على الرغم من استقالة الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي، ماتزال التظاهرات والاعتصامات الشعبية السلمية متواصلة في العاصمة بغداد والعديد من المدن الاخرى، هذه الاحتجاجات الشبابية الدامية كما نقلت بعض المصادر والتي راح ضحيتها اكثر من 500 شهيد وأكثر من عشرين ألف جريح، هي احتجاجات اصلاحية تهدف الى تغير الواقع السياسي بشكل عام في هذا البلد، فاستقالة عبد المهدي التي جاءت بعد يوم دام شهده العراق اسفر عن سقوط اكثر من 45 متظاهرات في ذي قار والنجف. ليست بالأمر المهم فالمطلوب هو إجراء تغيير شامل يهدف الى تعديل الدستور وقانون الانتخابات، وإجراء انتخابات نزيهة مبكرة، وإنهاء التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي، ومحاسبة المسؤولين الحاليين والسابقين من المتهمين بشبهات فسادٍ إداري ومالي.

وكان المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني أعرب عن أسفه للاعتداءات التي وقعت على المتظاهرين في الآونة الأخيرة لاسيما في الناصرية والنجف، ودعا مجلس النواب إلى أن "يعيد النظر في خياراته" في إشارة إلى سحب الثقة من الحكومة. الحراك الاحتجاجي المتواصل في العراق وكما يرى بعض المراقبين دفع الكثير من الكتل والاحزاب الى تقديم تنازلات كبيرة في سبيل تهدئة الشارع العراقي، الذي يطالب بإيجاد شخصية وطنية مستقلة وقوية قادرة على تلبية مطالب الشعب ورفض التدخلات الخارجية، لكن البرلمان العراقي المبني على أساس المحاصصة وكما يرى بعض الخبراء، لن يأتي بأحد من خارج الكتل السياسية ولن يستجيب بسهولة للاحتجاجات للإتيان بشخص مستقل، وهذا ما سيثير الشعب الثائر وربما سيؤجج الأزمة."

ومع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية لتكليف مرشح جديد تشكيل الحكومة، خلفاً لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، ولا يبدو حتى الآن أن هناك ملامح اتفاق سياسي في الأفق. فقد انتهى اجتماع استضافه رئيس الجمهورية برهم صالح، بحضور زعماء الكتل والأحزاب السياسية الرئيسة، من دون نتائج، إذ لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن المرشح الجديد. وقالت المصادر إن النقاشات في الكواليس السياسية محصورة بين مرشحين اثنين، وهما وزير النفط الأسبق إبراهيم بحر العلوم، ووزير التعليم العالي حالياً قصي السهيل، لكنّ أياً منهما لا يملك حظوظاً كبيرة.

حكومة جديدة

وفي هذا الشأن بدأ السياسيون في العراق جولة مفاوضات على أمل التوصل لاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، فيما تتواصل الاحتجاجات المناهضة للسلطة مع المطالبة بتغيير كامل الطبقة السياسية، بدأت الأحزاب السياسية إجراء اجتماعات و"لقاءات متواصلة" لبحث المرحلة المقبلة في البلاد، حسبما أكد مصدر سياسي رفيع. وعلى البرلمان، الذي تعرض لشلل هو الأطول في تاريخ العراق الحديث، التوصل إلى اتفاق على تشكيل حكومة تضمن توازن القوى وموافقة جميع الأطراف السياسية.

