مع تواصل الاحتجاجات الشعبية في لبنان للمطالبة بحكومة تكنوقراط ورحيل الطبقة السياسية بأكملها ومعالجة الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد منذ سنوات، يرى بعض المراقبين ان الاوضاع الحالية وفي ظل عجز السلطة عن تلبية المطالب الشعبية بسبب غياب التوافقات و التدخلات الخارجية، يمكن ان تشهد تصعيد خطير خصوصا وان الفترة الاخيرة كما نقلت بعض المصادر قد شهدت حدوث بعض الاشتباكات الأخيرة بين المتظاهرين والقوى الامنية وانصار بعض القوى والاحزاب، وهو ما اثار قلق ومخاوف الكثير من الاطراف داخل وخارج لبنان، حيث دعا مجلس الأمن الدولي في بيان الى الحفاظ على "الطابع السلمي للاحتجاجات" في لبنان.

وتابع البيان الذي وافق عليه المجلس بالاجماع خلال اجتماع عادي حول لبنان ان الدول الاعضاء "تطلب من جميع الأطراف الفاعلة إجراء حوار وطني مكثف والحفاظ على الطابع السلمي للتظاهرات عن طريق تجنب العنف واحترام الحق في الاحتجاج من خلال التجمع بشكل سلمي". وأضاف أن دول المجلس "تشيد بدور القوات المسلحة اللبنانية وغيرها من المؤسسات الامنية في الدولة للدفاع عن هذا الحق". كما أكد مجلس الأمن "أهمية ان تشكل في وقت سريع حكومة جديدة قادرة على الاستجابة لتطلعات الشعب اللبناني واستعادة استقرار البلاد ضمن الإطار الدستوري".

فتح الطرقات

وفي هذا الشأن قام الجيش اللبناني وقوى الأمن صباح الإثنين بفتح طرق بالقوة أغلقها المتظاهرون، غداة اشتباكات بين بين متظاهرين معارضين للحكومة ومؤيدين لحزب الله وحركة أمل، استخدمت فيها الحجارة وتخللتها عمليات تخريب طالت ممتلكات وسيارات. وإثر ذلك، عملت وحدات من الجيش وقوى الأمن على تشكيل درع بشري للفصل بين الطرفين، لكن الاستفزازات من الجانبين تصاعدت. وألقى المهاجمون الحجارة على العسكريين والمتظاهرين والإعلاميين في المكان. وأفاد الدفاع المدني عن نقل عشرة جرحى إلى مستشفيات المنطقة. بحسب فرانس برس.

وفي وقت لاحق نجحت القوى الأمنية في تفريق المتجمعين بعد إطلاق الغاز المسيل للدموع. وقطع متظاهرون طرقا عدة خصوصا في منطقتي البقاع شرقا وفي طرابلس وعكار شمالا، وفي بيروت ومناطق شرقها، قبل أن يعيد الجيش فتح عدد منها. يذكر أن الاحتجاجات غير المسبوقة يشهدها لبنان، فيما ترواح الأزمة السياسية مكانها وسط كباش بين القوى الرئيسية على وقع انهيار اقتصادي ومالي، رغم تحذيرات المجتمع الدولي ودعوته للإسراع بتشكيل حكومة تحظى بثقة اللبنانيين. وينتقد المتظاهرون عدم تجاوب المسؤولين مع طلبهم تشكيل حكومة مستقلة من اختصاصيين لوقف الهدر والفساد وإيجاد حلول للأزمات المعيشية.

اضراب عام

على صعيد متصل دعت الهيئات الاقتصادية اللبنانية التي تمثل أغلب القطاع الخاص في وقت سابق إلى إضراب عام لثلاثة أيام للضغط على ساسة البلاد المنقسمين لتشكيل حكومة وإنهاء أزمة دفعت اقتصاد البلاد إلى طريق مسدود. ويشهد لبنان احتجاجات مناوئة للحكومة منذ خمسة أسابيع أججها الغضب من انتشار فساد بين الساسة الذين يحكمون البلاد على أسس طائفية منذ عقود. ويرغب المتظاهرون في إبعاد الطبقة الحاكمة برمتها عن السلطة.

ورغم الاحتجاجات التي لم يسبق لها مثيل على مستوى البلاد والتي أدت إلى استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري في 29 أكتوبر تشرين الأول وتدهور الوضع الاقتصادي، لم يتفق الساسة المنقسمون بشدة على تشكيل حكومة جديدة. وقالت الهيئات الاقتصادية اللبنانية التي تضم أغلب الصناع والمصرفيين في القطاع الخاص ”قررت الهيئات الاقتصادية وبالإجماع الدعوة إلى تنفيذ الإضراب العام والإقفال التام لكل المؤسسات الخاصة على مساحة الوطن.

