناشئة7.

فعلى سبيل المثال، يأتي قرابة ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي الإجمالي من اليورانيوم من مناجم تقع بمجتمعات يقطنها السكان الأصليون أو بالقرب منها، في الولايات المتحدة وأستراليا مثلًا. وهذه المناجم التي تُركت دون معالجة بعد استغلالها أحدثت تسمُّمًا للأراضي والشعوب، وأثَّرت تأثيرًا بالغًا في سُبل العيش التقليدية (انظر: go.nature.com/37w5be6). بالمثل، ثمة مخاوف تكتنف النفايات النووية، تتعلق بالعدالة والإنصاف، نظرًا لأن المستودعات طويلة الأجل ستتخذ على الأرجح مواقع بعيدةً عن المجتمعات التي تستفيد عادةً من توليد الكهرباء من الطاقة النووية. وكثيرًا ما يعلِّق القائمون على صناعة الطاقة النووية بأن هناك حلولًا فنية معروفة لمشكلة تخزين النفايات. أما على أرض الواقع، فلا تزال الأماكن المعينة التي ينبغي أن تُدفن فيها النفايات وكيفية تنفيذ ذلك محلَّ خلاف كبير.

وفي تناقضٍ صارخ، نجد أن "الصفقات الجديدة الخضراء"، المقترحة في العديد من البلدان، تطمح بشكلٍ واضح وصريح إلى إعادة توزيع الثروة، والعدالة الاجتماعية، والإنصاف البيئي. وفي الولايات المتحدة، وغيرها من البلدان التي طُرحت فيها هذه النقاشات، يتفاوت دعم الرأي العام للطاقة النووية بين مؤيد ومعارض.

"تطرح أجيالُ المصمِّمين الأحدث عهدًا تساؤلاتٍ حول أنواع المفاعلات التي قد يُؤيدها عموم الناس"، لقد فشل قطاع الطاقة النووية على نحوٍ متواصل في إشراك الجمهور بشكلٍ جاد في سُبُل التعاطي مع هذه المخاوف. ويمكن تتبُّع هذا الإخفاق بالرجوع إلى الوراء، وصولًا إلى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. ففي توصيف الدراسات النفسية للمخاطر آنذاك، وُصف عامة الناس بأنهم منساقون وراء العواطف، وغير عقلانيين، ويميلون إلى إغفال الاحتمالات في تقييمهم للمخاطر. وطالبت تلك الدراسات القائمين على قطاع الطاقة النووية إما بتقبل آراء الجماهير عن المخاطر، وتصميم منشآتها تبعًا لها، أو بتوعيتهم8.

وقد اختار القائمون على القطاع النووي المسار الثاني، وعادةً ما يحاولون إشراك الجماهير في المراحل النهائية فقط من الإجراءات الرقابية لمحطات الطاقة النووية، ويركِّزون على توعية الرأي العام بالمخاطر من وجهة نظر القطاع ذاته. وهذه معادلة كَمِّيَّة مباشرة، من شأنها أن تفضي إلى مضاعفة احتمالات حدوث الكوارث والعواقب المترتبة عليها. فهي غالبًا ما تتجنب آراء الجماهير، أو تتجاهلها. فكثير من الناس، مثلًا، على استعدادٍ لقبول المخاطر المألوفة، أو التي يختارونها طواعيةً (مثل ركوب الطائرات، أو التدخين، أو قيادة السيارات) بالمقارنة مع المخاطر غير المألوفة لهم، التي لا يملكون التحكم فيها أو السيطرة عليها. وإزاء الأنشطة الجبرية المحفوفة بالمخاطر، يميل أغلب الناس إلى التقليل من أهمية الاحتمالات، ويحتاجون إلى مستوياتٍ أعلى من الأمان والحماية كي يشعروا بالارتياح.

