مع ارتفاع اعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد في أفغانستان التي تعاني اساساً من مشكلات وازمات امنية واقتصادية وصحية كبيرة، ازدادت المخاوف مخاوف من تفشي الوباء وتحول البلاد إلى بؤرة جديدة لهذا لفيروس القاتل، ويأتي تزايد الإصابات بكوفيد-19 في أفغانستان وكما نقلت بعض المصادر، في أعقاب تصاعد للعنف شهدته البلاد في الأشهر الأخيرة وهو ما حوّل الاهتمام والموارد عن مكافحة الوباء. ويقتصر عمل غالبية مستشفيات البلاد على الرعاية الأساسية ومعالجة الإصابات، وهي تفتقر للخبرات والتجهيزات اللازمة لمعالجة المصابين بالفيروس.

وقد حذر تقرير رقابي سابق، قُدم إلى الكونغرس الأميركي من أن أفغانستان، التي تعاني من ضعف نظام الرعاية الصحية وسوء التغذية والحرب وغيرها من مواطن الضعف، تواجه على الأرجح "كارثة صحية" بسبب فيروس كورونا الجديد. وجاء في التقرير، أن تفشي مرض كوفيد-19 أثر بشدة بالفعل على أفغانستان، بدءاً من تعقيد مبادرة السلام ووصولاً إلى التسبب في إغلاق معابر حدودية مما عطل العمليات التجارية والإنسانية.

وأضاف التقرير "مواطن الضعف العديدة، وفي بعض الحالات الفريدة في أفغانستان من ضعف نظام الرعاية الصحية وانتشار سوء التغذية وسهولة اختراق الحدود والنزوح الداخلي الهائل ومجاورة إيران واستمرار الصراع يجعل من المرجح أن يواجه البلد كارثة صحية في الأشهر المقبلة". وقال سوبكو في رسالة مرفقة بالتقرير إن ارتفاع أسعار الغذاء في البلد الفقير سيفاقم الأزمة على الأرجح. ومع انتشار الجائحة تضغط واشنطن على حركة "طالبان" والرئيس الأفغاني أشرف غني لإطلاق سراح آلاف السجناء المهددين بتفشي الفيروس قبيل محادثات السلام التي كان مقرراً أن تبدأ في العاشر من مارس/آذار.

وساهمت خلافات بشأن وتيرة إطلاق سراح السجناء وعددهم في تعثر جهود السلام التي قد تواجه انتكاسة كبيرة إذا مات عدد كبير من السجناء. ونقلت تقارير إخبارية إنّ أفغانستان أكدت اكثر من 27 ألف إصابة، بينها 500 وفاة، ويقدر حاكم كابل وجود ما يقرب من مليون مصاب في العاصمة وحدها، وحذر من حدوث ما وصفها بكارثة، مشيرا إلى تقارير عن ارتفاع عدد الوفيات وقيام أشخاص بدفن جثث ليلا.

كارثة صحية

وفي هذا الشأن حذّر مسؤولون أفغان من "كارثة قادمة" مع قرب وصول القدرة الاستيعابية لمستشفيات البلاد إلى حدها الأقصى جراء تزايد الإصابات بفيروس كورونا المستجد. وقال وزير الصحة الأفغاني أحمد جواد عثماني في مؤتمر صحافي إن نسبة إشغال "أسرة (المستشفيات) على وشك بلوغ حدها الأقصى، قريبا جدا لن تكون لدينا أي قدرة" على استقبال مزيد من المرضى. وقال مسؤولون إن أعداد الإصابات فاقت التوقعات لا سيما في العاصمة كابول، البؤرة الأساسية للوباء في البلاد.

وفي مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الصحة قال حاكم ولاية كابول محمد يعقوب حيدري "هناك كارثة قادمة". وقال إن عدد الإصابات بكوفيد-19 في كابول لوحدها قد يتخطى المليون. وقال حيدري "لدينا تقارير عن تزايد الوفيات التي يشتبه بأنها ناجمة عن الوباء، وعن دفن ليلي للجثث". وتابع "نملأ ما بين عشرة و15 سيارة إسعاف بالموتى يوميا". وعلى الرغم من إغلاق تام فرضته السلطات، تزايدت الإصابات بكوفيد-19 وسط تجاهل كبير للتدابير من قبل السكان الذين هم بغالبيتهم من المياومين ويفضلون المجازفة بالتعرض للمرض على خسارة يوم عمل. بحسب فرانس برس.

