مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة والتي سيتم تنظيمها في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تعيش الولايات المتحدة معركة انتخابية واعلامية كبيرة بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، ويوما بعد يوم وبحسب بعض المصادر، تزداد قضية مساءلة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذي يعد مرشح الحزب الجمهوري لتلك الانتخابات كونه الرئيس الحالي حسب العرف المتبع، في الكونجرس زخما مع الاستماع لشهادات شهود يدلون بتفاصيل جديدة حول ما يقال عن ضغطه على أوكرانيا مقابل التحقيق بشأن خصمه السياسى نائب الرئيس السابق جو بايدن ونجله هانتر. ورغم ان الخطر الذى يواجهه ترامب حتى الآن ليس كبيرا، حيث لم يقر مجلس النواب بعد بنود العزل، وهى لا ئحة الاتهام التي توجه للرئيس، إلا أن توقعات بعض الخبراء تشير إلى حتمية تحول هذا الخطر إلى حقيقية. آلان ليتشمان، أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية في واشنطن من بين هؤلاء. فالمؤرخ الذى سبق أن تنبأ بنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية على مدار أكثر من 30 عاما، بما في ذلك انتخاب ترامب في عام 2016، يقول إن العزل مسألة حتمية.

وفى تصريحات نقلتها مجلة نيوزويك، قال ليتشمان إن عزل ترامب من قبل مجلس النواب مسألة لا مفر منها، وحذر الديمقراطيين من وضع حد زمنى للتحقيق الذى يجرونه. وقال المؤرخ الأمريكي إن الديمقراطيين لم يكونوا لينقلوا عملية العزل إلى هذا الحد لو لم يكونوا واثقين من تمرير بنوده، والتي تشمل الاتهامات الموجهة ضد الرئيس. وقال ليشتمان "هذه الانتخابات هي الأكثر حرارة وغموضا".

ويرى بعض المراقبين ان هناك أزمة حقيقية يعيشها الديمقراطيون الأمريكيون، فعلى الرغم من اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، إلا أن الحزب الذي خرج 15 حاكما للولايات المتحدة غالبيتهم بقي في الحكم لفترتين متتاليتين، يقف اليوم عاجزا عن تقديم مرشح قادر على منافسة الرئيس الحالي ترامب، الذي هاجم في وقت سابق الكولونيل ألكسندر فيندمان (مدير الشئون الاوروبية في مجلس الأمن القومي ) عندما قام الأخير بالإدلاء بشهادته أمام الكونجرس وتسأل ترامب عن سبب تدخل فيندمان بالأمر، وفقا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان.

ووفقا للتقرير فقد نفى ترامب ارتكابه أى مخالفات، لكن هجومه الصريح على الشهود جاء بنتائج عكسية حيث اعتبره الكثير تهديدا لهم وهو ما يعتبر غير مقبول من الرئيس الأمريكي. وفى وقت سابق، قال فيندمان اثناء شهادته للمحققين إنه استمع إلى مكالمة ترامب ونظيره الأوكرانى يوم 25 من يوليو بصفته كبير الخبراء الأوكرانيين في البيت الابيض وعبر عن مخاوفه وشكوكه بشأن المكالمة إلى محامين مجلس الامن القومي. ووفقا للجارديان فقد أظهر استطلاع للرأي أن الجمهور الأمريكي ما زال متقبلًا لإجراءات العزل حيث كشف أن 58% من الأمريكيين يتابعون جلسات الاستماع، وأن 51% يعتقدون أن تصرفات الرئيس ترامب كانت خاطئة ويجب أن يتم عزله.

غضب وانقسام

وفي هذا الشأن تبدأ الولايات المتحدة التي يسودها توتر كبير، العد العكسي قبل عام من الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في 2020، بينما يعول دونالد ترامب على أنصاره لانتزاع ولاية ثانية وتجاوز التحقيقات لعزله التي تهيمن على الحملة. وسلك الديموقراطيون هذا الطريق الشاق مجازفين بذلك بأن يطغى على النقاشات في انتخاباتهم التمهيدية. وحتى الآن، لم يظهر مرشح واضح لهم للاقتراع من اصل عدد قياسي من الطامحين للرئاسة.