أفرز هذا النهج المتَّبع من جانب القائمين على قطاع الطاقة النووية - فيما يتصل بالمشاركة المجتمعية - حالةً انقسام عدائي بين الخبراء وعموم الناس. فعلى سبيل المثال، أحدثت كارثة فوكوشيما أثرًا لا سبيل إلى إنكاره في وجدان الجماهير. غير أن القائمين على قطاع الطاقة النووية يسعون دومًا إلى التقليل من جسامة الكارثة، بالتركيز على أنها لم تخلِّف أي خسائر مباشرة في الأرواح. وصحيحٌ أنها لم تُسفر عن وقوع خسائر بشرية مباشرة، إلا أن الاضطرابات التي ألقَتْ بتبعاتها على الأوضاع الاقتصادية للأفراد، وما حدث من انفصام للأواصر الاجتماعية، فضلًا عن الأضرار غير القابلة للإصلاح التي لحقت بالنظم الإيكولوجية – كل هذه تداعيات جسيمة، لا يمكن غض الطرف عنها. فبحسب التقديرات، أدت الكارثة إلى نزوح 165 ألف شخص، وبعد مرور عقدٍ من الزمان، لا يزال نحو 43 ألف شخصٍ غير قادرين على العودة إلى مواطنهم9 وترصد تقييمات مخاطر هذه الصناعة الآثار الاقتصادية لهذه المشكلات وما شابهها، ولكنها لا ترصد عادةً الأضرار الأخرى التي تلحق بالبيئة، وبسُبُل العيش؛ بالنظر إلى أن تلك الأضرار يصعب قياسها كميًا.

لذا، ثمة حاجةٌ ملحة إلى إشراك الجماهير مشاركة حقيقية، تهدف إلى الإنصات لآرائهم، وليس مجرد إقناعهم بوجهات نظر القطاع، بشأن قضايا تبدأ من استخراج اليورانيوم، وصولًا إلى كيفية التعامل مع النفايات النووية.

مسارات متباينة

لا شك في أن إشكاليات الأعباء البيئية والاجتماعية غير المتكافئة ليست حِكرًا على صناعة الطاقة النووية. فاستخراج الليثيوم، على سبيل المثال، لاستخدامه في تقنيات الطاقة المتجددة، وإعادة تدوير الإلكترونيات، يطرح الإشكاليات نفسها. ولكن أداء القطاعات الأخرى كان أفضل من ناحية إشراك الرأي العام في صنع السياسات. فالتحوُّل نحو التصاميم المعنية بالإنسان جارية على قدمٍ وساقٍ منذ أمدٍ بعيد في مجالات هندسية أخرى10 وقد رأينا كيف انصبَّ تركيز مطوِّري الألواح الشمسية على الاحتياجات الفعلية للمستخدم النهائي. وأثمرت هذه النقاشات ألواحًا شبه شفافة، يستطيع المزارعون زراعة المحاصيل أسفلها، وهو ما فتح الآفاق أمام مجال جديد من "الزراعة بالألواح الضوئية".

يواجه قطاع الطاقة النووية عقبةً من نوعٍ خاص، تعترض سبيل تعزيز الطابع الديمقراطي في تقنياتها. فالمفاعلات النووية الكبيرة لا تلائم أنماط المِلكية التي يتبناها المجتمع المحلي، والتي تهدف إلى تطوير بعض مصادر الطاقة المتجددة. ومع ذلك، ثمة أماراتٌ على ظهور نمطٍ في التفكير أكثر إبداعًا؛ فعلى سبيل المثال، يعكف المركز الوطني الأمريكي للابتكار في مجال المفاعلات (NRIC)، الذي انطلق في عام 2019، على دراسة نظرة المجتمعات المحلية التي قد تستضيف المفاعلات المتطوِّرة إلى ما يكتنفها من مخاطر.

وتطرح أجيالُ المصمِّمين الأحدث عهدًا – ومنها الشركات الناشئة، التي يموِّلها مكتب الطاقة النووية التابع لوزارة الطاقة الأمريكية – تساؤلاتٍ حول أنواع المفاعلات التي قد يُؤيدها الرأي العام. وبأخذ حادث محطة الطاقة النووية في فوكوشيما بعين الاعتبار، فقد دفعت هذه التساؤلاتُ المصمِّمين إلى تبنِّي أفكار أكثر إبداعًا، وإيلاء اهتمامٍ أكبر إلى النوعية فيما يتصل بمسألتَي الأمان والمخاطر11. بل يزعم بعض المصمِّمين أنهم تمكنوا من ابتكار مفاعلات من المُستبعد أن تتعرض لحوادث الانصهار الانهياري، أو إطلاقها كمياتٍ كبيرة من الإشعاع.

