تفاقمت الازمات والمشكلات السياسية والاقتصادية في لبنان، بشكل كبير في السنوات الاخيرة بسبب استمرار الصراعات والخلافات الحزبية في هذا البلد، الذي اصبح اليوم وبحسب بعض المراقبين، ساحة حرب بالوكالة للعديد من الدول التي تسعى لتحقيق مصالحها من خلال دعم الاحزاب والشخصيات القيادية، التي دخلت اليوم في ازمات جديدة بسبب قضية انفجار بيروت وما اعقبها من تطورات واتهامات وجهت لبعض الشخصيات، وما زال اللبنانيون في انتظار إجابات رغم مرور أشهر على وقوع الحادث الذي كان واحدا من أقوى الانفجارات غير النووية في التاريخ. وانفجرت كمية ضخمة من نترات الأمونيوم في أغسطس آب بعدما ظلت مخزنة بشكل غير آمن لسنوات مما أسفر عن مقتل 200 شخص وإصابة الآلاف ودمر أحياء بأكملها في العاصمة بيروت.

من جانب اخر قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إن الانهيار السياسي والاقتصادي في لبنان يشبه غرق السفينة تايتانيك لكن من دون موسيقى. وأضاف لو دريان في مقابلة نشرتها صحيفة لو فيجارو "لبنان هو تيتانيك بدون الأوركسترا... اللبنانيون في حالة إنكار تام وهم يغرقون، ولا توجد حتى الموسيقى". وأثارت تصريحات لو دريان نبرة تشاؤمية قبل زيارة مقررة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت.

وبدأ صبر ماكرون ينفد مع الساسة اللبنانيين المتناحرين، إذ لا تزال مشاحناتهم على النفوذ تقف عائقا في طريق إصلاحات شاملة يقول المانحون إنها لازمة قبل إرسال مساعدات مالية مقررة تشتد حاجة البلاد إليها. ويُعتقد أن أوركسترا تيتانيك استمرت في العزف، لأطول فترة ممكنة حتى غرقت السفينة في المحيط الأطلسي في عام 1912، في محاولة لمساعدة الركاب على الهدوء وسط الهلاك الوشيك الذي أودى بحياة كل الموسيقيين في نهاية الأمر.

اتهامات وخلافات

وفي هذا الشأن نددت أحزاب لبنانية بارزة بالتهم الموجهة إلى رئيس الوزراء وثلاثة وزراء سابقين في انفجار مرفأ بيروت الأمر الذي يسلط الضوء على حقل الألغام السياسي الذي يواجه التحقيق. وقالت جماعة حزب الله إن التهم تنم عن "استهداف سياسي". ويأتي بيان حزب الله في إطار رد فعل معارض على نطاق أوسع من قبل أطراف مؤثرة تعترض على تهم الإهمال التي وجهها القاضي فادي صوان لدياب والوزراء الثلاثة.

وبعد أربعة أشهر من الانفجار الذي أودى بحياة 200 شخص وتسبب في إصابة الآلاف ودمر أحياء بأكملها، ما زال الضحايا ينتظرون نتيجة التحقيق. وكان زعماء قد تعهدوا بأن يحدث ذلك في غضون أيام. وكان الانفجار الذي وقع في أغسطس آب، أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، ونتج عن كمية هائلة من نترات الأمونيوم المخزنة لسنوات في ظروف لا تراعي إجراءات السلامة والأمان.

واتهم صوان رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، الذي استقالت حكومته بعد الانفجار، وثلاثة وزراء سابقين بالإهمال الذي أفضى إلى الانفجار. وفي زيارة لدياب اتهم رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري القاضي صوان، الذي يقود التحقيق، بخرق الدستور. وتعهد بعدم السماح لأي شخص بالتعدي على "منصب رئيس الوزراء".

وبحسب وثائق كان دياب والرئيس ميشال عون من بين المسؤولين الذين تم تنبيههم في يوليو تموز إلى أن شحنة نترات الأمونيوم تشكل خطرا شديدا. وقال دياب إنه "مرتاح الضمير"، واتهم صوان بانتهاك الدستور. وكذلك فعل علي حسن خليل، أحد الوزراء الثلاثة السابقين والحليف المقرب من حزب الله والمساعد البارز لرئيس مجلس النواب نبيه بري.

