تزداد المشاحنات وتوترات بشكل كبير يوما بعد يوم بين ايران والمملكة العربية السعودية، التي تخشى فرض الهيمنة الايرانية على الشرق الأوسط، وتُعارض زيادة انخراط ونفوذ الدولة ذات الغالبية الشيعية في المنطقة. هذه التوترات والازمات المتصاعدة اثارت قلق ومخاوف العديد من الدول والحكومات، خصوصا دول الخليج العربي التي تخشى من اندلاع حرب كارثية في المنطقة التي تعيش جملة من التوترات والمشكلات الامنية والسياسية، ويبدو أن السعودية التي صعدت حربها الاعلامية ضد ايران، قد اكتسبت وبحسب بعض المصادر المزيد من الجرأة من خلال موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المماثل في شدته تجاه طهران.

وتشن الرياض حربا طويلة الأمد ضد الحوثيين في اليمن المجاور. ويقول السعوديون إن الحوثيين يتلقون دعما من إيران، وهو الاتهام الذي دأبت طهران على نفيه. كما تدعم السعودية كذلك معارضين في سوريا، وترغب في الإطاحة بالرئيس السوري، بشار الأسد، وهو أحد الحلفاء الرئيسيين لإيران. وتعد السعودية إحدى أكبر الدول المستوردة للسلاح في العالم. وتشير تقديرات إلى عدد قواتها يبلغ 227 ألفا.

ودعمت إيران التي تمتلك قوة عسكرية كبيرة متطورة الرئيس السوري، بشار الأسد، في حربه ضد جماعات المعارضة وتنظيم داعش ولعبت قوات الحرس الثوري دورا بارزا في التقدمات التي تم إحرازها في مواجهة الجماعات الارهابية في سوريا والعراق. وترى ايران أن السعودية تحاول زعزعة استقرار بعض الدول الحلفية بدعم مباشر منالولايات المتحدة خصمها الرئيسي.

ازدات التوترات بشكل كبير وفي الفترة الاخيرة خصوصا بعد الهجوم الكبير على شركة ارامكوا السعودية، وهو مادفع الرياض وواشنطن وعلى الرغم من اعلان جماعة انصار الله اليمنية مسوليتها عن الهجوم الى اتهام طهران التي نفت ذلك. وانجرت إيران والسعودية إلى نزاع متصاعد بعد إعدام رجل الدين الشيعي، نمر النمر. وقد قُطِعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتبادلا كلمات غاضبة، واقتحم محتجون إيرانيون مبنى السفارة السعودية في طهران. لكن النزاع بين البلدين الواقعين في منطقة الشرق الأوسط له جذور عميقة، وتاريخية، وسياسية. فالانقسامات الدينية تمثل عاملا من ضمن عوامل أخرى ولكنه بالتأكيد ليس العامل الوحيد.

التوترات المتصاعدة دفعت بعض الحكومات الى التحرك من اجل ايجاد طرق اخرى لحل هذه الخلافات وابعاد شبح الحرب المحتملة، وقد أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، أن بلاده تلقت رسائل من السعودية عبر وسطاء، دون الكشف عن محتوى تلك الرسائل. وأضاف «تلقى الرئيس حسن روحاني رسائل من السعودية عبر قادة بعض الدول». وقال ربيعي: «إذا كانت السعودية تريد فعلا تغيير سلوكها فنحن نرحب بذلك»، متابعاً: «نود أن تكون إحدى الرسائل العلنية للسعودية هي إنهاء حرب اليمن».

إلى ذلك، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، أن بلاده مستعدة لخفض التوتر مع السعودية إذا ما كان الطرف الآخر مستعدا. ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية «إرنا» عن المتحدث عباس موسوي القول: «هناك دائما إمكانية لحل النزاعات من خلال الحوار، وإيران لا ترفض جهود أولئك الذين يرغبون في تجنب انعدام الأمن في المنطقة. نعلن دائما أننا ندعم هذه الإجراءات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر». وأضاف: «في السابق، كانت هناك دول في آسيا وأوروبا بذلت جهودا، وأبلغت إيران، ورحبت إيران بهذه الجهود، لكن الجانب الآخر ليس مستعدا وفقا لبعض الحسابات والأوهام، وعندما يكون الطرف الآخر مستعدا فنحن مستعدون أيضا لخفض التوتر».