وأضافت في بيان ”بات واضحا عدم تحمل القوى السياسية مسؤولياتها الوطنية وعدم إظهارها الجدية اللازمة لإنتاج حلول للأزمة الراهنة“. وقالت دون تفصيل ”إن تحركها التصعيدي لن يهدأ حتى تشكيل الحكومة المطلوبة“. وجاء بيان الهيئات الاقتصادية بعد ساعات من اندلاع اشتباكات على طريق سريع في بيروت بين أنصار جماعتي حزب الله وحركة أمل ومحتجين مناهضين للحكومة. وقالت مصادر أمنية إن شخصين لقيا حتفهما عندما صدمت سيارتهما حاجزا على طريق ساحلي، مما زاد التوتر بين المحتجين المناهضين للحكومة والجماعات المعارضة لحملتهم على النخبة السياسية. بحسب رويترز.

وعادة ما يضع المتظاهرون حواجز على الطرق. وأثار الحادث نقاشا على وسائل التواصل الاجتماعي حول ما إذا كانت تكتيكات الاحتجاج مثل غلق الطرق قد تجاوزت الحدود. وأظهر مقطع مصور انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي التقط فيما يبدو من كاميرا المرور سيارة تصطدم بالحاجز قبل أن تشتعل فيها ألسنة اللهب. ولم يتسن التحقق من المقطع بشكل مستقل أو معرفة من أقام الحاجز على الطريق.

حزب الله و أمريكا

من جانب اخر اتهم حزب الله الولايات المتحدة بالتدخل في تشكيل حكومة لبنانية جديدة في أقوى اتهام حتى الآن بالتدخل الأمريكي في الأزمة السياسية والاقتصادية في لبنان. وفي الوقت الذي يواجه فيه لبنان أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عام 1975 و1990، قال نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إنه لا يرى أي مؤشرات لاندلاع حرب أهلية جديدة في لبنان، مؤكدا أن حزب الله لن ينجر إلى الفتنة.

وقال الشيخ قاسم إن الأزمة الاقتصادية التي امتدت إلى النظام المصرفي أصابت بيئة حزب الله الشيعية ”كما يتأثر أي مواطن لبناني من أي طائفة ومن أي مذهب... لكن هذا لا يعني أنه إذا كان جمهورنا متأثرا كما كل الجمهور اللبناني أن يكون هذا نجاحا لمن افتعل الأزمة“. وأضاف أن حزب الله أيد المطالب الشعبية بتحويل المسؤولين الفاسدين إلى المحاكمة ”كائنا من كان“.

وانزلق لبنان إلى أزمة عميقة منذ اندلاع المظاهرات الاحتجاجية ضد النخبة الحاكمة. وتأجج غضب المحتجين بسبب ما يرونه فسادا بين الساسة الطائفيين الذين يحكمون لبنان منذ عقود. ووصل الحل السياسي إلى طريق مسدود منذ استقال سعد الحريري من رئاسة الوزراء في 29 أكتوبر تشرين الأول مطيحا بحكومة ائتلافية تضم حزب الله. وكان لحزب الله تمثيل في الحكومة التي يترأسها الحريري أكثر من أي حكومة سابقة وهو ما يعكس توازنا سياسيا لصالح الحزب في الانتخابات البرلمانية عام 2018.

ويريد الحريري المتحالف مع دول غربية وعربية خليجية العودة كرئيس لمجلس الوزراء وتشكيل حكومة من الوزراء الاختصاصيين وأن يستثني منها الأحزاب الأخرى وهو شرط يحد بشكل فعال من دور حزب الله في الحكومة. وعلى الرغم من أنهم يتمتعون بأغلبية برلمانية إلا أن حزب الله وحلفاءه بما في ذلك التيار الوطني الحر يواصلون السعي للتوصل إلى اتفاق مع الحريري بشأن تشكيل حكومة تضم سياسيين وخبراء.

وقال قاسم ”المعرقل الأول في تشكيل الحكومة هو أمريكا لأنها تريد حكومة على شاكلتها ونحن نريد حكومة على شاكلة الشعب اللبناني وحاجات الشعب اللبناني“. وأضاف ”أمريكا تتحرك في الخفاء وتفرض شروطها وتسعى إلى أن تكون النتائج لمصالحها، وهذا ما يجعل الأزمة تأخذ وقتا إلى حين يئس الأطراف الخارجية من إمكانية تحقيق ما يريدون“. وتطرق إلى كلام السفير الأمريكي الأسبق لدى بيروت جيفري فيلتمان أمام لجنة في الكونجرس الأمريكي حول الأزمة اللبنانية قائلا ”فيلتمان يقول بوضوح ماذا تريد أمريكا. تريد أمريكا حكومة لا سياسة فيها على قاعدة أنها تعتقد بأنها تؤثر أكثر، هذا هو الرأي الأمريكي، وتريد حكومة تعمل مع الغرب وتراعي المصالح الأمريكية بشكل مباشر، هذا هو مضمون كلامه، نحن يجب أن نعمل بما يراعي مصالح لبنان وبما ينسجم مع خيارات الشعب اللبناني“.