وعقب مضي اكثر من شهرين على أول حركة احتجاجات عفوية انطلقت في بغداد ومدن جنوب العراق، ولدت القناعة لدى الكوادر السياسية العليا في البلاد، بأن "المظاهرات أقوى من التدخل الأجنبي". وتصاعدت مطالب المحتجين الذين ما زالوا يسيطرون على ساحات التظاهر، بعدما كانت تقتصر على فرص عمل وخدمات عامة، إلى إصلاح شامل للمنظومة السياسية التي نصبتها الولايات المتحدة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

وأصبح تغيير الطبقة السياسية المتهمة بالفساد وتبخر ما يعادل ضعف الناتج المحلي للعراق الذي يعد بين أغنى دول العالم بالنفط، مطلبا أساسيا للمحتجين الذين يكررون اليوم في كل المدن رفضهم بقاء "الفاسدين" و"جميع السياسيين" الحاليين. ووقف تحالف "سائرون"، الكتلة السياسية الأكبر في البرلمان، وتحالف "النصر" الذي يرأسه رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، إلى جانب المحتجين عبر رفضهم المشاركة في المفاوضات الحالية. وصوت البرلمان العراقي في وقت سابق لصالح قبول استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وقال نواب إن حكومة عبد المهدي، بمن فيهم رئيس الوزراء نفسه، ستظل تباشر تصريف الأعمال بعد تصويت لحين اختيار حكومة جديدة. بحسب رويترز.

وسط هذه الأجواء، أكد الرئيس العراقي برهم صالح خلال استقباله رؤساء الكتل النيابية على أهمية الالتزام بالتوقيتات الدستورية لحسم ترشيح رئيس لمجلس الوزراء، وقال إن الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة يجب أن تكون على كفاءة كبيرة وقادرة على إنجاز استحقاقات الإصلاح المطلوبة، وتم التشديد خلال اللقاء ايضاً على رفض العنف، ومواجهة الخارجين عن القانون الذين يستهدفون الاحتجاجات السلمية وتأمين الحقوق الدستورية في التظاهر وحماية المتظاهرين السلميين.

حماية المتظاهرين

الى جانب ذلك قال الجيش العراقي إنه سينشر قواته في مركز مدينة بغداد "لحماية المتظاهرين" بعد اعتداء مسلحين مجهولي الهوية عليهم، ما أسفر عن استشهاد 20 شخصا على الأقل. ونسبت وكالة الأنباء العراقية إلى قائد عمليات بغداد في الجيش العراقي أن "وحدة عمليات بغداد" قد تلقت أوامر بالانتشار والسيطرة على ميدان الكيلاني وجواره لحماية المحتجين السلميين". وفتحت وزارة الداخلية تحقيقا في عملية إطلاق النار في منطقة جسر السنك.

ويذكر أن جسر السنك الذي يؤدي إلى المنطقة الخضراء المحصنة والتي توجد فيها الدوائر الحكومية والسفارات شهد أحداث عنف في الأسبوعين الماضيين. ويقدر تقرير صادر عن المفوضية العراقية العليا لحقوق الإنسان عدد الشهداء منذ بداية الاحتجاجات في العراق بـ 460.

ونشرت منظمة العفو الدولية تفاصيل أدلى بها شهود عيان حول الهجوم الاخير وأكدت الصور المتاحة التي أظهرت وصول المسلحين إلى موقع الهجوم، والتي قالت المنظمة إنها اطلعت عليها، شهادات المواطنين.

ووصف الشهود وصول عدد كبير من المسلحين في عربات نصف نقل، واختلط بعضهم بالمحتشدين وقاموا بطعنهم وأشعلوا النيران بأجزاء من مرآب السنك للسيارات. وقالت لين معلوف، مديرة الأبحاث لمنطقة الشرق الأوسط في المنظمة "تؤكد الشهادات التي جمعناها وصول مجموعة من الأشخاص المدججين بالسلاح في قافلة من السيارات، بعد أن تمكنوا من اجتياز نقاط التفتيش في المدينة لارتكاب المجزرة".

