قانون الأمن القومي التي تعتزم الصين فرضه في هونغ كونغ، مايزال محط اهتمام واسع خصوصاً وان هذا القانون المثير للجدل، قد أثار اليوم وبحسب بعض المصادر خلافات وتوترات سياسية بين بكين والدول الاخرى، منها الولايات المتحدة الامريكية ودول الاتحاد الاوروبي، التي تخشى من أنه سيقضي على الحريات والحكم الذاتي في هونغ كونغ. ودعت مجموعة السبع، في بيان، بكين إلى التراجع عن المشروع، إلا أن الصين رفضت ذلك "بشدة"، وهو ما قد يدخلها حرب باردة جديدة على نطاق واسع مع دول اخرى.

وبعد التظاهرات الحاشدة العام الماضي في هونغ كونغ ضد نفوذ بكين، أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ في وقت سابق عن قانون للأمن القومي في هونغ كونغ، ترى المعارضة الديمقراطية المحلية بأنه وسيلة لإسكاتها. ينص على إنشاء وكالة للأمن القومي يرأسها رئيس السلطة التنفيذية في هونغ كونغ. وتتولى كاري لام حاليا رئاسة السلطة التنفيذية، لكن خصومها يعتبرونها خاضعة لبكين.

ويرى بعض الخبراء ان الصين وفي ظل هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها العالم اليوم بسبب الجائحة، تسعى الى فرض ارادتها بشكل كامل على هذا الاقليم الذي يعد من أهم مراكز المال والأعمال والسياحة في العالم وخاصة في آسيا بوصفها منطقة تجارية حرة تضم نحو أربعين ألف مصنع. كما تشتهر بأبراجها العملاقة وناطحات سحابها الشاهقة، وبمينائها الكبير ومعالمها السياحية. وتحركات الحكومة الصينية يمكن ان تتسبب ايضاً في زيادة التوترات والازمات الداخلية والخارجية، خصوصاً وان الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل على عرقلة مثل هكذا قرارات من اجل اضعاف الصين والحفاظ على مصالحها وهيمنتها على منطقة بحر الصين الجنوبي، وهي منطقة استراتيجية باعتبارها ممراً تجارياً محورياً للعالم.

سلطات كاسحة

وفي هذا الشأن ستملك الصين سلطات شاملة في تطبيق قانون جديد للأمن القومي في هونج كونج وذلك وفقا لتفاصيل نُشرت تشير إلى أكبر تغيير في نمط حياة المدينة منذ عودتها إلى الحكم الصيني عام 1997. وأثار القانون المزمع قلق حكومات أجنبية ونشطاء الديمقراطية في هونج كونج الذين يساورهم القلق بالفعل من أن بكين تقوض الحكم الذاتي الذي حصلت عليه المدينة عندما تسلمتها بكين من بريطانيا.

وتشير التفاصيل التي نشرتها وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) إلى أن هونج كونج ستؤسس مجلسا محليا للأمن القومي ليطبق التشريع ترأسه الرئيسة التنفيذية للمدينة كاري لام وتشرف عليه وتوجهه لجنة جديدة من الحكومة المركزية تشكلها بكين. وستضم اللجنة الخاصة بهونج كونج مستشارا للبر الرئيسي للصين. ونص القانون الجديد أيضا على أن الرئيسة التنفيذية لهونج كونج يمكنها تعيين قضاة بعينهم للنظر في قضايا الأمن القومي، وهي خطوة من المرجح أن تزيد قلق بعض المستثمرين والدبلوماسيين وكبار رجال الأعمال في المدينة.

وسعى مسؤولون في بكين وهونج كونج إلى طمأنة المستثمرين بأن القانون لن يقوض الحكم الذاتي الذي تتمتع به المدينة مشيرين إلى أنه يستهدف فقط مجموعة صغيرة من ”مثيري الشغب“ تهدد الأمن القومي. وجرى الكشف عن تفاصيل القانون بعد اجتماعات استمرت ثلاثة أيام للهيئة الرئيسية لاتخاذ القرارات في البرلمان الصيني. ومن غير الواضح متى سيتم تطبيق القانون لكن محللين سياسيين يتوقعون سريانه قبل انتخابات المجلس التشريعي في هونج كونج المقررة في السادس من سبتمبر أيلول. بحسب رويترز.