تسوية سياسية

وفي هذا الشأن أكد ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، اتفاقه مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، على أن الهجوم على منشآت شركة أرامكو النفطية "هو عمل من أعمال الحرب من قبل ايران"، وذلك في مقابلة مع برنامج "ستون دقيقة" الذي يبث على شبكة "إم بي إس" الامريكية. غير أن محمد بن سلمان قال في ذات المقابلة أنه "يفضل الحل السياسي على الحل العسكري مع ايران" لمنع مزيد من التصعيد معها، ولمنع ارتفاع أسعار النفط إلى "أسعار خيالية"، على حد وصفه مالم يتضافر العالم لردع ايران.

وتأتي تصريحات ولي العهد السعودي بعد أكبر ضربة تلقتها صناعة النفط السعودية في تاريخها، حيث تعرضت منشآت تابعة لشركة أرامكو لقصف بطائرات ميسرة أسفرت عن انخفاض الإنتاج النفطي السعودي بمقدار النصف، وذلك قبل أن تبذل السلطات السعودية مجهودا كبيرا للعودة بالإنتاج لمستواه السابق. كما أن موقف ولي العهد السعودي يأتي بعد شكوك حول رغبة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في الدخول في مواجهة عسكرية مع ايران، خاصة وأنه يواجه في الوقت الراهن تحقيقا يقوده الحزب الديمقراطي بهدف عزله من منصبه. كما أن ترامب ربما لا يرغب في توريط القوات الأمريكية في أي عمل عسكري في الخليج قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية.

ويخالف موقف محمد بن سلمان الراهن، وهو تفضيل الحلول السياسية مع ايران، ما سبق أن أعلنه في مقابلة مع قناة الاخبارية السعودية في مايو/ايار 2017. إذ قال رداً على سؤال حول ما إذا كانت السعودية قد تقيم حواراً مع إيران: "كيف أتفاهم مع واحد أو نظام لديه قناعة مرسخة بأنه نظام قائم على أيدولوجية متطرفة منصوص عليها في دستوره ومنصوص عليها في وصية الخميني بأنه يجب أن يسيطروا على مسلمي العالم الإسلامي ونشر المذهب الجعفري الاثني عشري الخاص فيهم". وأضاف محمد بن سلمان في هذه المقابلة "لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لتكون المعركة عندهم في إيران".

وعلى الجانب الآخر رحب رئيس مجلس الشورى الايراني، علي رجاني، باستعداد ولي العهد السعودي لحل المشكلات العالقة بين البلدين عبر الحوار والقنوات السياسية. كما أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي عن أن السعودية بعثت برسائل إلى الرئيس حسن روحاني عبر زعماء دول أخرى وإن لم يكشف عن محتوى تلك الرسائل.

رسائل غير دقيقة

في السياق ذاته وصف عادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودية، تصريحا أدلى به متحدث باسم الحكومة الإيرانية حول رسائل بعثتها المملكة إلى طهران بـ "غير الدقيق". وقال الجبير، على صفحته على تويتر: "ما حدث هو أن دولاً شقيقة سعت للتهدئة، وأبلغناهم بأن موقف المملكة يسعى دائما للأمن والاستقرار في المنطقة، كما أبلغناهم بأن التهدئة يجب أن تأتي من الطرف الذي يقوم بالتصعيد ونشر الفوضى عبر أعماله العدائية في المنطقة، ونقلنا لهم موقفنا تجاه النظام الإيراني الذي نعلنه دائماً، وبشكل واضح في كل المحافل، وآخرها خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة."