وفي حين أعرب حزب الله عن تأييده "المبدئي والتام للتحقيق القضائي النزيه والشفاف في جريمة انفجار المرفأ المروعة"، دعا إلى أن تكون "جميع الإجراءات التي يتخذها قاضي التحقيق بعيده عن السياسة والغرض، مطابقة لأحكام الدستور، غير قابلة للاجتهاد أو التأويل أو التفسير، وأن يتم الادعاء على أسس منطقية وقانونية، وهذا ما لم نجده في الإجراءات الأخيرة".

وأضاف "وبالتالي فإننا نرفض بشكل قاطع غياب المعايير الموحدة والتي أدت إلى ما نعتقده استهدافا سياسيا طال أشخاصا وتجاهل آخرين دون ميزان حق، وحمّل شبهة الجريمة لأناس واستبعد آخرين دون مقياس عدل، وهذا سوف يؤدي مع الأسف الى تأخير التحقيق والمحاكمة بدلا من الوصول إلى حكم قضائي مبرم وعادل". والوزيران السابقان الآخران الموجه لهما اتهامات هما وزيرا الأشغال العامة السابقان غازي زعيتر ويوسف فنيانوس، وهما أيضا من حلفاء حزب الله.

ووصف زعيتر، وهو نائب في البرلمان من كتلة بري، الاتهامات الموجهة إليه بأنها انتهاك صارخ لن يسكت عنه. وشغل زعيتر منصب وزير الأشغال العامة والنقل في عام 2014 ، بعد فترة وجيزة من وصول السفينة روسوس التي تحمل أطنانا من المادة الكيماوية شديدة الانفجار إلى مرفأ بيروت. ولم يعلق فنيانوس بعد على التهم. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على فنيانوس وخليل متهمة إياهما بتمكين جماعة حزب الله التي تعتبرها تنظيما إرهابيا. بحسب رويترز.

ويدور جدل حول ما إذا كان الوزراء يتمتعون بالحصانة في القضية. وأشاد ملحم خلف نقيب المحامين في بيروت بقرار صوان وقال إنه ينم عن شجاعة. وانتقد نجيب ميقاتي، الذي كان رئيسا للوزراء في الفترة من 2011 إلى 2014، الاتهامات، وألمح إلى أنه في حين وُجهت اتهامات إلى دياب تم إغفال عون الذي كان على علم بوجود الشحنة الخطرة. وقال عون في أغسطس آب إنه تم إبلاغه بأمر الشحنة وإنه وجّه الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى إلى ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة.

مقتل الحريري

أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تدعمها الأمم المتحدة حكما على عضو بجماعة حزب الله مدان بالتآمر لقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في تفجير وقع عام 2005 بخمس عقوبات بالسجن المؤبد. وأدين سليم جميل عياش في أغسطس آب الماضي بالقتل وارتكاب عمل إرهابي فيما يتعلق بمقتل الحريري و21 آخرين في الهجوم الذي وقع في بيروت. وجرت محاكمته غيابيا وهو لا يزال طليقا. وبرأته المحكمة من ثلاث تهم لعدم كفاية الأدلة.

وقال القاضي الأسترالي ديفيد ري أثناء قراءة قرار المحكمة "كان الهجوم يهدف لإثارة الرعب في لبنان وهو ما حدث بالفعل... استقر في يقين هيئة المحكمة أنه ينبغي تطبيق أقصى عقوبة وهي السجن المؤبد عن كل من الجرائم الخمس على أن يجري تنفيذها في نفس التوقيت". وأدى اغتيال الحريري إلى دخول لبنان في أسوأ أزماته منذ الحرب الأهلية التي دارت بين 1975 و1990 مما مهد الطريق لسنوات من المواجهة بين القوى السياسية والطائفية المتناحرة.