وقالت الصين، التي ترى تهديدا متزايدا من هونج كونج على أمنها القومي، إن مشروع القانون يهدف إلى مواجهة الأنشطة الانفصالية والتخريب والإرهاب والتآمر مع قوى أجنبية. لكن منتقدين للقانون يخشون أن يؤدي إلى سحق الحريات التي تعتبر أساسية لوضع هونج كونج كمركز مالي عالمي. وتعهدت الصين حين تسلمت هونج كونج من بريطانيا بالسماح للمدينة بدرجة عالية من الحكم الذاتي لمدة 50 عاما بموجب ما يعرف بمبدأ ”دولة واحدة ونظامان“.

وحثت كاري لام الرئيسة التنفيذية لهونج كونج معارضي خطة بكين لفرض تشريع للأمن الوطني في الإقليم على وقف حملة ”التشهير“ به وقالت إن من يشاركون فيها ”أعداء الشعب“. ويعتبر المعارضون القانون أخطر تهديد لصيغة ”بلد واحد ونظامان“. وأطلقت الحكومة حملة لكسب التأييد الشعبي للتشريع بلوحات إعلانية ونشر كتيب يتضمن أسئلة وأجوبة ومقطع فيديو تدافع فيه الرئيسة التنفيذية لام عن القانون ”من أجل الصالح العام“.

تظاهرات متفرقة

الى جانب ذلك نزل آلاف المتظاهرين إلى شوارع هونغ كونغ في تحد للسلطات بعد عام على انطلاق أولى التظاهرات المطالبة بالديموقراطية، في وقت تبدو هذه الحركة في موقع أضعف مع حملات اعتقالات وحظر التجمع المرتبط بفيروس كورونا المستجد واقتراب تطبيق قانون حول الأمن الوطني. وبعد عام عاد المتظاهرون وهم في موقع أضعف مع عزم بكين على تطبيق قانون ينص على معاقبة الأنشطة الانفصالية "الارهابية" والتخريب أو حتى التدخل الأجنبي في هذه المدينة. وتمنع إجراءات الحد من الفيروس التجمعات لأكثر من ثمانية أشخاص.

لكن خرجت مع ذلك تجمعات صغيرة. وتجمع حشد ضم بضعة آلاف من الناس في حي سنترال الراقي، وساروا في تظاهرة مطلقين هتافات. وسارعت شرطة مكافحة الشغب للتدخل وتفريق المتظاهرين بسرعة، ونقذت اعتقالات. وقال متظاهر يدعى مايكل عمره 23 عاما "لقد عانينا الكثير" مضيفا "لكن ينبغي علي مع ذلك إظهار موقفي والقول للنظام إننا لم ننس".

في وقت سابق دعت المنتديات التي تستخدمها حركة الاحتجاج، الحكومة إلى إلغاء القيود المفروضة على التظاهر في مدينة باتت الآن خالية بشكل كبير من الإصابات بالفيروس. وقال جيمي شام من الجبهة المدنية لحقوق الإنسان اللاعنفية "هذه الحركة لم تنته". لكن رئيسة السلطة التنفيذية في هونغ كونغ كاري لام المعينة من قبل بكين قالت إن التظاهرات يجب أن تتوقف. وقالت "لا يمكن لهونغ كونغ أن تسمح بمثل هذه الفوضى" مضيفة أن كل الأطراف يجب أن "تستخلص العبر من ذلك".

وتابعت لام أن "سكان هونغ كونغ بحاجة لاثبات انهم مواطنون متعقلون في جمهورية الصين الشعبية" إذا أرادوا الحفاظ على حرياتهم وحكمهم الذاتي. وكانت هذه المستعمرة البريطانية السابقة اعيدت الى الصين في 1997 بموجب اتفاق يضمن حكما ذاتيا وحريات في هذه المدينة حتى 2047 بحسب مبدأ "بلد واحد ونظامين". وخلال العقد الماضي، انطلقت حركة احتجاج على خلفية مخاوف من قمع الحريات في هذه المدينة المالية، وهو ما نفته بكين على الدوام.