نحن لا نُطالب بمشاركة عموم الناس في تصميم المفاعلات النووية؛ ولكنَّ آراءهم حول المخاطر المترتبة على المفاعلات – تلك الآراء التي يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار في مرحلة مبكرة من عملية التصميم – ينبغي أن تستند إليها الاختيارات المتعلقة بنُظُم أمان المفاعلات، وإجراءات التخطيط في حالات الطوارئ، ودور الارتجال والتدخل البشري في النظم المعقدة. وبطبيعة الحال، يجب أن يكون للجماهير دور في اتخاذ القرارات المتعلقة بتحديد مواقع المفاعلات الجديدة، والنُهُج المتَّبعة في هذا الصدد، حال وجودها.

نحو مستقبل أكثر شمولًا

إن الغياب المستمر للمشاركة الفعَّالة من جانب الجماهير في الماضي أدى إلى ما يُطلق عليه "الاستئثار التنظيمي"، وهو استمالة الجماعات المعنية بالحوكمة من أجل إعلاء مصالح صناعة الطاقة النووية. ويشيع اعتقادٌ خاطئ مفاده أن هذه الممارسة لا تحدث سوى في البلدان النامية؛ ولكن الأمر ليس كذلك، فهذه الممارسة تتواجد في معظم البلدان بدرجات متفاوتة، تزيد أو تنقص.

فعلى سبيل المثال، ينظر الكثيرون إلى هيمنة قطاع الطاقة النووية على هيئة السلامة النووية اليابانية آنذاك على أنها كانت السبب الكامن وراء وقوع حادث فوكوشيما12 وحتى في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كثيرًا ما ينظر إليها أرباب هذه الصناعة على أنها نموذج قياسي، فإن الجهة الخاصة التي تولَّت وضع الخطة الإماراتية الاستراتيجية للطاقة النووية التجارية هي ذاتها الجهة الاستشارية لهيئة الرقابة النووية بالبلاد؛ ما يُشير إلى تضاربٍ واضح في المصالح.

وتسعى بعض البلدان التي تتكئ على خبرة ممتدة في مجال الطاقة النووية، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى إرساء دعائمها كمزودٍ عالمي للتقنيات النووية. وينبغي التعامل بحذرٍ مع المساعي الرامية إلى تدشين برامج نووية في بلدانٍ تعاني ضعفًا في الحوكمة، مثل نيجيريا وفيتنام والمملكة العربية السعودية. إننا لا ننازع هذه البلدان حقها في تطوير الطاقة النووية، ولكننا نبحث مسألة ما إذا كانت على استعدادٍ لذلك أم لا. فالجهات التي تؤيد استحداث الطاقة النووية في تلك البلدان يتعين عليها أن تقدِّم الدعم في صورة بناء للمؤسسات، وليس مجرد عقود لمبيعات التكنولوجيا. ومن المؤسف أن التمكين الرقابي لا يحظى بقدرٍ وافٍ من الاهتمام أو الموارد.

في كثير من الحالات حول العالم، تُتخذ القرارات المتعلقة بتأسيس البرامج النووية من جانب مجموعة صغيرة من النخبة السياسية، دون إجراء أي تقييمٍ حقيقي للاحتياجات، أو فهمٍ لوضع الطاقة النووية ضمن سياق سياسة الطاقة الوطنية الأوسع نطاقًا، أو اعتبارٍ لرأي الجماهير في التكنولوجيا ومخاطرها. وعادةً ما تنظر الشركات إلى البلدان الجديدة التي ترغب في اقتناء تقنيات الطاقة النووية على أنها لا تملك سوى نزر يسير من المعرفة، أو الاهتمام بعملية تصميم هذه التقنيات وتطويرها. ومن ثمَّ، يبدو أن التوسُّع في تنفيذ مشاريع الطاقة النووية أمرٌ مُدبرٌ ومدفوعٌ برغبة المنتسبين إلى هذه الصناعة في جني الأرباح، والهيمنة على الأسواق، لا لأنها مكوِّنٌ عضوي من مكونات استجابةٍ جماعية لحلِّ مشكلة مجتمعية، مثل تغيُّر المناخ.

فإذا كنا نريد أن تؤدي الطاقة النووية دورًا مؤثرًا في الحد من انبعاثات الكربون، فلا بد من إفساح المجال أمام وجهات النظر التي ظلت مهمَّشة حتى وقتنا الحالي، ومستبعَدة من عمليات التصميم، والتطوير، ووضع السياسات.

اضف تعليق