لكن الوزير قال إنه ستتشدد السلطات في فرض التقيّد بوضع الكمامات والتباعد الاجتماعي للأشهر الثلاثة المقبلة لكبح تفشي الفيروس. ويقول خبراء إن قدرة أفغانستان على إجراء الفحوص تقتصر على نحو 20 بالمئة من الحالات التي يشتبه بأنها إصابات بكوفيد-19. وأورد بيان للجنة الإنقاذ الدولية أن "ما بين 80 و90 بالمئة من الحالات المحتملة لا يتم فحصها"، وذلك استنادا إلى أرقام وزارة الصحة التي قالت إنها تتلقى ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف عينة يوميا. وحذّرت اللجنة من أن أفغانستان على شفير أزمة صحية بعد تزايد الحالات المؤكدة في أيار/مايو. وكشفت اللجنة أن نسبة النتائج الإيجابية للفحوص في أفغانستان (نحو 40 بالمئة) هي من بين الأعلى عالميا، ما يؤشر إلى ارتفاع معدلات الإصابات التي لا يتم رصدها.

استهداف المستشفيات

من جانب اخر أعلنت منظمة أطباء بلا حدود أنها ستوقف انشطتها في مستشفى في كابول حيث قتل مسلحون الشهر الماضي 25 شخصا، بينهم أمهات، في اعتداء مروع على مركز للتوليد. وأعربت المنظمة، المتخصصة في تقديم المساعدات الطبية، عن خشيتها من أن تتحول هدفا لهجوم آخر بعد الهجوم على مستشفى دشتي بارشي في كابول في 12 أيار/مايو.

ودهم ثلاثة مسلحين المنشأة في هجوم في وضح النهار أثار تنديدا دوليا وتسبّب بصدمة في بلاد اعتادت على الحرب منذ عقود. وأوضحت المنظمة التي تدير مستشفى التوليد أنّ 16 من الضحايا أمهات "ٌقتلوا في شكل منهجي" في الاعتداء الذي استمر لساعات. وذكرت "أطباء بلا حدود" أنّ المنشأة كانت أحد أكبر مشاريعها في العالم وشهدت ولادة 16 ألف طفل في العام 2019 فقط.

لكنّ المنظمة أعلنت أنها قررت وقف كافة أنشطتها في المستشفى خشية استهدافها مجددا. وقالت المنظمة في بيان إنّ "القرار جاء على أساس أنه فيما لم تظهر معلومات عن الجناة أو دوافع الهجوم، فإنّ الأمهات والأطفال الرضع وموظفي المستشفى كانوا هدفه المتعمد وأنّ هجمات مماثلة ربما تحدث في المستقبل". ولم تعلن أي حركة مسؤوليتها عن الهجوم، لكنّ الرئيس الأفغاني اتهم طالبان ومتشددي تنظيم داعش بالوقوف خلفه، فيما اتهم المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان زلماي خليل زاد تنظيم داعش.

وقال المدير العام لأطباء بلا حدود تيري الافورت دوفيرج "كنا ندرك أن وجودنا في دشت بارشي ينطوي على مخاطر، لكننا لم نستطع تصديق أن شخصًا ما سيستغل الضعف المطلق لنساء على وشك الولادة ويقتلهن مع أطفالهن". وتابع أنّ "الجدران العالية السميكة لن تمنع حدوث مثل هذه الهجمات المروعة مرة أخرى". ويقع مستشفى التوليد في غرب كابول، حيث يعيش أفراد أقلية الهزارة الشيعية التي تتعرض باستمرار لهجمات تنظيم داعش. وقالت أطباء بلا حدود إن إغلاق المستشفى من المتوقع أن يؤثر على أكثر من مليون شخص. بحسب فرانس برس.