وبحسب الاخصائيين فان هامش المناورة لدى المعارضة في هونغ كونغ بات أضعف منذ السنة الماضية. وقال ليونغ كاي-شي المحلل في الجامعة الصينية في هونغ كونغ "لا أعتقد أن الغضب هدأ كثيرا لكن المشكلة أن العديد من التحركات لم يعد مسموحا بها". وإضافة إلى مطالبتهم بسحب مشروع قانون تسليم المطلوبين يريد المتظاهرون إقامة نظام فعلي للاقتراع العام المباشر وتحقيق مستقل حول تصرف الشرطة.

ويخشى المعارضون أن يؤدي القانون الى قمع سياسي في أراضي هونغ كونغ مماثل لذلك الذي تشهده الصين القارية. وقال كونغ تسونغ-غان الناشط الذي وضع ثلاثة كتب عن حركة الاحتجاج إن "معركة طويلة الأمد" تنتظر سكان هونغ كونغ "الذين يجب أن يكونوا مستعدين لمعاناة وللتضحية أكثر مما فعلوا حتى الآن". وأضاف أن الصين تسعى الى "ارغام سكان هونغ كونغ على الولاء". بحسب فرانس برس.

واعتبر مسؤول صيني رفيع أن مشروع قانون الأمن القومي الجديد في هونغ كونغ سيكون "بمثابة برنامج مضاد للفيروسات" على أراضي المنطقة، مشددا على أن المتظاهرين المطالبين بتعزيز الديموقراطية ذهبوا "بعيدا جدا". وتُعدّ تصريحات تشانغ شياومينغ، نائب مدير مكتب شؤون هونغ كونغ ومكاو في الصين، الأكثر تفصيلا الصادرة حتى اليوم عن مسؤول صيني حول هذا التدبير. واعتبر تشانغ أن "القانون متى دخل حيز التنفيذ سيكون بمثابة برنامج مضاد للفيروسات في هونغ كونغ، وسيضمن تطبيق مبدأ بلد واحد ونظامين بشكل أفضل وأكثر سلاسة واستدامة". وكرر تشانغ في تصريحاته موقف بكين التي تعتبر أن القانون لن يطال إلا "عددا محدودا جدا من الأشخاص".

اوروبا والصين

على صعيد متصل وافق البرلمان الأوروبي على قرار يدعو الاتحاد الأوروبي لإحالة الصين إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي إذا فرضت بكين قانونا جديدا خاصا بالأمن القومي على هونج كونج كما دعا التكتل أيضا لاستخدام نفوذه الاقتصادي لإثناء الصين عن مسعاها. وعبرت حكومات عدة دول في الاتحاد الأوروبي بالفعل عن ”بالغ القلق“ من قانون الأمن الجديد الذي تعتزم الصين تطبيقه في هونج كونج إذ يقول نشطاء مدافعون عن الديمقراطية ودبلوماسيون وبعض رجال الأعمال إنه سيعرض للخطر وضعها الذي تتمتع فيه بحكم ذاتي واسع كما يقوض دورها كمركز مالي عالمي.

وصوت البرلمان الأوروبي على قرار يعترض على القانون الأمني بتأييد 565 عضوا ورفض 34 وامتناع 62 عن التصويت. وتقول أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة إن القانون سيقوض مبدأ ”دولة واحدة ونظامان“ الذي يحدد ملامح الحكم الذاتي لهونج كونج. وقال القرار الذي جرى التصويت عليه إن البرلمان الأوروبي ”يدعو الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، حال تطبيق قانون الأمن الجديد، إلى النظر في رفع قضية أمام محكمة العدل الدولية“ في إشارة لأعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة ومقرها لاهاي.