وتابع الجبير قائلا: "وبشأن ما أشار إليه متحدث النظام الإيراني عن التهدئة في اليمن، فإن المملكة لم ولن تتحدث عن اليمن مع النظام الإيراني، فاليمن شأن اليمنيين بكافة مكوناتهم، وسبب أزمة اليمن هو الدور الإيراني المزعزع لاستقراره والمعطل للجهود السياسية فيه". ورأى الجبير أن "آخر ما يريده النظام في إيران هو التهدئة والسلام في اليمن فهو الذي يزود أتباعه بالأسلحة والصواريخ التي تستهدف أبناء اليمن وأمن المملكة ودول المنطقة كجزء من نهج هذا النظام التوسعي الساعي لفرض سيطرته على الدول العربية عبر الميليشيات التابعة له." بحسب بي بي سي.

واختتم المسؤول السعودي قائلا: "إن كان النظام الإيراني يريد السلام والتهدئة في اليمن فلماذا لم يقدم عبر تاريخه أي مساعدات تنموية أو إنسانية للشعب اليمني الشقيق بدلا من الدمار الذي تجلبه الأسلحة والصواريخ الباليستية؟". وفي وقت سابق، قال عباس موسوي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إن طهران مستعدة للتهدئة مع السعودية إذا كانت الرياض مستعدة لذلك. كما أعلن قائد الأركان الإيراني محمد باقري في تصريحات سابقة أن الحرس الثوري الإيراني لا يقدم إلا استشارات للحوثيين، وليس مساعدات عسكرية. وأضاف أن إيران تسعى لتوفير الأمن في المنطقة وليست لديها رغبة في خوض أي حروب.

وكانت تقارير أشارت إلى أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، قدم خلال زيارته للسعودية الأسبوع الماضي مقترحا للحوار مع إيران «يتلخص في مطالبة السعودية بالجلوس إلى طاولة حوار مع إيران لتخفيف التوتر في المنطقة». وقال عبد المهدي إنه يجب العمل على إبعاد شبح الحرب عن المنطقة لأن الدمار والأذى سيصيبان الجميع.

وأضاف في مقتطفات من مقابلة مع قناة «الجزيرة»، أن السعودية تبحث عن السلام والتهدئة، مشيرا إلى أن هناك استعدادا لتقديم تنازلات وفتح ملفات كانت مغلقة. وأعرب عبد المهدي عن اعتقاده بأن هناك الكثير من المؤشرات على أنه لا أحد يريد الحرب في المنطقة، باستثناء إسرائيل. وأوضح أن زيارته إلى السعودية كانت من أجل التهدئة، وأن حل الأزمة في اليمن يمكن أن يشكل مفتاحا لحل أزمة الخليج.

وأكد رئيس الوزراء العراقي أن جميع الدول المعنية بالأزمة في الخليج ، ومن ضمنها أمريكا، تتحدث عن المفاوضات، وأن السعودية وإيران مستعدتان للتفاوض. وأوضح عبد المهدي «أن الحديث عن كيفية صياغة نهايات لحل أزمة الخليج سيضعنا أمام طريق مسدود». وقال قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء حسين سلامي، إن تدمير إسرائيل «لم يعد حلما بل هو هدف يمكن تحقيقه». ونقل موقع الحرس الثوري عن اللواء سلامي قوله إنه مع نهاية الأربعين عاما الأولى «من الثورة الاسلامية، بلغنا مستوى القدرة على تدمير الكيان الصهيوني».

وأضاف «لا بد في الخطوة الثانية (من الثورة) من محو هذا الكيان المقيت من جغرافيا العالم، وهو أمر لم يعد حلما بل هو هدف يمكن تحقيقه». وأدلى اللواء سلامي بهذه التصريحات في طهران خلال اجتماع نصف سنوي لقادة الحرس الثوري، فيما يخشى عدد من المراقبين تصعيدا في التوتر بين طهران من جهة وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى يشعل الشرق الأوسط. وأوردت تصريحاته أيضا وكالة الأنباء الإيرانية (ارنا) في إطار خبر تحت عنوان «الأعداء يعانون من ضعف لا يمكن الخروج منه»، مشددة على قول اللواء سلامي إنه رغم «العداء» لإيران فإنها تزداد قوة «وستخرج منتصرة على خصومها». وتزامن خطاب المسؤول الإيراني مع إحياء اليهود بداية العام الجديد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0