وقال ترامب بينما كان محاطا بعدد من مؤيديه "لم نكن يوما نتمتع بهذا القدر من الدعم الذي نلقاه حاليا"، كما هو الحال اليوم"، مستبعدا بذلك الفكرة التي تفيد أن إجراءات عزله قد تحرمه من ولاية رئاسية ثانية. بل بالعكس، فقد رأى ترامب أن هذه الإجراءات يمكن أن تثير حماس أنصاره الذين يشكلون "أغلبية غاضبة" متفقة على إدانة ما تعتبره "حملة شعواء" ضده. وفي لهجة تكشف أن الحملة ستكون قاسية، هاجم الرئيس بعنف "الديموقراطيين الذين لا يفعلون شيئا".

ومن التأمين الصحي إلى حيازة الأسلحة والهجرة، يحاول العديد من المرشحين الديموقراطيين دفع حزبهم إلى لانعطاف يسارا. لكن على الرغم من جهودهم، انتقلت القضايا السياسية العامة إلى المرتبة الثانية بحكم الأمر الواقع. وشهدت عضو مجلس الشيوخ إليزابيث وارن التي تعد من المرشحين الأوفر حظا للفوز بترشيح حزبها الديموقراطي للانتخابات الرئاسية، مشروعها للتأمين الصحي العام يغرق تحت زخم أول تصويت في الكونغرس في إطار إجراءات الاتهام.

وقال المحلل كريستوفر أترتون الأستاذ في جامعة جورج واشنطن "في الأمد القصير، ستهيمن اجراءات العزل على الأحداث في واشنطن، من التغطية الإعلامية إلى إعداد السياسات بشكل عام". وتردد زعيمة الديموقراطيين نانسي بيلوسي لفترة طويلة في فتح تحقيق حول ترامب في مجلس النواب الذي يهيمن عليه حزبها، خوفا من أن تواجه المعارضة تبعات إجراءات تسبب انقساما ولا تلقى شعبية.

وبالفعل، كشفت استطلاعات للرأي أن 49 بالمئة من الأميركيين يؤيدون إجراءات العزل و47 بالمئة يعارضونها، في نسب تعكس تماما ميولهم الحزبية. وما يجعل الخطوة تنطوي على مخاطر أكبر هو أن مجلس الشيوخ حيث يشكل الجمهوريون أغلبية وفية له، سيبرىء" ترامب على الأرجح. ويخشى الديموقراطيون أن يواجهوا صدمة تبرئته قبل الانتخابات تماما.

وقالت بيلوسي بهذه الخطوة في وقت سابق بعد الكشف عن محادثة هاتفية طلب ترامب خلالها من رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي التحقيق بشأن نائب الرئيس السابق الديموقراطي جو بايدن اذلي كان لابنه أعمال في أوكرانيا. وكان بايدن المرشح الأوفر حظا للفوز بترشيح الحزب الديموقراطي للانتخابات الرئاسية، لكن الجدل حول هذه القضية اثر على صورته وأدى إلى تراجع الفارق بينه وبين المرشحين الآخرين وخصوصا لمصلحة إليزابيث وارن.

ويأتي بعد ذلك السناتور الديموقراطي بيرني ساندرز، ثم رئيس البلدية المعتدل بيت باتيدجادج النجم الصاعد للديموقراطيين. وللمرة الأولى، وضع استطلاع للرأي بايدن في المرتبة الرابعة بين المرشحين المفضلين للناخبين الديموقراطيين في أيوا، أول ولاية ستصوت في الانتخابات التمهيدية بعد الشاب بيت باتيدجادج الذي لم يكن معروفا قبل عام واحد فقط. الأمر المجهول الثاني الذي يؤثر على الحملة هو البرنامج الزمني لإجراءات العزل. من غير المعروف كم سيستغرق هذا التحقيق ولا متى سيؤثر على الحملة، بينما تبدأ عمليات التصويت الأولى في الانتخابات التمهيدية للديموقراطيين مطلع شباط/فبراير.