وكان ممثلو الادعاء قد طالبوا بتطبيق عقوبة السجن المؤبد عن كل جريمة من الجرائم الخمس التي أدين بها عياش. وقال فريق الدفاع عن عياش في وقت سابق إنه سيستأنف الحكم أيا ما كان. وحضر فريق الدفاع ومحامو ضحايا الانفجار الجلسة عبر رابط الفيديو بسبب القيود الناجمة عن تفشي فيروس كورونا. وأصدرت المحكمة، التي يقع مقرها بالقرب من مدينة لاهاي الهولندية، مذكرة توقيف جديدة واستصدرت نشرة حمراء من الشرطة الدولية (الإنتربول) بشأن عياش. بحسب رويترز.

وفي رأي منفصل مرفق بالحكم، أشار ري الذي يرأس هيئة المحكمة إلى "كلمات قوية" صدرت من قادة حزب الله لدعم عياش بعد الكشف عن لائحة الاتهام الموجهة له في 2011، وإلى أن عياش لم يُعتقل في السنوات التالية. وقال ري "من وجهة نظري يقودنا ما سبق إلى استنتاج قوي بشأن من كان يحميه من العدالة طوال هذه السنوات". وطالب ضحايا الانفجار الهائل، الذي أسفر أيضا عن إصابة 226 شخصا، بعضهم بإصابات خطيرة، بإصدار أمر من المحكمة بدفع تعويضات. وقال القضاة إن النظام الأساسي للمحكمة لا يسمح لهم بالأمر بدفع تعويضات سواء من المتهمين أو الدولة اللبنانية لكن المحكمة أوصت بوضع برنامج وطني لتعويض الضحايا.

تظاهرات ومواجهات

في السياق ذاته اندلعت اشتباكات في بيروت بين قوات الأمن وطلاب يحتجون على قرار جامعات خاصة اعتماد سعر جديد لصرف الدولار لتحديد سعر الرسوم الدراسية، ما يعني زيادتها حكما. وقالت بعض المصادر، إن قوات الأمن أطلقت قرب مدخل الجامعة الأميركية في بيروت في حي الحمرا، الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين حاولوا الاقتراب من البوابة الرئيسية.

ورد الطلاب بإلقاء مقذوفات على رجال الشرطة الذين شكلوا درعا بشريا لاعتراض طريقهم. ولم ترد أنباء عن وقوع اصابات. وتأتي الاحتجاجات في أعقاب قرار الجامعة الأميركية والجامعة اللبنانية الأميركية تحديد الرسوم الدراسية بسعر صرف 3900 ليرة لبنانية للدولار، بدلاً من السعر الرسمي (1500 ليرة للدولار) ما يعني زيادة حادة في هذه الرسوم. ويخشى الطلاب أن تحذو الجامعات الأخرى حذوهما وتتسبب بالتالي في نزوح جماعي إلى الجامعات العامة التي تعاني من نقص التمويل والعدد الكبير للمنتسبين.

وتجمع مئات الطلاب في الحمرا خلال النهار في ما أسموه "يوم الغضب الطلابي" ورددوا شعارات مناهضة للحكومة داعين إلى توفير التعليم بتكلفة ميسرة في بلد غارق في أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية 1975-1990. ووفقًا للأمم المتحدة، يعيش أكثر من نصف سكان لبنان في الفقر حالياً. في وقت لاحق أشعل المتظاهرون النار في صناديق القمامة وهاجموا البنوك قبل أن تفرقهم قوات الأمن. بحسب فرانس برس.

وخلال العام، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من ثلثي قيمتها مقابل الدولار في السوق السوداء حيث تم تداول الدولار السبت مقابل 8200 ليرة لبنانية على الأقل. وكان من نتيجة ذلك أن تضاعفت الأسعار عدة مرات.وأوقفت المصارف من جهتها التعامل بالدولار وقيّدت السحب بالليرة اللبنانية. وواجهت الجامعات صعوبة في التعامل مع انخفاض قيمة العملة، ولا سيما بسبب حفاظ الحكومة على السعر الرسمي الثابت.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7