وقال أحد شهود العيان للمنظمة "جاؤوا من أجل القتل. أطلقوا النار على الفور. استهدفوا الناس وأطلقوا النار عليهم مباشرة وليس في الهواء. ونقلت العفو الدولية عن صحفي قوله "كان الأمر مرعبا. كان الوضع هادئا وعلق المحتجون أهمية على كونهم منظمين وسلميين. أحس الجميع بالقوة بعد استقالة رئيس الوزراء وبعد أن حمت العشائر المحتجين في الجنوب". وأضاف "من قام بهذا الفعل لم يكن يريد استمرار هذا. أرادوا أن يخشى المحتجون من النزول إلى الشارع وتحدي الوضع القائم. الآن نعتقد أن هذا الهجوم لن يكون الأخير". وعلق الشاهد قائلا "لأنه لا يمكن فصل الإنترنت فترة أطول، هم الآن يريدون تركنا في الظلام، لكننا رأينا كل شىء". وقال شاهد آخر "كنت هناك ورأيت بنادق كلاشنيكوف. رأينا وسمعنا الرشاشات.، ورأيت مخزن رصاص فارغا. كان هناك سبعة رشاشات على الأقل على ظهر عربة نصف النقل".

من جانب اخر قال نواب من تحالف سائرون الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر إن صاروخا أطلقته طائرة مسيرة استهدف منزل الزعيم وذلك في أعقاب إحدى أدمى الليالي التي شهدتها العاصمة العراقية في الأسابيع الأخيرة. ولم يسفر هجوم الطائرة المسيرة عن أضرار تذكر ولم يؤد لسقوط ضحايا وجاء بعد هجوم دام شنه مسلحون في بغداد وخلف ما لا يقل عن 23 شهيدا حسبما قالت الشرطة ومصادر طبية . وقالت المصادر إن نحو 132 شخصا آخرين أصيبوا بالرصاص وأعمال الطعن خلال الهجوم الذي استهدف المحتجين على جسر السنك قرب ساحة التحرير.

ومع استمرار التظاهرات أُغتيل ناشط مدني بارز برصاص مجهولين في مدينة كربلاء المقدسة بينما كان في طريق العودة إلى منزله. وكان فاهم الطائي (53 عاماً)، يشارك منذ الأسابيع الأولى في الاحتجاجات المطالبة بتغيير الطبقة السياسية التي تحتكر الحكم في العراق منذ 16 عاماً. وتداول عراقيون شريط فيديو لكاميرا مراقبة في الشارع، يُظهر الطائي وهو يترجل عن الدراجة النارية، وتصل خلف دراجة نارية أخرى يستقلها شخصان. بحسب فرانس برس.

وبدا الراكب على الدراجة الثانية وهو يطلق النار على الطائي مرتين على الأقل بمسدس حربي مزوّد بكاتم للصوت، قبل أن يُطلق السائق النار أيضاً. وكان الطائي، وهو متزوج ولديه أطفال، من المنتقدين علناً للتهديدات التي يتعرض لها الناشطون. وتعرض ناشطون في بغداد وأماكن أخرى لتهديدات وعمليات خطف وقتل، ويقولون إنها محاولات لمنعهم من التظاهر. كما اتهمت منظمة العفو الدولية السلطات العراقية بأنها فشلت في وضع حدّ لاعتقالات الناشطين والصحفيين والمتظاهرين، بما يظهر تسامحها مع تلك الانتهاكات، مشيرة إلى تَعرُّض الناشطين في جميع أنحاء العراق لحملة تخويف لا هوادة فيها منذ 1 أكتوبر/تشرين الأول الماضي".

وقالت منظَّمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير، إن سبعة أشخاص على الأقل، بينهم صبي سنّه 16 عاماً، فُقدوا من ساحة التحرير ببغداد أو بالقرب منها، منذ 7 نوفمبر/تشرين الأول الماضي في أثناء مشاركتهم في المظاهرات المستمرة في العاصمة. وتقول الحكومة العراقية إنها تفرج عن المعتقلين الذين لا يثبت تَورُّطهم في أعمال إجرامية من المتظاهرين، كما تعهدت بملاحقة من يقف خلف عمليات الاختطاف وتقديمهم للمحاكمة.‎

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1