وقال المحلل أترتون "في شباط/فبراير عندما يبدأ السباق في الانتخابات التمهيدية فعليا، أعتقد أن الحملة ستهيمن على الأحداث الأخرى". والتركيز على إجراءات الإقالة يمكن أن يؤثر على الأقل أهمية بين المرشحين ال17 لانتخابات الديموقراطيين الذين يتسمون بتنوع غير مسبوق إذ إن بينهم عدد من النساء واثنين من الأميركيين الأفارقة ومثلي معروف وأحد المتحدرين من أميركا اللاتينية. وأوضح أترتون ان هؤلاء المرشحين الصغار "لن يتمتعوا بالتغطية الإعلامية التي كان من الممكن أن يحصلوا عليها في وضع مختلف". بحسب فرانس برس.

واحدث مثال على ذلك، إعلان المرشح الديموقراطي بيتو اورورك انسحابه من الانتخابات التمهيدية لحزبه. وقد كتب "برغم صعوبة تقبّل الأمر لكن يبدو لي واضحاً حالياً أنّ هذه الحملة لا تمتلك إمكانات للتقدّم بنجاح". أما ترامب فسيحاول تكرار استراتيجيته الرابحة في 2016، أي الاعتماد على قاعدته في بعض الولايات الأساسية التي تسمح له بالحصول على أغلبية من كبار الناخبين، والفوز في الاقتراع غير المباشر حتى إذا هزم في مجموع الأصوات.

أمريكا أولاً

من جانب اخر فهناك قائمة لا حصر لها من القضايا الرئيسية التي تعتمد على ما إذا كان شعار ترامب "أمريكا أولاً" سيتواصل لمدة أربع سنوات أخرى. ومن بين هذه القضايا الخلافات التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي، ومستقبل حلف شمال الأطلسي، والتدخلات في الشرق الأوسط وأفغانستان، والبرنامج النووي الإيراني، والأزمة النووية في كوريا الشمالية. ولكن لا أحد يمكنه التنبؤ بالنتائج.

وتظهر استطلاعات الرأي انخفاض نسبة ترامب مقابل أي مرشح ديموقراطي جدي. وثبتت نسبة التأييد له عند أقل من 40% وهي نفس النسبة اثناء معظم سنوات رئاسته. ولكن هذا الرئيس الذي لا يحظى بشعبية صدم العديد من الخبراء عندما هزم هيلاري كلينتون في 2016. وأظهرت استطلاعات رأي أجرتها وكالة "موديز أناليتيكس" في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن ترامب قادر على تكرار هذا الإنجاز أي أنه سيفقد مرة أخرى الأصوات الشعبية، لكنه سيفوز بسهولة في تصويت الهيئة الانتخابية الأكثر أهمية من خلال التركيز على معاقل ذات مواقع استراتيجية.

يقول تشارلز فرانكلين، مدير استطلاع كلية الحقوق بجامعة ماركيت، إن عمق وشدة الانقسامات الجمهورية-الديمقراطية في جميع أنحاء البلاد يعني أنه لا يوجد حل وسط. وأضاف "الدعم للرئيس شديد في قاعدته، كما أن الدعم لمعارضيه شديد كذلك. وأكد أنه يجب الانتباه إلى مجموعة صغيرة من الناخبين يقولون أنه "يوافقون نسبيا" على أداء الرئيس، إذ يمكن أن يكون انتقالهم إلى "لا يوافقون نسبيا" اشارة خطر لحملة الرئيس. ولكن التحقيق في عزل ترامب يمكن أن يطيح بكل ذلك.

ويتهم الديموقراطيون الرئيس بمحاولته اجبار اوكرانيا على فتح تحقيق في نجل بايدن، أي استغلال السياسة الأميركية الخارجية لتحقيق أغراض سياسية شخصية. رغم أنه يبدو من غير المرجح أن ينجح الديموقراطيون في إدانة ترامب، ولكن وحتى بدون عزله من منصبه، فإن تصويت مجلس النواب لعزله سيبقى في سجل ترامب. ولم ينجح الكونغرس سوى في عزل رئيسين سابقين، ولكن الفضيحة ستؤدي على أقل تقدير إلى زيادة المرارة في البلاد وسيكون لها تبعات لا يمكن التنبؤ بها.