وقال جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بعد اجتماع عبر دائرة تلفزيونية لوزراء خارجية دول التكتل إن حكومات الاتحاد عبرت عن ”قلقها العميق“ تجاه قانون الأمن الذي ستفرضه الصين على هونج كونج. وقال بوريل في إشارة للحكم الذاتي في هونج كونج ”نعتقد أن هذا يقوض بشدة مبدأ بلد واحد ونظامان“. وتابع في مؤتمر صحفي ”علاقتنا مع الصين تستند إلى الاحترام المتبادل والثقة لكن هذا القرار يضع ذلك موضع شك“.

وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن المتحدث باسم لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الصيني عبر عن احتجاجه القوي على قرار الاتحاد الأوروبي وقال إنه يشوه الحقائق بشكل خطير ويصل إلى حد التدخل الصريح في شؤون هونج كونج. وقرارات البرلمان الأوروبي غير ملزمة لكن المؤشرات السياسية التي تنطوي عليها قد تساهم في تغيير السياسات. ودعا القرار أيضا التكتل إلى بحث إمكانية فرض عقوبات اقتصادية على الصين.

إنهاء العلاقة الخاصة

في السياق ذاته أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يريد إلغاء بعض الامتيازات المعطاة لهونغ كونغ في إطار العلاقة الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة، وذلك على خلفية قانون "للأمن القومي" مثير للجدل تريد بكين فرضه على المستعمرة البريطانية السابقة. وقال ترامب في تصريح أدلى به في حديقة البيت الأبيض واتسم بنبرة حازمة، من دون أن يعطي أي تفاصيل، "لم تحترم الصين الوعد الذي قطعته للعالم بضمان استقلالية هونغ كونغ". وأضاف "إنها مأساة لشعب هونغ كونغ وللصين وللعالم أجمع".

ويأتي هذا التصريح في أجواء من التوتر الشديد. فقد صعد الرئيس الجمهوري لهجته ضد الصين، متهما إياها بالوقوف وراء انتشار فيروس كورونا المستجد في العالم، ووعد بإجراءات انتقامية. وتعتبر واشنطن ودول غربية أخرى أن قانون "الأمن القومي" طريقة مموهة لإسكات المعارضة في هونغ كونغ وتقليص الحريات، وهذا ما تنفيه الصين.

وقال ترامب "أطلب من حكومتي بدء عملية إلغاء الإعفاءات التي تمنح لهونغ كونغ وضعا خاصا". وأضاف "هذا القرار سيكون له تأثير على كل الاتفاقات المبرمة مع هونغ كونغ"، مشيرا خصوصا إلى اتفاق تسليم المطلوبين وبعض الامتيازات التجارية. كما وقع ترامب مرسوما يعلق دخول "بعض المواطنين" الصينيين إلى الولايات المتحدة، في إشارة الى الطلاب الذين وصفهم بأنهم "خطر محتمل" على الأمن القومي الأميركي، مشيرا الى أنه يريد ضمان أمن البحث الجامعي "الحيوي للبلاد. وقال "منذ سنوات، تقوم الحكومة الصينية بالتجسس لسرقة أسرارنا الصناعية".

وقال معهد التعليم الدولي إن الصينيين يشكلون العدد الأكبر من الطلاب الأجانب الذين يدرسون في الولايات المتحدة وكان عددهم يبلغ حوالى 370 ألفا في 2018-2019، أي ثلث الطلاب الأجانب تقريبا. ورأى الحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة في هذا الحزم المباغت وسيلة لحجب فشل الرئيس في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد في البلاد. بحسب رويترز.

وقال كبير الدبلوماسيين الأمريكيين لمنطقة شرق آسيا إن الرئيس دونالد ترامب لديه قائمة طويلة من الردود المحتملة على خطط الصين لفرض قانون للأمن القومي على هونج كونج ومن بينها عقوبات على الاقتصاد وتأشيرات السفر. واتهم ديفيد ستيلويل مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون شرق آسيا بكين باستغلال وباء كورونا لتنفيذ أجندة سياسية عالمية بما في ذلك هونج كونج. وفي إفادة مقتضبة للصحفيين، أحجم ستيلويل عن تقديم تفاصيل الرد الأمريكي الذي قال إنه قرار يعود إلى ترامب لكنه قال إنه سيكون محددا ويهدف إلى تخفيف الآثار على مواطني هونج كونج والشركات الأمريكية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5