وأشار قاسم إلى أن أمريكا تريد حصتها من لبنان وقال إن فيلتمان ”عندما يهدد اللبنانيين بالاختيار بين الطريق المؤدي إلى الفقر الدائم أو الرخاء المحتمل فهو يفسح في المجال أمام الخيارات التي تريدها أمريكا كحل للإنقاذ وهذا أمر مخالف تماما لحقوق الشعب اللبناني... وعندما يقول نريد حكومة مناسبة تتناغم مع أفضل حماية للمصالح الأمريكية فهو يعمل على مصادرة رأي الشعب اللبناني في حكومته“.

وقال ”فليكن واضحا الشعب اللبناني اختار مجلسا نيابيا يمثله والحكومة يتم اختيارها وإعطاؤها الثقة من خلال قرار المجلس النيابي ولا يوجد طريق آخر لإنجاز هذا الأمر. فما يراه ممثلو الشعب الذين يأخذون بعين الاعتبار مطالبه المحقة هو الذي يتحقق للبنان لا ما تمليه أمريكا تحت الضغط مهما كان الضغط“. وأوضح قاسم أن مسؤولين أمريكيين يجرون اتصالات مباشرة مع سياسيين لبنانين مضيفا ”فليتركونا حتى نتفاهم وكلما ازداد تدخلهم أخروا الحل. الآن تأخير الحل بسبب أمريكا“.

ومع أن حزب الله وحلفاءه بما فيهم التيار الوطني الحر لديهم الأكثرية في البرلمان فإنهم ما زالوا يسعون إلى تحقيق تسوية مع الحريري من أجل تشكيل حكومة يريدونها جامعة بين الوزراء الاختصاصيين والسياسيين. وردا على سؤال عن سبب عدم إقدام حزب الله وحلفائه على تشكيل حكومة بمعزل عن الحريري قال قاسم ”نحن نفضل كحزب الله أن يأتي رئيس الحكومة نتيجة تفاهم وتوافق بين الأطراف الفاعلة في لبنان وهذا ما يتطلب بعض الوقت لتذليل العقبات التي تضعها أمريكا ومن معها ونتوقع أن تحمل الأيام القادمة بعض إشارات الحل إذا لم تستمر التعقيدات“.

وأضاف ”نحن لا نفضل أن نكون هناك تحديات متبادلة في اختيار رئيس الحكومة بل الوضع اللبناني يتطلب للإنقاذ أن يكون هناك قدر مهم من الحوار والتفاهم على رئيس الحكومة وشكل الحكومة ومضمون الحكومة“. ومنصب رئيس الوزراء مخصص للمسلمين السنة وفق نظام تقاسم السلطة الطائفي في لبنان ويعد الحريري الزعيم السني الأقوى في البلاد. وقال قاسم إن ”الاتصالات موجودة بين حزب الله والرئيس الحريري بشكل دائم وهي مستمرة من أجل تشكيل واختيار رئيس الحكومة، هذه من الأمور التي يجب أن نتعاون عليها مع كل الأطراف“.

وتقول الولايات المتحدة إنها تقف إلى جانب المتظاهرين الذين يطالبون بالإصلاح ووضع نهاية للفساد وإنها على استعداد للعمل مع حكومة جديدة تستطيع أن تبني لبنان مستقرا ومزدهرا ومستقلا. وكانت مصادر مقربة من الحريري قد قالت إنه يتمسك بمطلبه تشكيل حكومة من الاختصاصيين لأنه يعتقد أن حظوظها ستكون أقوى بالحصول على الدعم الخارجي. ووصف قاسم الوضع المالي بأنه صعب وازداد صعوبة خلال الأزمة الأخيرة مع استقالة الحكومة.

وأعرب عن اعتقاده ”بأن بداية الحل بتأليف الحكومة من أجل أن تبدأ بوضع خطوات للمعالجة. وكنا قد وافقنا على ورقة إصلاحية في الحكومة المستقيلة قبل أن تستقيل وهي تساعد على الانطلاق كخطوة أولى... عندما تتشكل حكومة يفترض أن تأخذ هذه الورقة الإصلاحية أو بتعديلات عليها أو بإضافات عليها من أجل أن تعالج القضايا الموجودة في لبنان“. وأشار إلى أن أسباب الأزمة الاقتصادية هي السياسات الخاطئة والفساد. بحسب رويترز.

وقال ”نحن مع الشعب مئة في المئة لمحاكمة الفاسدين... من المفروض أن يحاسب الفاسد في لبنان كائنا من كان لأن الفاسد يأخذ من حق الفقراء وعموم الناس وهو يسلب أموالهم وحقوقهم. نحن مع كل الإجراءات التي تحد من الفساد وتستعيد الأموال المنهوبة وتحاسب الفاسدين. آمل أن نتوفق ليحصل هذا وخاصة من خلال القضاء“. وقال ”لا أرى مؤشرات لحرب أهلية في لبنان وحزب الله مصمم أن لا يقع في الفتنة التي تريدها أمريكا، ولكن لدينا معلومات عن محاولات أمريكا من أجل إيجاد بعض القلاقل الأمنية، سنحاول من جهتنا أن نعمل لنتفادى ما أمكننا“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5