الناخبون السود

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وبعدما أثار خطابه غضب كثيرين منهم، بدأ دونالد ترامب الذي يسعى للفوز بولاية رئاسية ثانية، حملة لجذب الناخبين السود مثيرا بذلك ومن دون مفاجأة، ردود فعل حادة. ويطلق الملياردير الأميركي الذي يأمل في البقاء في الرئاسة لسنوات أربع أخرى، الجمعة من أتلانتا المدينة المحملة بالتاريخ في ولاية جورجيا (جنوب)، تحالف "الأصوات السوداء لترامب".

وقالت كاترينا بيرسون العضو في فريق حملته إن "الأميركيين السود لم يكن لديهم يوما مدافع عنهم أفضل من ترامب". لكن هذه الصيغة تبدو غير مقنعة على الرغم من تشديد رجل الأعمال السابق بلا كلل على تدني البطالة إلى أدنى مستوى. وكشف استطلاع للرأي نشرت نتائجه جامعة كويني بياك في تموز/يوليو الماضي أن ثمانين بالمئة من الناخبين السود يعتبرون ترامب عنصريا.

وكان قطب العقارات لعب في 2016 على ورقة استياء الأميركيين الأفارقة من حزب باراك أوباما، مكررا جملة قاسية "ماذا لديكم لتخسروه؟". ولم يحصد أكثر من ثمانية بالمئة من أصوات الناخبين السود، مقابل 88 بالمئة ذهبت لمنافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون. ومنذ وصوله إلى السلطة لم تؤد هجماته المتكررة على القادة الأميركيين الأفارقة سوى إلى تأجيج التوتر. وآخر هذه الهجمات، سلسلة تغريدات خلال الصيف تنم عن عداء للنائب عن ولاية ميريلاند في الكونغرس إلايجا كامينغز الشخصية التي كانت تعد رمزا وتتمتع بحضور قوي في الكونغرس. وقد توفي كامينغز منذ ذلك الحين.

ورسم الرئيس الأميركي حينذاك صورة قاتمة لبالتيمور المدينة الواقعة في ولاية ميريلاند ذات الغالبية السوداء. وتحدث عن "فوضى مثيرة للاشمئزاز وانتشار الجرذان وقوارض أخرى"، معتبرا انها "مكان خطير جدا وقذر". وعبر كليف أولبرايت الذي شارك في تأسيس منظمة "اصوات السود تهم"، عن استيائه من مبادرة الرئيس. وقال "هذا خداع ونفاق وأمر مهين"، مدينا خطاب الرئيس وكذلك تصرفاته.

أوضح كليف أوبرايت أن ترامب "لا يحاول في الحقيقة الحصول على أصوات الأميركيين الأفارقة". وأضاف "إنه يسعى قبل كل شيء إلى تقليص مشاركتهم". وتابع أولبرايت أن "إثارة نوع من الالتباس بتأكيده ليس لديكم شيء لتخسروه" يمكن أن يؤدي إلى تأثير هامشي "يدفع واحدا أو اثنين أو خمسة بالمئة من الناخبين السود إلى البقاء في بيوتهم". وفي 2016، اتت تعبئة الناخبين السود لهيلاري كلينتون ضعيفة بشكل واضح في عدد من الولايات الأساسية مثل ويسكونسين التي انقلبت لتقف إلى جانب ترامب مثيرة مفاجأة. بحسب فرانس برس.

ويأمل الديموقراطيون في 2020 أن يحشدوا من جديد جزءا من هؤلاء الناخبين لتسجيل نسب قريبة من تلك التي تحققت في الانتخابات التي فاز فيها باراك اوباما في 2008 و2012. وسيكون الأمر مرتبطا أيضا إلى حد ما بالمرشح الديموقراطي الذي سينافس ترامب في الانتخابات. فنائب الرئيس السابق جو بايدن يتمتع بشعبية كبيرة بين الناخبين الأميركيين الأفارقة خصوصا بسبب علاقاته الممتازة مع أوباما، أول رئيس أسود للولايات المتحدة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2