ولم يكن الهجوم على المستشفى أول استهداف لمنظمة أطباء بلا حدود في أفغانستان. وأوردت المنظمة أن أكثر من سبعين من أفرادها ومرضى كان يتلقون علاجا في اطار برامجها الصحية قتلوا في أفغانستان على مدى السنوات الـ 16 الماضية. وفي تشرين الأول/اكتوبر 2015، دُمر مستشفى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود في ولاية قندز في شمال البلاد جراء غارة جوية أميركية أدت إلى مقتل 42 شخصا.

مهمة شاقة

على صعيد متصل تفاخرت طالبان باستعدادها لمحاربة فيروس كورونا المستجدّ حين وصل إلى أفغانستان لأول مرة، لكن الحركة المتمردة تكافح الآن لكبح انتشاره في معاقلها. ولأشهر، لم يتمكن حبيب رحمن، أحد سكان منطقة تسيطر عليها طالبان في ولاية هلمند في جنوب البلاد، من الخضوع لاختبار طبيّ للتأكد إذا كان سعاله المستمر مرتبطاً بالفيروس. وقال رحمن البالغ 32 عاما الذي يملك محل بقالة في ولاية هلمند "أعاني من السعال والحمى وألم في الصدر".

وتابع "لا يوجد مركز هنا لتشخيص أو علاج مرضى فيروس كورونا ولا يوجد أي جهد لتوعية الناس بالمرض".

وقال المحلل المستقل أحمد سعيدي إن النقص العام في وسائل الاختبار والتجهيزات الطبية والنظام الصحي المتدهور يزيد من تفاقم المشكلات في معالجة انتشار الوباء. وأدت سنوات الحرب الطويلة في أفغانستان إلى تدهور القطاع الصحي، ما أعاق حرب الحكومة ضد كوفيد-19. وفي محاولة لتعزيز روايتها بأنها قادرة على إدارة أفغانستان أفضل من الإدارة الحالية المتعثرة، أطلقت طالبان حملة للتصدي للفيروس في آذار/مارس.

ونشرت الحركة صوراً على الإنترنت تظهر المتمردين يوزعون الكمامات والصابون على السكان القرويين، لكن دون الالتزام بتدابير التباعد الاجتماعي. وفي إحدى الصور المنتشرة، يفحص مسلحون ملثمون يرتدون بدلات واقية بيضاء درجات حرارة السكان ويقدمون شرحا عن النظافة الشخصية، فيما ظهرت بندقية رشاشة على طاولة قريبة. ودخل الفيروس أفغانستان مع عودة مهاجرين مصابين من إيران المجاورة، الدولة الأكثر تضررا في المنطقة، وأمرت طالبان مئات العائدين بالدخول في حجر صحي.

وفي بعض المناطق التي يسيطرون عليها، سمح المتمردون لمسؤولي الصحة الحكوميين بمراقبة انتشار الفيروس، وهو أمر نادر للحركة المسؤولة عن قتل العشرات من الأطباء على مر السنين. ولكن منذ أسابيع، يشكو سكان مقاطعات مثل قندوز وهلمند وأوروزغان وقندهار، حيث تسيطر طالبان على مناطق واسعة، من أنّ الحركة تخلت عنهم ليواجهوا مصيرهم. وفي قندوز، حيث خاض المسلحون معركة ضارية قبل وقف إطلاق نار قصير في أنحاء البلاد الشهر الماضي، منع المتمردون الأطباء من الدخول لمعالجة المرضى.

وقال صبغة الله وهو طبيب من منطقة مجاورة "قالوا (طالبان) إنهم سيتعاملون مع الفيروس بأنفسهم". وأعرب عن قلقه إزاء نقص الوعي لدى السكان فيما يتعلق بالنظافة الشخصية. وأفاد حاج قدرة الله أحد سكان هلمند إنه شاهد أخيرا مجموعة من مقاتلي طالبان يصورون مقطع فيديو ترويجياً في عيادة الحي، لكنهم لم يعودوا أبدا. وقال "لم أر أي شخص يفعل أي شيء لرفع مستوى الوعي حول الفيروس هنا".

ويصر قادة طالبان على أنهم يساعدون في مكافحة الفيروس. وقال حافظ محمد قائد طالبان إنّ "الأشخاص الذين يعانون من حمى شديدة وسعال وألم في الجسم ... يتم نقلهم إلى ترينكوت" في إشارة إلى عاصمة إقليم أوروزغان. وحتى خلال حكم طالبان في أواخر التسعينات، تضرر القطاع الصحي في أفغانستان من ضعف البنية التحتية وقلة المساعدات الدولية والأطباء الذين يتقاضون أجوراً زهيدة. وينتشر الوباء أيضا عبر حركة طالبان نفسها، حيث يعتقد أن العديد من قادتها مرضى بكوفيد-19، حسب تقارير وسائل الإعلام الدولية. لكن الحركة تنفي إصابة أي من كبار قادتها بالفيروس القاتل. بحسب فرانس برس.

وقال المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد إن المسلحين وزعوا كتيبات توضح كيفية منع انتشار العدوى. وأفاد مجاهد أنّ "فرقنا المتنقلة باستخدام الدراجات النارية تنقل الاشخاص الذين يعانون من أعراض الى المستشفيات". لكن الخبراء قالوا إن المتمردين يواجهون مهمة شاقة. وقال مسؤول الصحة حميد أحمدي "لا توجد سيارة إسعاف أو فريق محترف يمكنه علاج هؤلاء المرضى المشتبه بهم أو اخذ عيناتهم".

مساعدات اوروبية

في السياق ذاته وكما نقلت بعض المصادر أعلن الاتحاد الأوروبي تخصيص حزمة مالية جديدة بقيمة 39 مليون يورو (9ر43 مليون دولار) لتعزيز الاستجابة لمكافحة فيروس (كورونا المستجد – كوفيد 19) وكذلك مساعدة ضحايا الحرب والنزوح القسري والكوارث الطبيعية في أفغانستان. كما قرر الاتحاد الأوروبي إقامة جسر جوي بين دوله وأفغانستان لمساعدة السلطات في هذا البلد على التصدي لفيروس كورونا وتداعياته، وذلك ضمن اطار توجه الاتحاد للتعامل مع الجائحة على المستوى الدولي. وكان الاتحاد الأوروبي قد قدم منذ عام 2019 مساعدات إنسانية واغاثية بقيمة 100 مليون يورو لأفغانستان.

وقالت المفوضية الأوروبية فإن رحلة ضمن جسر جوي إنساني غادرت في وقت سابق ماستريخت بهولندا إلى العاصمة الافغانية كابول في اطار الاستجابة العالمية التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي تجاه جهود مكافحة الجائحة. واوضحت أن الرحلة شملت نقل 100 طن من المواد المنقذة للحياة لدعم جهود الشركاء الإنسانيين الذين يمولهم الاتحاد الأوروبي في أفغانستان.

وأشارت إلى أن الرحلة ممولة بالكامل من الاتحاد الأوروبي وأنها جزء من رحلات الجسر الجوي الجارية إلى مناطق "حرجة" من العالم. وقال مفوض الاتحاد الأوروبي لإدارة الأزمات جانيز لينارسيتش في البيان "إن الاتحاد الأوروبي يواصل في هذا الوقت العصيب الوقوف إلى جانب أكثر الفئات ضعفاً في أفغانستان". وأوضح أن "الاتحاد الأوروبي يقدم من خلال هذا الجسر الجوي مساعدات حيوية مثل الغذاء والمياه والمأوى لضمان وصول المساعدات لأكبر عدد ممكن من الناس والمساعدة في دعم شعب أفغانستان".

وأشار البيان إلى أنه يوجد نحو 5ر3 مليون شخص من بين سكان افغانستان البالغ عددهم 38 مليون نسمة بحاجة إلى الخدمات الصحية الأساسية. كما لفت إلى أن هناك حوالي 5ر13 مليون شخص ليس لديهم ما يكفي من الطعام فيما يحتاج تسعة ملايين شخص على الأقل إلى مساعدات غذائية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6